كان الغادي حافلا والمتكلمون يتناوبون فيه الحديث مع كل مقال يقرؤونه ويتناقشون حول المضامين حينا والقوالب حينا آخر والالفاظ باعيانها مرة ثالثة .
وكان المقال الذي يستعرضونه تاريخيا قديما . واذا النقاش يتركز بالذات عند علم من الاعلام التى يتكرر ذكرها فى المقال .
قال ١ _ لم لا يستعمل الكاتب اللفظ الذي اصطلح التراجمة العرب على استعماله فى هذا العلم ؟ .
٢ - الكاتب حر فيما يستعمل من الفاظ ١ - صحيح ولكن اذا كان اللفظ مترجما عن لغة اخرى فمن اضاعة الوقت ان يترجم عند كاتبين في لغة واحدة بلفظين مختلفين فحرى بنا ان نقتصر على الترجمة الاولى ، واحرى فى الاعلام
٢ - ومن ذا الذى وضع اللفظ الاول للعلم الذى نتحدث عنه ؟ ١ - اخوانكم في الشرق .
٢ اليس لنا حق الاشتراك معهم في التعريب ان لهم عقولا ولنا عقول مثلها فلم نتحجر ونقف عند ما قدموا للعربية من خدمات ؟
١ - ربحا للوقت وسعيا لتوحيد الاستعمالات بين المشرق والمغرب العربيين .
٣ - لقد كتب علينا ياخي ان نصل بعد اخواننا فى الشرق قليلا . وكان تاخرنا هذا بحكم تخلفنا عنهم تحت كابوس الاستعمار وكان من حسنات . . هذا الاستعمار انه كثيرا ما يحول بيننا وبين الانتفاع بما كان اخواننا ينتجونه من كتب ومطبوعات ، فكان طبيعيا والحالة هذه ان لا نبقى مكتوفى الايدى كلما احتجنا الى استعمال او تعريب لم يصلنا بعد من اخواننا فى المشرق ومن هنا عملنا فيما يخصنا عملا قد يكون مختلفا عما عمله اولئك ادخوان ولكنه لم يكن يهدف الى
مخالفتهم بل ان قصاراه انه سدد الفراغ الذي كنا نجده في بعض الميادين ولانتمكن من تسديده بما انتج اخواننا هناك في المشرق
٢ - وهب اننا خالفناهم عن عمد اترانا جنينا جرما ؟
١ - كلا ولكن لا باس بالوحدة فى هذا المجال وخاصة فى تعريب الاعلام .
2 - حتى ولو كان التعريب خاطئا
١ - لا اعتقد ان المشارقة يستعملون من المعربات ما فيه غلط .
٤ - انهم قد يفعلون ذلك بحكم ما يضطرهم اليه من سرعة . . ان الفكرة التجارية قد طغت على كثير من المنتجين فى المشرق . وزاد فى طغيانها كثرة المطابع ووفرة الرغبة فى الطبع مهما كانت قيمة الانتاج حتى كان الكتاب لا يستقر به المقام في السوق حتى يكون قد عرب وانتشر ولكنك تقرأ نصه الفرنسى او الانجليزى وتقارنه بالنص العربي فتلاحظ اختلافا كبيرا او صغيرا بينهما ، لا شك ان داعيه الاول هو ما اتسم به انجاز التعريب من سرعة .
٥ - على ذكر الفرنسية والانجليزية اود ان انتبه الى ان تأثر المعرب باحدى هاتين اللغتين المنتشرتين كثيرا ما يعمل هو الاخر عمله فى انتشار لفظ معين فى التعريب واظهار غيره من الالفاظ فى مظهر المخالف فاخواننا المصريون يعربون الشهر الاعجمى الاول باسم يناير وتعربه نحن في تونس باسم جانفي وكلانا متأثر باللغة الاوربية التى هو اكثر اتصالا بها ، هم يتأثرون باللهجة الانكليزية ونحن نتأثر باللهجة الفرنسية
٢ - ومع ذلك فان الاخ يريد منا ان نعتبر انفسنا خاطئين اذا لم نتبعهم في ترجمتهم ١ - انا لا اقول انكم خاطئون ، ولكنى ارى اختصار المراحل والاقتصار على ترجمة واحدة ما امكن ذلك ،
٥ - لا يمكن ذلك الا اذا اتفقنا على ما نعرب به او نستعمله من الالفاظ وخاصة منها ما يتصل بالاصطلاحيات العلمية
٣ - انا لا اومن بان فى الامكان الاتفاق مع بعض اخواننا فى المشرق على الفاظ ، . وكلمات . . وتراكيب وقوالب . . لان امر الاختلاف بيننا اعمق .
والحق اقول - من ان يمس هذه القشور انه اختلاف جوهرى يمس الروح . . .
١ - وكيف ذلك ٣ - لقد لمست ذلك يا اخى مرات . . لمسته عندما اصطدمت لدى بعضهم بمركب العظمة والتعالي والشعور بالسبق علينا... والاحتقار لما قد تقدم من مجهود حتى لقد وقفت مرة مع احدهم فى جنيف وكنا فى وفد تربوى يمثل تونس وكان هو فى وفد يمثل مصر فرأى وفدنا من اللياقة ان يطلعه على بعض ما انتج التونسيون فى الفترة التى كان الاستعمار يسيطر عليهم فيها .
ولم يكن القصد الاشهار . . ولا نحن من الاطفال الذين يهزهم الشكر او يبحثون عن كلمة التشجيع ولكن كان احد افراد وفدنا قد انتج كتابا قيما فى الحسابيات بالعربية وكان الحديث قد تطرق الى شئ من هذا وكان الاستاذ المصرى الذي نتحدث اليه من المحترمين فى نظرنا ، فلم نر ادل على ما نحن بصدد الخوض فيه من تقديم نسخة من انتاج استاذنا اليه ليطلع على مدى تغلبنا على الصعاب رغم ما كنا نلقاه من عناء فى تثقيف بنينا وتربيتهم .
وامسك الاستاذ بالكتاب . . وفتحه حيثما اتفق فوقع نظره على اصطلاح حسابى غير الذى عهد المصريين يستعملونه فثارت ثائرتة والقى بالكتاب من يده لم يمنعه من ذلك حياء ولا صدته مجاملة لنا ثم صاح محنقا ؟
" ما هذا ! ! ما هذا ! ! ان الاصطلاحات الحسابية قد عربت فى مصر من اجيال . فما هذا العبث الذى ارى فى كتابكم . ما هذه الاصلاحات الجديدة التى تبلبلون بها افكار الناشئة "
ولقد كنا نكبر الاستاذ لو ان الحق الخالص هو الذى دفعة الى الثورة فنحن حوج ما نكون الى الصراحة فى معالجة قضايانا ولكن الدوافع التى لاحت لنا المظهر المزرى الذى ظهر به الاستاذ وهو يعلن كلماته ويحسبنا اطفالا نعبث امامه القاءه الكتاب من يده والتسرع بالنقد قبل ان يمهل نفسه حتى يطلع عليه أو يأمل فيما احتواه من معلومات او اصطلاحات قد تكون مواقفة لما يعرفه عند واطنيه كل ذلك وامثاله جعلنا نؤمن بان فيه مركب عظمة يعسر معه اقناعه بشئ
وليس الاستاذ اول اخ من الشرق بدت عليه هذه الظاهرة ولا آخر من تظهر عليه ، فقد كانت مشاركة الوفد التونسى فى بعض المؤتمرات الاخيرة في المشرق حافلة بالمواقف من هذا القبيل أفمع هذا يبقى امل كبير فى ان نصل
الى توحيد مصطلحتنا حتى بعقد مؤتمر ،
١ - انا لا انكر ان فى بعض اخواننا المصريين شعورا بسبقهم الثقافى . .
٥ - وقد كان هذا السبق حقا لولا انه اغرى بعضهم بالتزييف فيما يقدم من انتاج واخراجه فطيرا فى اكثر الاحيان اعتمادا على ما لمصر من سمعة او ماله هو ذاته من شهرة
٤ - بيد ان هذا كله لا يعني انه لا يمكن الوصول الى حل مشترك او توحيد فى الاتجاهه فى التعريب او غيره ما دام ان ذلك سيقع عن طريق مؤتمر
٣ - انا متاكد من ان مؤتمرا تسيطر عليه الروح التعاظمية التي ذكرتها لن ينتج اية نتيجة . ولعله يقنعنا بما عندنا ويغنينا عما عند اخواننا في المشرق بل ويجعلنا نصر على عدم استعمال ما يستعملون ما داموا يريدون منا ان نستعمله ولا نناقش فيه كانه تنزيل من حكيم حميد او كاننا اطفال غير رشداء لا يحق لنا ان ندلى معهم براى او كاننا كبار ولكن فقدوا عقولهم فاستحقوا الحيلولة بينهم وبين الادلاء بآرائهم
٥ - يبدو ان تاثرك بالمواقف الماضية قد اغضبك واطغى نفسك الغاضبة على نفسك اللبنة الهادئة والا فلم لا تذكر ان هذا الاختلاف بيننا وبين اخواننا المشارقة
له اختلاف يماثله بين بعض اساتذتنا وبعض . . الم تر كيف عرب احدهم الاصطلاحات العلمية تعريبا فرديا وكف ان بعض زملائه هنا لم يكتفوا بمخالفته الراى بل زادوا فخلفوه فى الاستعمال حتى ان التلاميذ اذا كتب عليهم ان يقرؤوا فى سنة ما على احد الاستاذين ثم يقرؤوا فى سنة اخرى على الآخر اضطربت احوالهم وتشتتت معلوماتهم بسبب اختلاف الاصطلاحات التى تلقوها عن هذا وذاك منهما ، ولو ان احد التلاميذ زاد فخرج الى المشرق او الى الغرب الاوروبى لتلقي دروسه فى احدهما لرأى ان اختلاف الاستاذين له اثر سيئ على معلوماته وقد يشعر بان كليهما على ضلال .
4 - فى وسعى ان اعبر بالتفاؤل فيما نحن بازائه من امر . فلا شك عندي فى ان العمل لتوحيد المصطلاحات بمؤتمر او مجمع لغوى ناشط او صحف محترمة يقع فيها تبادل الآراء فى هذه الموضوعات لا شك عندى فى ان العمل بمثل هذه الامور بطريقة مركزة يعطي ثماره ويخرج الناشئة العربية مما يتولاها من بلبلة بسبب ما تجد من اختلاف فى استعمالات الكتاب او اصطلاحات الاساتذة

