هل فرض الشاعر هذه المواضيع على نفسه ؟ هل كان فى ذلك صادرا عن ميل شخصى أم عن فلسفة اجتماعية أصيلة ؟
ألحت على هذه الأسئلة وأنا أطالع القصائد التى ينشرها الأخ الطيب الرياحى بمجلة الفكر والتى يدعو فيها الى أدب مناضل هادف يخدم القضايا المباشرة للانسان . وقد تبينت من خلال تمعنى فى بعض قصائده التى أذكر منها : (( أغنية الفقر والخجل )) و (( الى تافهة )) و(( الى شاعر غزلى )) و(( صلاة ثانية للحرف المناضل )) ، أنه لا يصدر فيما يكتب ، عن اقتناع باطنى برسالة الموضوع الذى يتناوله . فقد لاحظت مثلا أن (( أغنية الفقر والخحل )) تتشابه تشابها تاما من حيث الشكل والمضمون ، مع قصيدة سليمان العيسى : (( الى متسائلة )) المنشورة بديوانه (( رسائل مؤرقة )) . فكلاهما يعلل خلو أدبه من العنصر النسائى ويعلن رفضه لمفهوم المرأة الدمية كما يقول بعضهم باعتبارها مظهر ترف واغراء . وقد كان على الأخ الرياحى كى يكون أصيلا أن يوفر فى شعره الوعى الذاتى أولا فالاجتماعى فالانسانى . وهو ما فعله القديدى فكانت أغلب قصائده تمثل انتقالا متدرجا من الفرد الى الوطن والقومية والانسانية ، استطاع فيها أن يوفق بين (( الأنا )) و (( النحن )) أى بين ذات الفنان وذات المجتمع . وهذا ما يتضح لنا من خلال قصائده التى أذكر منها (( حبيبتى )) و(( صلاة للحرف المناضل )) و(( غادة البئر )) و(( مقبرة الغرباء )) وخاصة (( رجعت يا معبودتى )) التى يقول فيها :
(( رجعت الى يا ينبوع أشعارى
ويا وطنى
رجعت وعدت من منفاى للدار
أشتم عبير فلتنا
وأبحث فيك عن شمسى وأمطارى )) .
فقد كان فى كل هذه القصائد مرتبطا أشد الارتباط بالمجتمع ، يحتضن كادحيه ويعبر عن آلامهم وآمالهم ، ومع ذلك لم يتخل عن ذاته كانسان . والواقع أن الرياحى لم يتفطن الى أن الاتجاه الذى يدعو اليه خطير على الشعر . فهو بتبنيه لهذا الاتجاه يجعل من قصائده عملا فكريا يكون جانب الوعى فيه أبرز من جانب اللاوعى . والعمل الفنى كما يقول بعضهم : (( لا يقف عند حدود العقل كما لا تقف عند حدود العاطفة المجردة . انه عمل يرتكز على الفكر العاطفى المنسحم مع الذات المجتمعية الانسانية )) . وقد كان على الأخ الرياحى الذى يريد أن يجعل من الأدب سلاحا للنضال والكفاح أن يحترم كل نشاط للروح البشرية . فالشعراء الغزلون الذين يقول عنهم الرياحى انهم لزموا أبراجهم العاجية ، يعملون فى الواقع على خلق صور واحساسات جميلة فى أشعارهم ، تغذى حاسة الجمال فى الانسان .
وأخيرا نهمس للأخ الرياحى ما قاله محمد مندور : (( ليس من المعقول أن يسجن الأدب والشعر بنوع خاص فى منطقة الكفاح وأن يتخلى عن كافة وظائفه الاخرى )) .
وأنا أقول للاخ الرياحى ، لعل اضفاء الشاعر صفة الشمول على تجاربه يكسبها روعة الخلق وعمقه . فليجرب . م. و. ( كلية الآداب )

