أحب بادىء بدء ان أحدد الموضوع وأضبطه فى : البحث عن الملامح الاصيلة فى شعر نور الدين صمود ، ومقارنتها بملامح هذا المنعرج الذى أخذ بعضه تحت شعار : الوان جديدة : أقصد ، ما هو مدى الصلة بين نمط القديم ونمطه الجديد حسب تعبيره ؟
لا شك ان صمود ذو شاعرية رقيقة وطريفة ، باعتبار الاتجاه الفنى الذى ظل يسير عليه ، ويستلهم منه معانيه وروحه ، وبما يكسوه به من الصور ، والاصباغ ، وبما يميزه من اخيلة شفافة يسرى فيها نفس صوفى رومنطيقى حالم على رقة ، واشراق وازدهاء . وهو المدى الذي أصاب فيه نجاحا كبيرا
بالقياس الى المواضيع التى - أحسبه - فرضها على نفسه ، وصار يهدف بها فى عزم عقلي ورغبة مصممة - الى استيعاب الالوان والانماط التى يلتجئ اليها غيره ، اما عن ميل شخصى ، وفلسفة اجتماعية اصيلة ، واما عن انحراف مع تيار المقاييس العامة والجديدة التى باتت تتحكم فى توجيه الفكر والفرد عامة لخدمة القضايا المباشرة للانسان . ونحن وان لم يكن من حقنا ان نتحكم لا فى الاذواق ، ولا فى الاختيارات الشخصية ، فان من حقنا ان نحكم على العمل من حيث الجودة والاصالة والابداع . فاى موضوع لا يهمنا لذاته فى المعرض الفنى بقدر ما يهمنا مدى النجاح ، ومقياس الابتكار والخلق فيه . وأحسب ان الشرط الاساسى لذلك - زيادة عن الطاقة الفنية والكفاية الادبية - هو الاقتناع الباطنى والايمان العميق برسالة الموضوع . . ولا أظن ان الشاعر صمود مؤمن فنيا - ونحكم من خلال الانتاج ونوعيته ومقارنته بما نجم فيه -
بهذا الاتجاه الجديد . . ولعل سحر الالتزام الذي بولغ فى تضييقه وحصره فى مجالات محدودة ومباشرة ، اذ حصر فى الظروف الاجتماعية غير القارة للانسان على حساب كونه قيمة فى ذاته بما يشتمل عليه من عواطف واصلاح وخصال انسانية . . لعل ذلك هو الذي جعل السيد صمود يعزم على يكون ملتزما بالمفهوم المألوف للالتزام لا بالمفهوم الاصيل لالتزام الفنان نفسه وفنه فان منهج الشاعر " القديم " هو التزام رفيع وصادق لا من حيث كونه تعبيرا عن اشواق انسانية فقط بل من حيث كونه تعبيرا عن اشواقه
ومزاجه وطموحه الجمالى . أفلا يحسب انطلاقه من صرامة الحياة ، فى عوالم الازدهاء والاحلام والاشواق والصلوات الانسانية المبتهلة - أفلا بحسب من الالتزام : أليس السعى للتسامى عن الواقع والتطلع الى المثل الاعلى من قبيل ممارسة الرسالة الادبية على ارفع الوجوه ؟ وفى اعتبارى ان قيادة الروح فى معارج السبح والتعالى والأمثلة الذهنية والعاطفية التى يسعى الشاعر فى عرضها فى صور فنية اخاذه . وفى قوالب ثرية ، والوان متحركة هي ارفع خصاله ، والتى كان فيها يرخى - فى وعى متذوق ، وحس دقيق وذكى - قواه اللاقطة وذوقه المصفى الى الميراث الفنى ، والى اعالى التصورات الادبية لمتعاقب أمثلة النجاح الفنى فى الادب العربى .
ورأينا الفرات يسخو كريما وسمعنا " لدجلة " الحانا
العراق السخى عرس عطاء يمنح الحب والاخا طوفانا
أفلا يذكرنا هذا بتداعى صور النابغة الذبيانى عن نهر الفرات مشبها سخاءه بسخاء النعمان .
وما الفرات اذا جاشت غواربه ترمى او اواذيه العبرين بالزبد
يمده كل واد مترع لجب فيه ركام من الينبوت والخضد
يوما باجود منه سيب ناقلة ولا يحول عطاء اليوم بعد غد
فالحق ان مراجعة شاملة وعميقة لما نشر الشاعر صمود تدلنا على امتيازه ببعث المضامين الموروثة فى الوان متجددة وساحرة ومتمدنة ، تواكب الذوق والمشارب الجديدة والتصويرات المعاصرة ، كما ان الشاعر يستصف خبراته الشخصية وتجاربه الذوقية فيخصب شعره بثروة من الصور المتتابعة والمتسارعة تطعم باصول الاخيله والتجارب السابقة بمعنى ان تجربته الادبية كثيرا ما تستمد مادتها الخام من عموميات تجارب سابقة يصيرها مادة بكرا له
رسائلك المعطرة الغوالى أهازيج من العطر السكيب
لرفرفة النهد الف نداء تفسره المقل الجائعة
ازارعة الطيب فوق الدروب فديتك من فتنة رائعة
عيناك يا حبيبتى فراشتان حلوتان
عمرهما اخضرار
لؤلؤتان تشرقان من صفاوة المحار
عيناك مخبأن للحنين والنضار
وزورقان أخضران
عليهما حمولة من البهار
فالبرغم من اننا قد نستحضر ونحن نطالع شعر صمود كثيرا من الاخيلة
والاحاسيس الفنية المترسبة فى اعماقنا فاننا نحس بان الشاعر قد حول مجرى الدفق الى مسارب جديدة ، واذن فالصلة بين الميراث والخبرة والاختزان الحى المتفاعل هى ايضا واحدة من خصاله اذ يعمد كثيرا الى التأليف والتركيب والتوفيق فى براعة صاهره ينجح فيها الشاعر غالبا .
قد يتردى فى السطحية ، وفى اسر الصور الساطعة فيتداعى وراء بهرجها ولا يحسن التحكم في مختزناته العامة فيطمس ما نجده عامه فى شعره من احساس عميق واندساس خفى فى رؤاه الفنية تحت شفافية الصورة ولعل هذا ايضا من ملامح خصاله وان كان ليس منحاه الفنى . واذا كان لا بد من الاستشهاد فانى أتحول إلى قصيد " عزوف " حيث نجد صدقا نفسيا وفنيا مع اقتدار ونجاح فى تصوير الباطن بمفهوم انسانى عال فيه ازمات الصراع الرائع وفيه حدة الحيرة الروحية المتأججة وفى الحقيقة يبدع الشاعر فى تحليل واستبطان الاحاسيس كلما احس بموضوعه وتفاعل معه خاصة عند ما يكون موضوع تجربة حياتية او فنية فيولد رؤى رائعة .
وتمشى الشحوب فى وجهك المعبود كالبرد فى الشتاء الكئيب
وترديت فى نزاع عنيف يغرق القلب فى بحور اللغوب
بين قلب مكبل بغرام وانتقام لعزك المسلوب
فاذا ما أسلمت للحب قلبا أيقظ الانتقام فيك ذنوبى
وتظلين - طالما انت غضبى - فى عراك مدمر ونحيب
فالشاعر عند ما تغذيه لوعة نفسه أو لوعة غيره يلتهب خياله برؤى بارعة ويتوقد ذهنه بابتكارات معنوية جيدة ويتفتق حسه بتجسيد فنى اية فى الابداع . . فاذا ما احس بالحرمان والصد والاعراض او الكبت العاطفى بالمعنى المطلق لهئت صوره حاملة نفسه فى شوق وحزن وضراعة وعطش روحى غاية فى الجمال والطرافة فيتقلب بين مختلف الحالات النفسية من كبرياء واستسلام واحتمال وكمد ووداعة وطفولة ساحرة .
أحبك أقسم بالنرجس
وبالسحر فى الاعين النعس
وبالكرم يلهث شوقا الى
نفور الاباريق والاكؤس
برفرفة النور فى مقلتيك
يمد خيالى بسحر السنا
بقلبك ذاك العطوف الحنون
يبدد حزنى ويفنى الضنى
والان وقد عرضت فى اقتضاب مفرط - لقلة المادة وتلاشيها فى ثنايا المنشورات - الى ملامح شعره الذى صار قديما بالقياس الى الوانه الجديدة
فما الذى اريد ان اقوله عن جديده ساقتصر على قصيده الاخير : اسطورة الجنس اللطيف " هذا القصيد يمثل مضمونا اصيلا هو قبل كل شئ ثورة الشاعر على ذاته وتصفية حساب مع ماضيه الفنى وحسم لكثير من التهم -
غير العادلة - التى وجهت له كما لشعره ويتركز هذا المضمون فى استنكار مفهوم المرأة الدمية باعتبارها مظهر ترف ومعرض اغراء وفتنة ومنطلقا خياليا هائما - وهو اذ يسخر بالمرأة فى سخريته بما يسمى بالنظر الى طبيعة نظرته الى المرأة في اعماله السابقة - بالكفاح فى سبيل صور العطر - يسخر بعقل الرجل من جهتين اثنتين : من جهة سخفه فى تقديس المرأة وعبادتها الى هذا الحد . ومن جهة الباس الرجل طبيعة المرأة واغترارها وافراطها فى مظهرها وجمالها ولو كان متصنعا وبعد فما الذى يريده صمود ؟ أيريد منا ان نلتفت الى ما فينا من جمال مظهر واختصاص بالفتنة والزهو بذلك على النساء ؟ ام يريد منا ان نسمو بنظرتنا الى المرأة فنتوجه بمفهوم علائقنا وجهة أرقى ، تتلاقى فيها الروح بالروح والتسامى بالتسامى ؟ وهو ما لا يوجد ولو فى بعد الابعاد كل ما فى الامر ان السيد صمود قلب القيم والبسنا لباس غيرها وعد ذلك جديدا " من الممتع انه لون جديد فى انحرافات الفكر والعاطفة والافلاس الفنى - ومعذرة - وان كان الموضوع ما يزال " قديما "
فى اصله الفكر فان الجديد فيه هو هندسته المقلوبة واما مادة الصور فما تزال احدى الوانها " العطور " والعشق المبرح الذي يريده ان يتحول الى تمجيد ذاتي وهل لى الان ان اقول ان صوره المتلاحقة ما تزال كما نلحظها احيانا فى شعره خالية من الجديد . . فضلا عن ضعف التجربة والاخطاء الفنية فالثورة يمثلها بحار ولا اظن ان مستواه الذهنى بلغ هذا الرقى كما انه جعله رمزا للتفتح الذهنى والقيادة : فضلا عن انه يطالبنا بفلسفة الحيوانات التى يفرط فى تعدادها تعدادا سطحيا - او كما خيل له .
وتلوح حاملة العطور
تلك السفينة لم تزل تمضى وتأتى بالعطور
ويقول بحار قذر
هذى الجملة لم تزل
فى البحر تسحب ذيلها ذاك العطر
أنزلت منها الف مرة
ادوات تجميل النساء
ادوات تخدير الرجال
ادوات تزييف الجمال
ادوات تدجيل الحسان
لكن متى يستيقظ الرجل السخيف
هذا الذي يحيا على اسطورة الجنس اللطيف
الديك اجمل من ملايين الدجاج
والديك يبصر ريشه الحلو الصقيل
انظر الى الطاؤوس
فى ريشه البديع
يختال كالعروس
فى ثوبه الرفيع
والطريف ان الشاعر يتفاعل فنيا عن معنى تشبيه الطاؤوس فى اختياره واعجابه واعتداده باختيار العروس وزهوها بثوبها الرفيع .
وذيله الفتان
قوس السحاب الزاهى
تصطرع الالوان
فى حسنه الالهى
فالانسياق وراء الصور والانسحار بسرها ما يزال يمد عنقه حتى الى هذا اللون الجديد واللهفة والانبهار بالجمال ما تزال تغازل صمود وتنفلت من حسه .

