ننشر فى الصفحات التالية من هذا الباب عدة مقالات تناول فيها أصحابها جوانب من حركتنا الادبية وانتاجنا الفكرى . ونظراً لما ورد فى هذه المقالات من آراء قد نتفق معها وقد لا نتفق رأينا ادراجها على علاتها تاركين لقرائنا الكرام الحرية فى نقدها النقد النزيه الموضوعي .
لا شك وأن الرتابة فى كل شئ مآلها العقم - والعقم وبال على الحياة التى من سننها التطور والتجدد . فالبقاء على نوع من الزراعة أو الصناعة أو التجارة واحد يقضى على نمو وحيوية هذه القطاعات - والذى لا يحاول الابتكار ويكتفى بالهين السهل ، يتسرب إليه الفتور ، وتدب فى أعصابه البرودة ، وتكسد سوقه . فما بالك بالكلمة وهي ترجمان القلوب والعقول ، إذا ما بقيت تعاد وتلاك ، إنها لا شك تفقد حرارتها ، وشبابها ، وكل قيمتها .
والمطالع لدواوين الشعراء فى تونس ، وللصفحات الادبية من المجلات والجرائد ، والمستمع للأغاني نفسها - يلاحظ ما فيها من رتابة فى الصور والعبارات والاشكال - فموعد الشاعر بحبيبته لا يكون إلا " تحت ظل الياسمين " مثلا كأن تونس الخضراء لا زيتون فيها ولا نخيل ولا كلتوس .
وإذا ما خاطب حبيبته قال : " يا حبيب " وما أكثر المقطوعات التى يتغنى بها فنانونا ومطرباتنا هذه الأيام ، والتي تبدأ ب " يا حبيبي " ، فيغني أحمد حمزة من قصيد لمصطفى الحبيب بحرى :
يا حبيبي عشق الروض أناشيد هوانا
وتشدو علية من حين لآخر بأبيات لعبد المجيد بنجدو ومطلعها :
حبيبي ما أنا شاك
ولا وان ولا باك
ومن شعر منور صمادح :
حبيبي ولو كره الحاسدون
سأبقى على عهده لا أخون
وتغنى أخرى لمحمد المرزوقي :
يا حبيبي أستيقظ الكون وغنى يا حبيبي
ويقول مصطفى خريف فى " موسم العشاق " :
يا حبيبي أنت بين الناس
زهرة فأحت كزهر الآس
ويقول أحمد اللغمانى فى " آه لو كنت معى " :
يا حبيبي لو شهدت اليوم تحطيم القيود
كما يقول فى خاتمة قصيد آخر :
يا حبيبى عوذت مجدك بالله وحصنته بآى الكتاب :
وغير هذا كثير مما أستحضره . قلت إن هؤلاء استعملوا جميعاً عبارة " يا حبيبي " فمن ناحية يعاب عليهم الدوران فى حلقة مفردة كأن ليس ثمة ما ينادى به العزيز علينا غير " يا حبيبي " ومن ناحية يعاب عليهم إهمال تاء التأنيث وإن أجاز ذلك الاولون ، إذ أن الأصالة والصدق يفرضان على الشاعر أن يقول " يا حبيبتى " لما فيها من معاني الأنوثة والحنو والحب - ويترك بذلك للمرأة وحدها أن تقول " يا حبيبي " . ولست أدرى من يخاطب مصطفى خريف فى هذا البيت :
ما فى غرامك حيله
ياذا الجفون الكحيله
أو في .
حدثوه أنى هلكت صبابه
ورمي قلبي الهوى فأصابه
(لعله يقصد الرشأ الأغيد أو الغزال الشارد ! ) إلا أن من الشعراء من إنتبه إلى هذه الظاهرة فقال :
حبيبني زنجية
سوداء إفريقيه
ومعلوم أنها حبيبة نور الدين صمود . وناجى أبو القاسم الشابى محبوبته مناجاة الشغف والحنين :
أنت أشهر من الحياة وأبهى
من جمال الطبيعة الميمون
وخاطبها مرة أخرى بقوله :
عذبة أنت كالطفولة كالاحلام كاللحن كالصباح الجديد
وتذكر جنته الضائعة ، وأيامه الخوالى فأنشد فى لهفة وتحسر :
قضيتها ومعنى الحبيبة لا رقيب ولا نذير
أسمعته خاطبها بغير " أنت " ؟ لا شك أن هذا سر من أسرار نبوغ الشاعر وخلوده .
ومن العبارات التى أصبحت موضة العصر " خاصة لدى ناشئة الادب عبارة " العودة " وهي الاغنية التى ما فتئ يلوكها الشرق - وقد تسربت عدواها الينا ، وراجت هذه الكلمة رواجاً في سوقنا ، ولها مدلولان متقاربان : عودة الى الوطن السليب ، وعودة الى أحضان المحبوب - أما رواجها فكان فى صورة عناوين منها : عودة الصيف ، عد يا ربيع ، ترانيم عائد ، عائدون يا تشرين ، لن يعود ، طريق العودة ، أغنية العودة ، لا تعودي ، لا تعودي ، عائدون ، إلى غير ذلك مما بضيق به الحصر ، بحيث فقدت هذه اللفظة طاقتها المعنوية ، وبقيت جوفاء تتردد على الالسن كما تتردد الالفاظ الفخمة التى يلقيها الساسة ، على أفواه سواد الشعب .
وللطريق حكاية أيضاً ، لا يمكن المرور دونها . شاعت هذه اللفظة فى صورة عناوين كالتالية ، وهى حسب ترتيبها الزمني للنشر : " الطريق " قصيد لمى موسى الصائع الشاعرة الفلسطينية ، " الطريق " قصيد سمعته يوماً فى برنامج " شاعر وقصيد " الذي تعده الاذاعة التونسية ، " الطريق " قصيد لمنور صماح ، " طريقى التى اخترت " قصة لفاتح والى ، " طريق الى الهاوية " و " عث الطريق " . . . لله ما أسرع أقلامنا إلى السهل اليسير :
ومن لا يحب صعود الجبال
يعش أبد الدهر...
فريثما يقع بصر أحدنا على عنوان طريف جديد ، أو عبارة أو صورة تستهويه انتزعها من قلم صاحبها ! كأنما قد ظفر بجمال الدنيا والآخرة . ومن ألفاظ هذا المعجم أيضاً : الخطيئة ، المحال ، النسيان ، أفيون ، سمفونية ، المرآة ، النصر ، المطر ، القمر ، حكايا ، سمراء ، إلا أن هذا لا يمنع من أن ينجح فى استعمالها المجيد . وأنا أتساءل أحياناً : هل كان من باب الصدفة أن يجتمع مثلا محمد المرزوقي ومنور صماح على عنوان واحد ك " على ظهر الاسد " إذ لا أظن أن الثاني كان ينوى معارضة الاول أو أن يجتمع آخران على " نداء الارض " ويضيف الثالث " رسالة الارض " ! - قال هذا " مولد البطل " فقال ذاك " مولد البطل " وزاد الآخر " مولد النسيان " وهلم جرا . كتب عمرو " همس الجفون " فكتب زيد " همس الجفون " وهكذا يبقى الجماعة يدورون فى حلقة مفرغة دون أن يتقدموا قيد أنملة - والحديث عن هذه الجزئيات له " محل من الاعراب " - لأن علامات النهضة يمكن أن تظهر من العناوين نفسها ، ومن الكلمات والتراكيب - ثم إنى لم أذكر أصحاب العناون السالفة سالكا سبيل من قال : " إياك أعني فاسمعي يا جارة " ليت نثرى أما يستطيع هؤلاء أن ينوعوا ويجددوا حتى فى العناوين ؟ ! أما من ناحية المعنى فثمة محاولات جريئة يقوم بها بعض الادباء الشبان منهم
خاصة ، فيها ابتكار وفيها طرافة ، وفيها جمال ، وفيها نظرة مستنظرفة ، ذكية ، الى الحياة . وفيما عدا ذلك فالموضوع هو ، وطريقة تناوله لم تزل تشكو الرتابة . هذا فى نظرى .
وقد تستغرب مني ! لا يا صاح ليس ثمة ما يدعو الى الدهشة . فأنا لم أعثر على واحد من أدبائنا وأخص منهم من ينتسبون الى الشعر تناول مأساة من المآسي مثلا دون أن يقلب الارض " سافيها على عافها " ويسود أمامه الافق ، وتساقط الكواكب ، وتنعب الرياح الهوج ، وتبكى السماء بكاء الثكالى ، وتنقطع الطيور عن شدوها ، والسواقى عن لغوها ؛ فى حين ما زالت الارض على حالها ، والربيع ربيع والشتاء شتاء...
ما أصدق المأساة وأشدها وقعا فى القلوب لو يوضع إطارها في صبيحة يوم ربيع صحو مثلا - صبيحة شدت عنادلها وحمائمها ، واهتزت أعشابها الخضراء وأزهارها لهب النسيمات ، وضحك وجه الحياة فيها ، وتغرد بألف حنجرة ، وضاع بألف زهرة...لو توضع فى إطار شبيه بهذا ، بحيث يشعر الانسان بعدم اهتمام الطبيعة بأفراحه أو أحزانه ، ويلا جدوى صرخته في وجهها وبحرارة الواقع فى آخر الأمر ، وقسوته ، لكان التأثير المنشود ، ولكان الابتكار - فى نظرى - أما إذا استمرت الطبيعة تتلون بالحالة التى نحن عليها ، فتفرح لفرحنا وتحزن لحزننا فقد ظلمناها وظلمنا الصدق فى التجربة .
والعيون ؟ هل كلها سود ! ؟ والشعور ؟ هل كلها سود ! ؟ والنساء ؟ هل ما ثمة غير " هند " و " سعاد " و " ليلى " ؟ والمواعيد ؟ ألا تكون فى الشارع ، أو فى المنزل ، أو فى المدرسة ، أو في القطار ، أم هي لاتفارق ظلال الشجر ؟ !
والخريف ؟ هل الجمال ، والدفء ، والسماوات الزرق لا تتوفر الا في فصل الربيع ؟ أنا أعتبر بل أشعر أن فصل الخريف أبهى وأيقظ الفصول لما تحته من نجدد وإنبعاث ، وهو أيضاً فصل الوحى والالهام ، واللقاءات ، والأعراس ، والليالى الحلوة . يكفى من اجترار آثار الرومانسية العميقة ، ومن تلقف الكلمات من أفواه بعضنا بعضا ، والى الأصالة والصدق ، والعمق .
تلك هى فى رأي من يروم نبوغا ويحلم بمجد أدبى ، يخصص له التاريخ صفحاته البيض .

