لم يعد أمام الناقد العربى والشاعر العربى بحكم انتمائهما المشترك لنفس الشريحة الاجتماعية إلا أن يخوضا معا ذات التجربة لمجتمعهما وان يحدداها ويساهما فى التخفيض من حدة البؤس الذى يكتنفهما . ومن هذا المنطلق بالذات كان أصل الفهم الجديد للشعر طبيعته الاجتماعية من حيث ارتباطه المتين بالواقع للتحليق فيه والعودة إليه ؛ كما انه بناء على هذه العلاقة التي لا يمكن ان تتجمد البتة تسلح الناقد العربى بمنهج دقيق لتحليل الواقع وفهمه ، وهو منهج الغاية منه اكتشاف الدلالات المتعددة فى العمل الفنى الواحد الى جانب الاحتساب على الشاعر الذى كثيرا ما يغفل عن حريته الفنية ويكتب شعرا يستمده من الذاكرة ولبس من الواقع
هذا ورغم المحاولات الجديدة فى الشعر ، مازلنا نجد عدة شعراء يقفون فى محاولاتهم - والشاعر عندى هو ذلك المحاول أبد الدهر - عند حد استغلال اللغة كوسيلة تعبيرية دون الاهتمام بتقديم رؤى حديدة متكاملة العناصر من حيث استخدام المفردة العربية استخداما يكشف عن قدرته الابداعية .
زد على ذلك أن بعض الشعراء قد اعتقدوا إن فنهم يحب ان ينفصل عن السياسة بالخصوص وان يكون مجرد أصوات متفرقة وسط دائرة محددة مملكه عبقر الشعرية التى هى لهم وحدهم مثلما اليهودية لليهود
وفى قصائد العدد الماضى ملامح عديدة وتصورات مختلفة للفن الشعرى إلى جانب التفاوت الواضح بينها والراجع اساسنا إلى خصب حياة الشاعر الخاصه وإلى تفاعله مع واقع الفكر العربي المعاصر ؛ ونحن لا نود استخلاص القواعد النظرية من تلك الظاهرة بقدر ما نريد درس ما يحدث الآن في حقل
الشعر من خلال تحليل أهم تلك القصائد التى نعتبرها تعطى صورة لا تبتعد كثيرا عن واقع الشعر فى بلادنا وفى البلاد العربية على حد السواء .
والقصيد الاول الذى نتعرض له والبارز بشكله العمودى للشاعر عبد المجيد بن جدو وعنوانه " عربية شقراء " ، والشاعر فى هذه القصيدة لا يغني عواطفه مستعيرا ألسنة الآخرين كما فعل بعض شعرائنا الذين تحدثوا بألسنة الآخرين واعطوا شعرا فاترا ، وقد يؤاخذ بعض المجددين أو - الجدد - هذا الشاعر على صياغته قصيده على ذلك الشكل ، لكنه قد برهن به على قوة وجدانه الخاص وعدوله عن التدخل فى شؤون العالم ؛ كما كانت لغته تقليدية ومتفجرة فى نفس الوقت ، وهو ما يجعل عددا هاما من القراء يقبلون عليها إذ أنها تخاطب الذوق الفنى العام الذى لم يرفض إلى حد الآن القصيد العمودى وما يستوعبه من مواقف رفضا باتا ، فمن القراء يرفض قول بن جدو
يا ظبية لم تزل اوصافها فى بلدى تحكى جمال العرب لكن الغريب هو موقف الشاعر - فى هذه القصيدة على الأقل - من المرأة او لم يتمكن إلى حد الآن من نزع تلك الهالة القدسية التى وضعها القدامى على جبينها ؛ أو لم يفكر بن جدو يوما أن المرأة وإن كانت " عربية شقراء " ليست قضية يقدر ما هي كائن عادى وكفى ؟ ! . . هذا وإن لم يرتح الصفوة إلى هذا الموقف - شكلا ومضمونا - فان حضوره فى الشعر التونسى سيبقى احدى دعائم تاريخ هذا الشعر ، وإحدى الأسباب الهامة فى خلق الأزمات التى لا يتقدم تاريخ الفكر بدونها .
أما قصيد عبد القادر بن شرودة : " إن حبى يشفع " فيدخل فى نطاق الشعر المعترف به فى " شرع آبائنا الأدباء وهو وإن أقام الدليل على عدم تنكر القافية للتعبير عن عواطفنا الصادقة وغير الصادقة فانه اكتفى بجمع أفكار تطفح بها قلوب من امنوا بالجهاد وب
" حبيب هواه فى كل قلب نهر ود من الشرايين ينبع " ولعل " بن شرودة " فى هروبه إلى " البحر الخفيف " قد اتخذ لنفسه مأمنا من اصفاد النقاد المحافظين الذين اصبح مجرد وجود القصيدة العمودية ضمن نشرية ما يثلج صدورهم ؛ ومن المجددين الذين سئموا انتقلاد ذلك الشكل أو كادوا .
الرفض والقبول فى " أرفض ان تتجسد اشواقنا بقصيدة " لعلى مصطفى : نتوهم عند قراءة عنوان هذا القصيد أننا سنخرج من بين صفوف الناس ، لكن القصيد يضعنا رغم انفسنا فى وسط الصفوف نفسها . فلقد قادنا القصيد بلطف بالغ إلى تحس مشكلة قومية أصبحت جرحا عميقا فى ذهن كل العرب وحكوماتهم . ولئن توجه الشاعر فى أول القصيد إلى حبيبة إنسية ليعبر لها عن حضورها الدائم فى قضية حياته على ما يظهر دون إن ينزلها إلى عالمه حتى لا تكون ككل النساء فانه يقلب تعاطفنا معها إلى التعاطف مع البلاد - الطعنة ومع الوطن السليب ومع الاخ العربى المقاتل الذي يحصد الخناجر المزروعة فى جسم فلسطين " المشبوحة الباكية " . - ٥ )
أنا تسقط الكلمات الوضيعة فى عمق نفسي لأحلم فى صحو عينيك دهرا وانت بعيدة لأني أرفض أن تتجسد أشواقنا بقصيدة " .
أما عن رفضه القصيدة مطلقا " بقصيدة حرة " فتلك وسيلته الوحيدة كفنان ، ولعله يدعو بذلك إلى ثورة جذرية على القصائد التى تحسد أشواقنا المتقدة برمل صحراء العرب
باريسيات " قصيد لرياض المرزوقى يشير أول القصيد إلى الزمن الذي يطوى أعمارنا ونحن غافلون . والمرزوقى نفسه كان غارقا فى تأملاته التى لا تنفصل عن العالم الواقعى حيث كان ذائبا فى عالم من الفناء الموقع على شكل موسيقى كلمة باريس التى لتكون من مقطعين طويلين ، الاول منفتح ) حرف وحركة طويلة : يا والثاني منغلق ) حرفان أولهما متحرك بالفتح الطويل والثانى ساكن : ريس ( وفى هذه " الحاله الاجتماعية " التى تشملنا جميعا تناسي الناس أن الشاعر يحمل شكواهم ويساهم بقسطه - فى التخفيف من آلام منزلتهم الانسانية وفجأة يسمع الشاعر النشيد ، وعرفه بالالف واللام وكأنه قد حدثنا عنه قبل ليقول إنه النشيد الذى يغنيه جميع الناس لاستهواء قلوب النساء ؛ كيف لا
والنشيد نفسه جزء من قصيد " إدقار ألان بو الذى عنوانه " حلم فى حلم وهو قصيد يطرح غربة الفنان الشاعر الذى لا ينفك يوازن بين الصدق وبين جمال الفن ، ويقول المرزوقى فى كلمات " بودليرية " :
الصدق جمال الفن والفن طهارة حتى لو وصف الشاعر وكر دعارة " .
وكما عالجت الشاعرة " مى صايغ " فكرة الموت فى ديوانها الجديد " قصائد حب لاسم مطارد " فان المرزوقى قد أشار إلى هذه الفكرة لكن بلغة كادت تتقادم
أعماقنا تغط فى منامها ، تعانق المأساة تفكيرنا مكيف ، حياتنا ممات .
والمرزوقى وإن عبر عن انتمائه " لادقار ألان بو " و " لبودلير " رولقبوم أبو لبنار " فلقد كان قصيده ضبابيا ذاتيا لا يضاهى فى مستواه الفني وبعده الحضارى والعاطفى قصائده التى كتبها منذ حوالى أربع سنوات خلت حيث كان يذيلها بقوله " إلى حمامتى الغالية ف " .
صلاة الجمعة " لمحمد الشابى وصلاته التى لم تنته . أول ما يلاحظ فى هذا القصيد موسيقيته الميكانيكية الرتيبة التى اصبحت احدى العلامات المميزة لشعر هذا الرجل . ويرسم القصيد بعض الصلات الاجتماعية التى أصبحت جزءا من عاداتنا بقدر ما كانت قاعدة أخلاقية ودينية ذهبية ومنها بالخصوص تقديم امام الجمعة والتعلق بما تهرا من الاحداث التاريخية الاقليمية الضيقة
أما إذا تكلفنا مشقة اختيار جزء من هذا القصيد لتقديمه للقارئى فلا نجد آحسن من قوله :
هذا على ، دائما يقتل . . . . ألف رجل . . . بضربة حسام وهذه هدية ٠٠٠ لشاعر . . . جارية . . ومائتا غلام " .
حيث يشير " محمد الشابى " إلى قوة الشخصية الحربية التى عرف بها على بن ابى طالب فى واقعة صفين المشهورة بالخصوص ، لكنه كان بامكانه كتابة هذه العبارات على الشكل التالي :
هذا على دائما يقتل . . . . الف رحل بضربة حسام وهذه هدية . . الشاعر . . . جارية ومائا غلام .
ويكون بذلك قد أبدع حقا فى استعمال قافية علانية ) حركة طولية وحرف ساكن ( . . وعليه فهذا واحد من قصائده الكثيرة التى ترددت فى قوقعية باررة ، فوقفت بذلك فى الخط الفنى الذى كان من اللازم ان مواصلة ويطوره ، ورأي آن محمد الشابى " ليس الآن في فترة خلق ذاتى بقدر ما هو فى حالة مخاض
خروج عن الارض والذاكرة للشاعر محمد احمد القابسي لا يرمى هذا القصيد بنفسه فى بلاغة قدامة بن جعفر كما لا يتخلف عن لشف المزاج الجديد للشاعر العربى المعاصر ، ولا يملك القارئ له غير قاموس اللغة البكر التى بنت عالما جديد للتترقب والنسيان : ترقب الآتي مجهول وسيان الماضى المتهرىء . والقصيد هرمون من التجربة المرحلية ومن الاحتياج الفنى الذى يترقبه الشعر الحالى . ولا اعتقد أن الشاعر يستهدف هنا الخروج عن المالوف فقط بل هو يرفض تماما الانحناء أمام كل تركة التخلف الفكرى او رنايته . . ثم ان هذا القصيد قد وضعني أمام خواطر شتى حول قضية التجربة الابداعية فى الشعر رغم اعتقادى أنها تحمل على عاتقها تغطية عدة
مستويات فى قضية الانسان من جهة ورغم لغتها المتدفقة حينا والمهموسة احيانا أخرى والتى تصل فى بعض مواضع من القصيد إلى درجة الغموض ولك ان تقرأ اى جزء من هذا القصيد لتأخذ فكرة عن مستوى الادوات الشعرية المستعملة ، يقول :
" آه لو تررضعينني الفرح المحرم وتسكبين فى وجعى ضراوة القبل المغلوبة ، ايتها العاشقة . . وحدى استند إلى حائط الذاكرة المثقوبة ، وامتشق وجهك على خطوط الترصد ، الغياب واكتب عنك آخر قصائد الحكم فانت الغائبة
الحاضرة
سيدة الأرض والذاكرة " وهذه هي اللغة السائدة فى كامل القصيد من حيث حداثة الصورة الشعرية واستخدام الموسيقى الداخلية التى تفرضها العلاقات الصوتية بين الكلمات فيما بينها .
هذا ، والشاعر وإن حمل رسالة فنية وأعلن التزامه لها بوجدانه وبكلماته فذلك حدير بآحترام الصفوة له ، ولكن يبقى أن يطالبه القراء والشعر الحديث حقوقهم المشروعة التى تتمثل أساسا فى تأدية رسالة اجتماعية عن طريق الانتماء الحضارى لاحدى البناءات الاجتماعية ، إذ المتأكد على الشاعر اليوم آن بتحسس المشكلات العارضة فى حياة الانسان لحظة بعد لحظة لا أن يصنع لنفسه عالما لا يشاركه فيه أحد .
ثم أن فى القصيد شعورا واضحا بالحرج الذي يعانيه فنانونا اليوم ، الحرج من الانتماء لمدرسة معينة أو التكلم باسم صنف معين من أصناف المجتمع .
" ماذا ! لو تهجرين الذاكرة حتى الصحو وتزهرين فصلا خامسا للنسيان ماذا ! لو تصيرين لونا مباحا للمحو مرفوضا من الذهن من خارطة الألوان .
فرغم بوجهة إلى المؤنثه المخاطبه فانه لا يفك ذلك الرمز . . وينتهي المقصيد ولا تدرى هل كنا على صلة بآمرأة أم بأرض أم بقضية لم يعتن بها الآخرون .
وهنا يضعنا القصيد فى عالم مجهول لا نخرج منه إلا بعد أن نتيقن فعلا اننا خرجنا عن قيود الارض وحبال الذاكرة
هذا وليس بعيدا عن السادة الشعراء أن الشعر الذي لا يزال بشغل مكانة مرموقة بين اقتوبنا الادبية لا بد له من تطور جذرى وأكثر جدية ، إذ المطلوب من الشاعر الان هو أن يكون وسيطا بين نفسه وبين العالم من جهة وان يتناول مواضيعة العديدة بطرق توقظ فينا إحساسا جديدا يوثق صلتنا بالفخر وبالفن على السواء . وأهمس لشعراء العمود بالخصوص : لا خوف على الشعر من الاندثار إن أنتم حاولتم التخلى عن بحوركم " وشطوطها قصد التجديد ، إن القارىء الذي قد يتعذر عليه اليوم فهم قصيدة جديدة لعدة أسباب لعل من أهمها مستواه الثقافى وضيق تجربته الحياتية - سيدرك يوما ما كل ما تريدون قوله ، إذ الشعر فى معناه الحضاري رسالة للكبار وليس للصبيان والأطفال بل هو كذلك موقف تاريخي قبل أن يكون طاقة تصرف بالمجان

