الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء , سكت الفا ... ونطق خلفا ...!

Share

شاء القدر - وخير ما شاء - ان تمتد يدى عفوا الى عدد شهر نوفمبر 1963 من مجلة الفكر ذلك العدد الذى لم اجد من وقتي ملاوة لاطالع محتواه فى الابان . . فاذا ينظرى يقع على ( ندوة القراء ) وفى هذا الركن فصل عنوانه : ( بين العامرى والسامرائى ) بقلم : عبد المجيد بن جدو ، لم ادر الدافع الخفى الذى اغرانى على مطالعة هذا الفصل ، اللهم الا ذلك الاسم ( الغريب ) الذى ضمه العنوان ولم اكد اقرأ منه بعض السطور حتى وجدت نفسى فى جو لا يحمد سانحه ولا يرتجى بارحه من جراء خيبة الظن فى الطرف الثالث الذى قحم بنفسه اعتباطا فى خصومة لم يدع للتحكيم فيها ولم يتسلح لخوض غمارها بما يدرأ عنه شر الهزيمة ووصمة الاندحار اذ امتطى النزق وتدرع بالارتجال ، والعجلة من الشيطان كما يقولون ...

شاء السيد عبد المجيد بن جدو أن ينصب نفسه حكما فى مهاترة اثارها ( وارش ) ود ان ينال بدوره من تونسى كريم وشاعر رغم انف كل مكابر كنود هو المرحوم محمد الشاذلى خزنه دار برد الله ثراه . لقد فهمت من المقال ان هذا ( الغريب ) عنا الناقم منا اراد ان يحتقر الادب التونسى ويغض من قيمة اهله فى شخص شاعره خزنه دار فى مقال حرك سواكن الشيخ محمد الهادى العامرى فقام يفند اقوال هذا المتهجم بما رآه ينهض حجة ويصلح ليكون دليلا على تفنيد مزاعمه وتهديم دعائمه فاثبت الفضل لاهله ، وحاول - بقدر الجهد - ان يقوم بالواجب على الوجه الاتم . . لكن مقاله لم يكن فى المستوى المطلوب حيث لم يتحر فى تحريره ولم يسلم من بعض الاخطاء التى نزلت بمقاله عن المستوى اللائق ، فكانت منه محاولة اجتهادية فاز فيها باجر واحد ، مشكورا !

وانا هنا لم يعننى هتر ( الغريب ) ولا تقصير المجيب ، بقدر ما احرجتنى مهاترة السيد ابن جدو ، حيث آزر على الاساءة الى مواطن دخل فى التاريخ وسلبة الموت كل وسيلة للدفاع عن نفسه . . آزر عليه كل خراص هدام . واعان برعونة كل من يتربص بنا ويعمل على اركاسنا والحط من قيمنا .. وبذلك اصبح يقوم بدور ( شمشون ) فحطم المعبد عليه وعلى اعدائه واخوانه .!

وظلم ذوى القربى اشد مضاضة

على النفس من وقع الحسام المهند .!

قلت : انى لم احفل بهراء غريب لا يهمه امرنا من بعيد او قريب ولم احمل تبعة التقصير على مواطن اديب بعد ما اجتهد وقام بالواجب الذى تفرضه عليه خلة الوفاء وطهر الضمير والبراءة من شوائب الحسد والتغرير ، ولم اكن كذلك ناقدا محللا لشخصية خزنه دار حتى احله محل الاعجاب والاكبار واجعل من شعره المثل الاعلى الذى لا يمارى . والمعجزة الكبرى التى لا تجارى .. بل كان دورى هنا دور ( الملاحظ ) الذى رأى منكرا فغيره ، وشاهد غلطا فادحا فصححه . احقاقا للحق وانصافا للتاريخ وارضاء للضمير . . وقد كنت آمل أن ارى من السيد ابن جدو ( وقد كلف نفسه مسؤولية التحكيم ) اتزانا فى التفكير ، وكياسة فى التعبير ، ونزاهة فى الحكم ، وتحريا فى النقد ، وامانة فى الرواية . . . حتى لا يكون مناط قول الجاحظ : ( من نقد وألف فقد استهدف فان احسن فقد استعطف وان أساء فقد استقذف : ( لكن . . وياللاسف  وجدت هذا الناقد استهدف واستقذف . .! وفوق كل ذلك تعنت . ! ان نتيجة امثال هذا الغلط وضرر هذا الارتجال فى الحكم على الغير لا يقتصر على المنتقد المحطم بل يتعداه الى تضليل جيل بل اجيال قادمة وادخال البلبلة فى عقول لم تتوفر عندها ملكة التمحيص ومزية التجرد والنزاهة . .

لقد عز على ممن يقر لى بفضل تعلمه صغيرا ان ارى منه - وهو الكبير اليوم - عقوقا ضمنيا ومروقا عن دائرة الرصانة والاناة اللتين يجب ان يتحلى بهما كل من انتمى الى الادب وحشر نفسه فى زمرة المتأدبين سواء اكان ذلك عن جدارة واستحقاق او بحكم الوضع والتبع واللحاق ، فراجعته - مشافهة - فيما كتب وبينت له مواقع الزلل التى ارتطم فيها الى القمة . فما كان منه الا ان ابى واستكبر مدعيا ان ما حرره فى هذا الميدان ما هو الا المثل الاعلى الذى يجب ان يحتذى وهو مؤمن بما قال الايمان الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . . وليس فى الامكان أبدع مما كان . ! بل وزاد مباهيا فقال : ان مقاله وما جاء فيه من آراء قد توج بالرضى والاستحسان وعنى به وزكى بالنشر . محاولا بذلك ان يتحدى ويرهب كل من اراد ان يفنده ويظهر اوده . . قائلا لى : ( اكتب انا ما نخافش ) وبذلك كنت فى حل من امرى ، و ( على نفسها جنت براقش . . )

المأخذ الاول :

اعترف السيد ابن جدو للشاعر خزنه دار بضلاعته وتمكنه من ناصية العروض واللغة تمكنا يعصمه عن الزلل والخطأ فيهما وذلك حيث قال مخاطبا السامرائى : ( وهو ( اى خزنه دار ) من علماء العروض والمتمكنين فى اللغة تمكنا لا يوقعه فيما توقعته له من الاخطاء ... الخ )

ثم يصدر حكمه على خزنه دار من حيث شاعريته فيقول : ( ولكن شعر هذا الشاعر بعيد كل البعد عن ان يكون شعرا توفرت فيه اسباب الفن ومواهب

الشاعر فهو كلام موزون مقفى . . الى ان يقول : فالشاذلى خزنه دار كان وطنيا غيورا كما تشهد به اقواله وأحاسيسه ولكنه لم يكن شاعرا لخلو شعره من الفن . . ) وهنا نراه يخر راكعا امام ( صنمه ) ضارعا مبايعا قائلا : ( فانت ترى يا دكتورنا اننا معك في نفى الشاعرية عن هذا الامير . .! ) ولا يخفى ما فى هذه الامعبة المقيتة من الملق المخجل والاستكانة المشينة .!

ثم يتناول بالنقد الابيات الدالية التى اوردها الشيخ العامرى وعزاها - غلطا - الى الشاعر خزنه دار والتى جاء فيها :

وهذى خضراء البلاد حنينها

يكاد يهز المشرقين مرددا

الى آخرها . . وقد ركز نقده لها من حيث الوزن رغم اعترافه لمن نسبت اليه بتبحره في علم العروض والقوافى وكذلك بعد رجائه : ( ان يكون هذا الخلل ناتحا عن تحريف مطبعى ) ورغم كل ذلك فقد ابى ابن جدو الا ان ينقدها ويتمحل لها الاصلاح . . ولكن ما اتى به من اصلاح وتأويل كان غلطا فادحا فقد ورد فى بيت من هذه المقطوعة كلمة ( شهدا ) بضم الشين وتشديد الهاء وفتح الدال بعدها الف للاطلاق زائدة عن بنية الكلمة . وهى جمع شاهد كركع وسجد جمع لراكع وساجد . ولكن المخجل من الناقد خطؤه فى قراءة كلمة ( شهد ) حيث حرك جميع حروفها وظنها واهما انها فاصلة كبرى . فقال : ( وكذلك ( شهدا ) فهل من فاصلة كبرى فى الطويل . ؟ ( مع ان كلمة شهد ليست بفاصلة كبرى كما توهمها لان الفاصلة الكبرى هى ما تألفت من اربعة متحركات بعدها ساكن نحو بلغنى . وكلمة شهد كما رأينا ليست من هذا القبيل حيث كانت متركبة من حرف متحرك فحرف ساكن فحرف متحرك ثم آخر متحرك ثم ساكن ( الالف الزائدة ) وهذا ما يعرف عند علماء العروض ( بالوصل ) وهو الحاق واو او ياء او الف او هاء بحرف الروى المتحرك . كما جاء فى كلمة شهدا وقول بعضهم ( رايت رأيا يجر الويل والحربا ) حيث زيدت الف بعد الباء ولم ادر بعد هذا بماذا يتعلل ويجيب حضرة الناقد ابن جدو ! ؟ والغريب فى هذه ( اللخبطة ) ان تنشأ على اعتبار ان هذه الابيات هى من شعر الشاذلى خزنه دار مع ان الواقع ينفى ذلك . فقد فتشت عنها فى كامل ديوانه وكتاب الادب التونسي فى القرن الرابع عشر للاستاذ زين العابدين السنوسى الذى نشر لخزنه دار مقتطفات من شعره . . فلم اعثر عليها . . ولم ادر من اين جىء بها - ولعل من نسبها اليه لديه ما يقوم دليلا على صحة هذه النسبة . . فان كان ذلك فليتكرم بارشادنا الى الحقيقة مشكورا .

المأخذ الثانى :

يوجد ضمن أبيات اوردها الشيخ العامرى لخزنه دار هذا البيت :

هذا يرى الحياة تنفسا               وسواه ذلك عنده القتال . .

وفى هذا البيت نقص فى الصدر حيث ان أصله وصوابة : هذا يرى معنى الحياة تنفسا . . الخ

كما هو موجود فى الصفحة الخامسة من ديوان خزنه دار . وباسقاط كلمة ( معنى ) اختل الوزن طبعا . . لكن العجيب فى الامر ان نرى الناقد ابن جدو لم يكلف نفسه مشقة البحث والرجوع الى ديوان الشاعر . . بل حاول ان يصلح او ( يرقع ) هذا الصدر كما عن له فقال : ( ثم قوله : هذا يرى الحياة تنفسا . . ولعل الصواب . هذا يرى ان الحياة تنفسا . . وهنا يجب ان نرفع التنفس حتى ننصف خبر ( ان ) . اما إذا الغينا ( ان ) فيصبح البيت مبتورا وزحافه ظاهر . . )

وهكذا رأينا هذا الناقد قد وقع فى غلط ( مركب ) وبسبب ذلك انطبق عليه المثل الدارج القائل ( جاء يطبها . . ) وقول أبى الطيب المتنبى :

وكم من عائب قولا صحيحا             وآفته من الفهم السقيم !؟

ومما يسلك فى هذا السمط مؤاخذة اخرى لا تقل عن سابقتها ، فقد اورد للشاعر خزنه دار قوله :

دب الشعور فاحيى كل عاطفة                     فينا وأوجدنا من بعد اعدام

فخف من خف منا للوغى طربا                    مستسهلا حتفه مستصغر الرامى

فاورد الست الأول بدون كلمة ( فينا ) بينما هى موجودة فى صفحة 145 من ديوان خزنه دار ويعلق على ذلك بقوله :

( وهل يعنى باستصغار الرامى الا تحقيره وهو انما يريد ان يقول انه لا يأبه به ولا يحسب له حسابا . ان استصغار الرامى واحتقاره لا يثبت قوة المرمى ولا شجاعته وصموده ، وكان من حقه ان يقول كما قال عنتره العبسى كان قويا وغلبته - ثم ماذا يقصد وفى هذا السياق من قوله :

ان الشجاع ( سخى الكف ) يشبهه

هما الشقيقان مقدام لمقدام

الم يكن فى هذا البيت اقحام وحشو ، فالقصيد قصيد معركة أم هو قصيد جمع تبرعات ..؟ )

هذا ما قاله الناقد بنصه ، وهو كما رأيت ينكر على خزنه دار هذا التعبير وهذا التصوير متسائلا تساؤلا انكاريا : هل ان هذا القصيد قصيد معركة أم هو قصيد جمع تبرعات . ؟ ولو كلف نفسه قليلا من التريث والاناة

وراجع القصيد الذى احتوى على الابيات المنتقدة لاراح واستراح وعلم علم اليقين ان هذه الابيات هى من قصيدة قيلت فى حفلة اقيمت لجمع الاعانات لفائدة ( الهلال الاحمر ) ابان الحرب الايطالية الطرابلسية . وعنوان القصيدة ( المؤمن للمؤمن ) وطالعها :

من للثكالى وللجرحى وايتام

أودى بهم حرب طغيان واسلام

القى الجميع الى اخوانهم رمقا

مسترحما لمواساة واكرام

فهل بعد هذا ينقم الناقد على الشاعر قوله :

ان الشجاع سخى الكف يشبهه

هما الشقيقان مقدام لمقدام

فالمجاهدون فى طرابلس الالى جادوا بأرواحهم وأموالهم وكل عزيز لديهم فى سبيل الذود عن حرمة ترابهم وصد قسوة المغير الغاصب عن مدفن آبائهم واجدادهم شبه الشاعر بهم كل من يجود بماله لسد عوزهم وتضميد جراحهم وقد اعتبرهم متشابهين فى خلة السخاء والاقدام . . هذا يجود بدمه وبروحه وذاك يجود بماله وبما فى امكانه مما يزيدهم صبرا على المقاومة واعانة على مواصلة الجهاد حتى النصر النهائى . . فلماذا التعجب حينئذ ؟ ولماذا نسبة ( الحشو ) للشاعر فى قوله ( سخى الكف ) ؟ فما هذا الا تحكم وتضليل صريح وغلط فادح . .

كما ان السيد ابن جدو ينكر على الشاعر استعمال كلمة ( المعاطن ) وهى كما نعلم مبارك الابل وانه استعملها فى غير مكانها ؟

واقول له : وماذا فى استعمال كلمة المعاطن من ضير اذا علمنا ان الوحشية الفاشستية لم ينج من شرها ساكن قصر ولا رية كوخ وخاصة سكان البوادى الالى يقيمون بجوار بيوتهم معاطن الابل التى هى ثروتهم الوحيدة منها يأكلون وعليها يرحلون ومن نسيج اوبارها يلبسون ويعدون بيوتهم التى بها يسكنون ! ولم يأت بعجز البيت وما بعده ليتجلى ما قصده الشاعر واضحا مؤثرا وتتم معالم الصورة كما يجب ان تكون :

اولئك القوم صرعى فى معاطنهم                 مسيجون بالآلام واسقام

وانتمو فى ظلال الا من مرتعكم                  ألم تكن بينكم وصلات ارحام ؟

جودوا عليهم كما جادوا بأنفسهم               فمبلغ العلم انعام بانعام

ان الشجاع سخى الكف يشبهه                 هما الشقيقان مقدام لمقدام . .

واذا ابى الناقد الا ان يصر على ان استعمال كلمة ( المعاطن ) ليس فى

مكانها وما هى باللفظة الشعرية الفنية . . فائا بدورى أسأله لماذا يمنع على غيره ما اجازه هو لنفسه ؟

ألم يستعمل الناقد كلمة المناخ التى هى أخت كلمة المعطن ونفسها فى المعنى . فالمعطن مبرك الابل والمناخ مبرك الابل كذلك . وقد قال السيد ابن جدو فى قصيدة له عنوانها ( سلام ) نشرت بعدد 118 من مجلة الاذاعة.

وربيع به الزهور حيارى            من مناخ ومن هواء وماء

فلماذا أباح الناقد لنفسه استعمال ( المناخ ) وانكر ذلك على خزنه دار حين استعمل ( المعطن ) مع ان معناهما واحد كما بينا على ان استعمال المعاطن فى قصيدة خزنه دار له ما يبرره من سياق وموضوعية بخلاف ( مناخ ) ابن جدو . . وقد احترت أنا شخصيا - كما احتارت زهور ربيعة - فى فهم معانى هذا البيت الذى كان جزءا من وحدة ( نشازية ) جمع اشلاءها ( سلامة ) .! والا فعلام هذه الحيرة التى وصف بها الزهور مع اننا نتعلم ان الحيرة لا تدل على غير التردد والضلال عن الطريق ، وجهل وجه الصواب فى الامر . فهل انتابت زهور ربيع خضرائنا ما شاء لها ذوق ابن جدو من حيرة ٢٠ ولماذا . .؟

ثم قوله : من مناخ ومن هواء وماء . . ؟ فهذه المجرورات المتتالية باى شئ يعلقها الناظم ..؟ وذلك من الاوليات الحتمية التى يجب ان لا يجهلها كل من انتسب الى الادب فضلا عمن تزعم فيه . .؟ وخوفا من الخروج عن نطاق التصحيح واظهار الحقائق التى غشيها ما غشيها فلم اسمح لنفسى بعرض ما جاء فى هذه القصيدة من مآخذ تجعلها هيكلا لا روح فيه . وكذلك اتقاء من سهام من قال :

ولا تقف زلات العباد تعدها           فلست على هذا الورى بمسيطر

المأخذ الثالث :

ثم نصل الى الرطمة التى ارتطم فيها الناقد ابن جدو وما اظن خروجه منها بالميسور . . كذا عندما قال :

( أنا لا أعرف مقياسا ولا اجد معيارا أقيس به الشعر غير الذوق فاذا كان الاستاذ العامرى بحث عن فضل الشاذلى خزنه دار ووطنيته وغيرته وانسانيته . . فأنا ابحث فى ديوانه عن شعره فلم اجده . . ولكنى لا اريد ان احكم أى حكم على خزنه دار او له لانى لا اعرف من شعره الا القدر الذى نشر في هذه المعركة او فى ديوانه المطبوع . .! )

ويضيف اتى ذلك قوله : ( اما رأيى فى هذه المعركة فمع الهادى العامرى وقلبى مع الدكتور السامرائي . . )

فانت ترى ايها القارىء الكريم ان السيد ابن جدو لم يتسلح لهذه المعركة ولم يتدرع لحوض غمارها الا ( بذوقه ) لا غير . . وحيث انه لا مشاحة فى

الاذواق ولا مماحكة فى الميول فانى لا اقدر ان انتقد ذوقه الخاص ما دام مقياس ذوقه قد برهن عليه نظمه ومعيار احاسيسه الفنية قد ترجم عليها بحكمه على نتاج غيره . . واختلاف الاذواق حكمة الاهية خفيت مراميها وعميت غاياتها عن المدارك كى تستقيم امور الكون من حيث التعايش والمعاملات وحتى الاعتقادات ! وفى قوله تعالى ( ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة . . ) الدليل القاطع والبرهان الساطع على ما قلت .

لكن سرعان ما نرى ابن جدو ينكص على عقبيه ، وينقض غزله بيديه فيقر بحيرته وبلبلته فيقول : ( والذى يؤسفنا هنا انه ليست لدينا مقاييس وحدود علمية للذوق فنقيس بها ونحدد مدى القيمة الفنية فى شعر الشاذلى خزنه دار . . ) هذا بعيد ما ( حكم ) على شعر خزنه دار بكونة ليس بشعر حسب ذوقه وذلك عندما قال بالحرف الواحد : ( انا لا اعرف مقياسا ولا اجد معيارا اقيس به الشعر غير الذوق . فاذا كان الاستاذ العامرى يبحث عن فضل الشاذلى خزنه دار ووطنيته وغيرته وانسانيته . فانا ابحث فى ديوانه عن شعره فلا اجده . . )

فكيف يتسنى لاى متمحل ان يوفق بين هذه المتناقضات فى كلام ابن جدو المتمثلة فى نفيه المقاييس والحدود العلمية للذوق التى يجب ان تتوفر لديه حتى يمكن له الحكم وتحديد مدى القيمة الفنية فى شعر خزنه دار . . ثم فى قوله : انا لا اعرف مقياسا ولا اجد معيارا اقيس به الشعر غير الذوق .. وانا بحثت فى ديوان خزنه دار عن شعره فلم اجده .!

ان هذا لعمرى نوع من التناقض لم اعهده لذلك لم اقدر ان اصفه او اعلق عليه تاركا ذلك لاهل الباطن . . ثم اورد ثلاثة ابيات من شعر خزنه دار وانقض على عجز البيت الاخير منها وهو ( فهل للمحنة من عضد . ؟ ) وقال عنه : ( ونقف هنا وعند عجز البيت الاخير لنرى زحافا آخر فى قوله : ( للمحنة ) فهل نسكن الحاء ام نحركها . ؟ فاذا حركناها اختلت اللغة ووجب علينا ان نشدد النون واذا سكناها اختل الوزن . فهل يا استاذ فى هذا شعر . . ؟ )

هذا مبلغ العلم من حضرة الناقد . وهذا ما امكن له ان يعلق به ويتمحله لهذا الغلط - الموهوم - بينما نجد الحقيقة تخالف هذا الزعم تماما لان الكلمة التى ركز عليها نقده ثم حاول تأويلها ولم يوفق فى ذلك لم تكن هى الكلمة الاصلية فى ذلك الشطر . اذ الاصل الصحيح نصه هكذا :

وكونوا رجالا يصان حماهم                  فهل للحمية من عضد ؟

كما هو موجود فى صفحة ( 93 ) من ديوان خزنه دار . . ولست ادرى من اين جاء بهاته ( المحنة ) !؟ فانت ترى كيف عوضت كلمة ( للحمية ) بكلمة ( المحنة ) وأخذ بهذا التضليل الشاعر حتى اصبح ابن جدو بعد وصمه البيت

بالزحاف يتساءل ( متمقعرا ) : ( فهل يا استاذ فى هذا شعر . . ؟ ) وانا اسألك بدورى : هل فى انتقادك حصافة وفى تفكيرك اتزان . . ؟

لقد ذكرتنى هذه الترهة نادرة اسوقها هنا للتفكه والترويح . حكى ان رجلا لا يحفظ القرآن ولكنه كان ولوعا بتلاوته من المصحف وصادف ان كان حرف الجيم من قوله تعالى : ( ترجى من تشاء ) غير منقوط فاستمر الرجل على قراءة الاية هكذا : ( ترحى من تشاء ) وبعد امد طويل وقعت نقطة من ذبابة - عفوا - على حرف الحاء الامر الذى شكله بصورة الخاء . . وبعد ذلك فتح الرجل المصحف ليقرأ فيه كعادته واذا ببصره يقع على الاية وحرف الحاء فوقه نقطة . . فحوقل الرجل واستغفر الله وقال : ( ثرنتك انت ترخى وانا نقرى فيك ترحى . . يا ربي سامحنى . .! )

وهذا ما وقع فيه حضرة الناقد الاستاذ ابن جدو حيث ظن ان كلمة ( للحمية ) . ( للمحنة ) وبنى على ذلك نقده وتاويله . فوقع فيما وقع فيه صاحبه فى قصة ( ترحى ) .

اما تمحله للجواب عما توهم ان يرد عليه من نقد فى مسألة ( الذوق الفنى ) فانى اود ان لا ادخل معه فى تفنيد ما انتحله لتبرير دعواه لان ذلك مردود من نفسه وبيان الواضحات من الفاضحات كما يقولون ومن السخافة الموجبة للرأفة قول السيد ابن جدو :

( وانى احب ان اضع اصبعك على الشعر " حسب طريقة براى BRAILLE " حتى تتبين ملامحه وتعرف الى جانبه ما لم يكن فنا ولا شعرا فانظر الى قول نازك الملائكة :

وشفاه تموت ظماى ولا تسأل اين الرحيق واين الكاس

ونفوس تحس اعمق احساس وتبدو كانها لا تحس

والى قول عبد العزيز قاسم :

غدا عند ما نلتقى ها هنا                  ساشكو الصبابة منك اليك

وانظر الى ابن شرف حين يقول :

لعمرك ما حصلت على خطير                من الدنيا ولا ادركت شيئا

فانه يدخل بك الى اعماق النفس ويجول بك فى اغوارها ويضع يدك على كنه الحياة واسرار فلسفة عميقة . . )

هكذا قال السيد ابن جدو . . ولست ادرى اكان جادا فيما قاله ام شاء - على عادته - أن يهزل ويتنادر علينا واراد أن يشركنا فى الاساءة معه الى من نكبرهم ونعجب بمواهبهم . فقد اساء اليهم من حيث اراد الاحسان

والتنويه بهم . . فوقع على العجيف السخيف بينما نعلم ان لهؤلاء الشعراء مما يعجب ويطرب ويسحر ويسكر . فعلام تجاوز ذاك الى هذا .. ؟ لكن لا ننسى مفعول ( الذوق ) فى الموضوع . . وما دليله الا الاختيار . ! ولم اعثر لابن جدو فى مقاله - رغم طوله - على كلمة حق الا هذه الجملة ( وقد يختلف الذوق عند الناس فيختلف حكمهم على الشعراء . . ) فسبحان من انطقه بالصواب هنا فقط . . وبعد هذا الاعتراف الصريح من الناقد ارى ان لا فائدة فى ارجاعه الى الجادة الواضحة ومناقشته الحساب عما قاله على الابيات التى اوردها من قصيدة ( السل والقل ) لخزنه دار . اذ هى اكبر من اخواتها .

والخلاصة : ان مقال السيد عبد المجيد بن جدو ( بين العامرى والسامرائى ) كان عبارة عن ( جمع تكسير ) اجتمع فيه ما تفرق فى غيره من الجموع المكسرة من ابدال وحذف وزيادة . . ! وعندى أن اقوى الاسباب التى ورطته فى هذا الضلال لم تكن غير التعنت والارتجال لذا وددت ان اتقدم اليه فى ختام هذا المقال بنفس الرجاء الذى تقدم به الى الاستاذ العامرى وهو قوله :

وانى لارجوك ان تنصف الادب فى شعر خزنة دار وان تزيده درسا وتمحيصا . وان تعود ثانية الى هذا الموضوع حتى لا يقال عن التونسيين انهم من جماعة انصر اخاك ظالما او مظلوما . وان احتفظتم برايكم فلكم دينكم ولى دين )

وازيده على ذلك قولى :

وانى وان اخذتك باساءتك الى من لم يسئ اليك ، واغلظت لك فى القول احيانا فأنما كان ذلك منى رأفة بك وانعاشا لشانك حتى لا تكون مصداق قول من قال :

ولا تعذرانى فى الاساءة انه

شرار الرجال من يسئ فيعذر ..!

اشترك في نشرتنا البريدية