الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء, من معالم الرقابه في أدبنا

Share

ننشر فى الصفحات التالية من هذا الباب عدة مقالات تناول فيها أصحابها جوانب من حركتنا الادبية وانتاجنا الفكرى . ونظراً لما ورد فى هذه المقالات من آراء قد نتفق معها وقد لا نتفق رأينا ادراجها على علاتها تاركين لقرائنا الكرام الحرية فى نقدها النقد النزيه الموضوعي .

لا شك وأن الرتابة فى كل شئ مآلها العقم - والعقم وبال على الحياة التى  من سننها التطور والتجدد . فالبقاء على نوع من الزراعة أو الصناعة أو التجارة واحد يقضى على نمو وحيوية هذه القطاعات - والذى لا يحاول الابتكار ويكتفى بالهين السهل ، يتسرب إليه الفتور ، وتدب فى أعصابه البرودة ، وتكسد سوقه . فما بالك بالكلمة وهي ترجمان القلوب والعقول ، إذا ما بقيت تعاد وتلاك ، إنها لا شك تفقد حرارتها ، وشبابها ، وكل قيمتها .

والمطالع لدواوين الشعراء فى تونس ، وللصفحات الادبية من المجلات والجرائد ، والمستمع للأغاني نفسها - يلاحظ ما فيها من رتابة فى الصور والعبارات والاشكال - فموعد الشاعر بحبيبته لا يكون إلا " تحت ظل الياسمين " مثلا كأن تونس الخضراء لا زيتون فيها ولا نخيل ولا كلتوس .

وإذا ما خاطب حبيبته قال : " يا حبيب " وما أكثر المقطوعات التى يتغنى بها فنانونا ومطرباتنا هذه الأيام ، والتي تبدأ ب " يا حبيبي " ، فيغني أحمد حمزة من قصيد لمصطفى الحبيب بحرى :

يا حبيبي عشق الروض أناشيد هوانا

وتشدو علية من حين لآخر بأبيات لعبد المجيد بنجدو ومطلعها :

حبيبي ما أنا شاك

                ولا وان ولا باك

ومن شعر منور صمادح :

حبيبي ولو كره الحاسدون

                   سأبقى على عهده لا أخون

وتغنى أخرى لمحمد المرزوقي :

يا حبيبي أستيقظ الكون وغنى يا حبيبي

ويقول مصطفى خريف فى " موسم العشاق " :

يا حبيبي أنت بين الناس

                  زهرة فأحت كزهر الآس

ويقول أحمد اللغمانى فى " آه لو كنت معى " :

يا حبيبي لو شهدت اليوم تحطيم القيود

كما يقول فى خاتمة قصيد آخر :

يا حبيبى عوذت مجدك بالله وحصنته بآى الكتاب :

وغير هذا كثير مما أستحضره . قلت إن هؤلاء استعملوا جميعاً عبارة " يا حبيبي " فمن ناحية يعاب عليهم  الدوران فى حلقة مفردة كأن ليس ثمة ما ينادى به العزيز علينا غير " يا حبيبي "  ومن ناحية يعاب عليهم إهمال تاء التأنيث وإن أجاز ذلك الاولون ، إذ أن الأصالة والصدق يفرضان على الشاعر أن يقول " يا حبيبتى " لما فيها من معاني الأنوثة والحنو والحب - ويترك بذلك للمرأة وحدها أن تقول " يا حبيبي " . ولست أدرى من يخاطب مصطفى خريف فى هذا البيت :

ما فى غرامك حيله

             ياذا الجفون الكحيله

أو في .

حدثوه أنى هلكت صبابه

                ورمي قلبي الهوى فأصابه

(لعله يقصد الرشأ الأغيد أو الغزال الشارد ! ) إلا أن من الشعراء من إنتبه إلى هذه الظاهرة فقال :

حبيبني زنجية

سوداء إفريقيه

ومعلوم أنها حبيبة نور الدين صمود . وناجى أبو القاسم الشابى محبوبته مناجاة الشغف والحنين :

أنت أشهر من الحياة وأبهى

                   من جمال الطبيعة الميمون

وخاطبها مرة أخرى بقوله :

عذبة أنت كالطفولة كالاحلام كاللحن كالصباح الجديد

وتذكر جنته الضائعة ، وأيامه الخوالى فأنشد فى لهفة وتحسر :

قضيتها ومعنى الحبيبة لا رقيب ولا نذير

أسمعته خاطبها بغير " أنت " ؟ لا شك أن هذا سر من أسرار نبوغ الشاعر وخلوده .

ومن العبارات التى أصبحت موضة العصر " خاصة لدى ناشئة الادب عبارة " العودة " وهي الاغنية التى ما فتئ يلوكها الشرق - وقد تسربت عدواها الينا ، وراجت هذه الكلمة رواجاً في سوقنا ، ولها مدلولان متقاربان : عودة الى الوطن السليب ، وعودة الى أحضان المحبوب - أما رواجها فكان فى صورة عناوين منها : عودة الصيف ، عد يا ربيع ، ترانيم عائد ، عائدون يا تشرين ، لن يعود ، طريق العودة ، أغنية العودة ، لا تعودي ، لا تعودي ، عائدون ، إلى غير ذلك مما بضيق به الحصر ، بحيث فقدت هذه اللفظة طاقتها المعنوية ، وبقيت جوفاء تتردد على الالسن كما تتردد الالفاظ الفخمة التى يلقيها الساسة ، على أفواه سواد الشعب .

وللطريق حكاية أيضاً ، لا يمكن المرور دونها . شاعت هذه اللفظة فى صورة عناوين كالتالية ، وهى حسب ترتيبها الزمني للنشر : " الطريق " قصيد لمى موسى الصائع الشاعرة الفلسطينية ، " الطريق " قصيد سمعته يوماً فى برنامج " شاعر وقصيد " الذي تعده الاذاعة التونسية ، " الطريق " قصيد لمنور صماح ، " طريقى التى اخترت " قصة لفاتح والى ، " طريق الى الهاوية " و " عث الطريق " . . . لله ما أسرع أقلامنا إلى السهل اليسير :

ومن لا يحب صعود الجبال

                       يعش أبد الدهر...

فريثما يقع بصر أحدنا على عنوان طريف جديد ، أو عبارة أو صورة تستهويه انتزعها من قلم صاحبها ! كأنما قد ظفر بجمال الدنيا والآخرة . ومن ألفاظ هذا المعجم أيضاً : الخطيئة ، المحال ، النسيان ، أفيون ، سمفونية ، المرآة ، النصر ، المطر ، القمر ، حكايا ، سمراء ، إلا أن هذا لا يمنع من أن ينجح فى استعمالها المجيد . وأنا أتساءل أحياناً : هل كان من باب الصدفة أن يجتمع مثلا محمد المرزوقي ومنور صماح على عنوان واحد ك " على ظهر الاسد " إذ لا أظن أن الثاني كان ينوى معارضة الاول أو أن يجتمع آخران على " نداء الارض " ويضيف الثالث " رسالة الارض " ! - قال هذا " مولد البطل " فقال ذاك " مولد البطل " وزاد الآخر " مولد النسيان " وهلم جرا . كتب عمرو " همس الجفون " فكتب زيد " همس الجفون " وهكذا يبقى الجماعة يدورون فى حلقة مفرغة دون أن يتقدموا قيد أنملة - والحديث عن هذه الجزئيات له " محل من الاعراب " - لأن علامات النهضة يمكن أن تظهر من العناوين نفسها ، ومن الكلمات والتراكيب - ثم إنى لم أذكر أصحاب العناون السالفة سالكا سبيل من قال : " إياك أعني فاسمعي يا جارة " ليت نثرى أما يستطيع هؤلاء أن ينوعوا ويجددوا حتى فى العناوين ؟ ! أما من ناحية المعنى فثمة محاولات جريئة يقوم بها بعض الادباء الشبان منهم

خاصة ، فيها ابتكار وفيها طرافة ، وفيها جمال ، وفيها نظرة مستنظرفة ، ذكية ، الى الحياة . وفيما عدا ذلك فالموضوع هو ، وطريقة تناوله لم تزل تشكو الرتابة . هذا فى نظرى .

وقد تستغرب مني ! لا يا صاح ليس ثمة ما يدعو الى الدهشة . فأنا لم أعثر على واحد من أدبائنا وأخص منهم من ينتسبون الى الشعر تناول مأساة من المآسي مثلا دون أن يقلب الارض " سافيها على عافها " ويسود أمامه الافق ، وتساقط الكواكب ، وتنعب الرياح الهوج ، وتبكى السماء بكاء الثكالى ، وتنقطع الطيور عن شدوها ، والسواقى عن لغوها ؛ فى حين ما زالت الارض على حالها ، والربيع ربيع والشتاء شتاء...

ما أصدق المأساة وأشدها وقعا فى القلوب لو يوضع إطارها في صبيحة يوم ربيع صحو مثلا - صبيحة شدت عنادلها وحمائمها ، واهتزت أعشابها الخضراء وأزهارها لهب النسيمات ، وضحك وجه الحياة فيها ، وتغرد بألف حنجرة ، وضاع بألف زهرة...لو توضع فى إطار شبيه بهذا ، بحيث يشعر الانسان بعدم اهتمام الطبيعة  بأفراحه أو أحزانه ، ويلا جدوى صرخته في وجهها وبحرارة الواقع فى آخر الأمر ، وقسوته ، لكان التأثير المنشود ،  ولكان الابتكار - فى نظرى - أما إذا استمرت الطبيعة تتلون بالحالة التى نحن عليها ، فتفرح لفرحنا وتحزن لحزننا فقد ظلمناها وظلمنا الصدق فى التجربة .

والعيون ؟ هل كلها سود ! ؟ والشعور ؟ هل كلها سود ! ؟ والنساء ؟ هل ما ثمة غير " هند " و " سعاد " و " ليلى " ؟ والمواعيد ؟ ألا تكون فى الشارع ، أو فى المنزل ، أو فى المدرسة ، أو في القطار ، أم هي لاتفارق ظلال الشجر ؟ !

والخريف ؟ هل الجمال ، والدفء ، والسماوات الزرق لا تتوفر الا في فصل الربيع ؟ أنا أعتبر بل أشعر أن فصل الخريف أبهى وأيقظ الفصول لما تحته من نجدد وإنبعاث ، وهو أيضاً فصل الوحى والالهام ، واللقاءات ، والأعراس ، والليالى الحلوة . يكفى من اجترار آثار الرومانسية العميقة ، ومن تلقف الكلمات من أفواه بعضنا بعضا ، والى الأصالة والصدق ، والعمق .

تلك هى فى رأي من يروم نبوغا ويحلم بمجد أدبى ، يخصص له التاريخ صفحاته البيض .

اشترك في نشرتنا البريدية