بعض الصحف عندنا طغت عليها الصبغة التجارية فانساقت وراء المهاترات والمتاهات الفجة اللزحة وبدأت تنشر نوعا من الانتاج هو ترسبات الحضارة الغربية وتكلس التقليد الاعمى لبعض المواصفات الاجنبية وبالغت فى تشجيعه حتى وصل الامر الى درجة الزراية واذا عذرت مجلة الفكر باعتبارها ترفع شعار الفكر المفتوح لكل التجارب والافكار الادبية فان الاغراق فى هذا النمط ربما صار تحيزا والتزاما * وهذا ما لا يتمناه احد لهذه المجلة التى حملت مشعل الثقافة والأدب في بلدنا حقبة من ازهى سنوات تاريخنا الادبى والفكرى ؟
ولعل جماعة غير العمودى والحر كان لها القسط الوافر من هذا التشجيع . والاغرب من هذا ان تتعود هاته الفئة على الاطراء والمجاملة فصاروا كالاطفال المدللين لا يغلقون اجفانهم الا على هدهدات التقديس والاحترام وكلمات المديح تكال بلا ثمن فتوهموا انهم وصلوا الى المستوى الارفع . ومحنة النقد عندنا تكمن فى تبادل الشكر وتوزيع الثناء .
وقد يتملك الانسان الضحك عندما يتصفح العدد الرابع من مجلة الفكر سنة 1970 فيجد فيه نقادا يفلسفون - غير العمودى والحر - والشىء المضحك فى هاته المهزلة او المحاولة ان ميزانهم المقترح يشبه تخطيط القلب بالكهرباء ، ولأكون امينا فانني أنقل هنا هذا الخط البيانى الذي لا تراه الا عند مرضى القلوب او خبراء العلوم أو جماعة غير العمودى والحر .
وقد كتبوا فوقهم والعهدة عليهم (1) ان هذا المؤشر يعنى الشطر الاول من البحر الطويل لكن يجب على الشاعر او القارىء ان يستشير طبيبا فى تقطيع البيت الشعري . وبذلك يشتد ارتباطنا بالاطباء - لكثرة امراضنا وتنوعها -
ويقل هذا الارتباط بالادب . ولا شك أن هذه العملية ضرب من العبث لفريق من النقاد هم الوجه الثاني لعملة مزيفة تعبث بها أياد ذات مصالح مشتركة .
ولاكون واضحا فان جماعة غير العمودى والحر ارادت الظهور بمظهر الحركات الناضجة التى تبرز ولها فلسفة تسير عليها وتترصد خطاها . فقسموا انفسهم الى فريقين . فريق يدعى الشعر . وفريق يدعى النقد . بل جمع بعضهم بين المهنتين . وبذلك تكون هذه الحركة حركة شباب فى حراسة نقاد شباب . وهاته الخطوات من شانها ان تحفظ ديمومتها وتفرض وجودها .
وتمت الخطة كما اراد لها اصحابها . وربما اوجدوا لانفسهم فريقا ثالثا مندسا فى الصحافة كي ييسر لهم عملية النشر . وهكذا صرنا لا نرى صحيفة تخلو من هذا النمط بل أصبح من علامات عصرية المجلة او الجريدة ودليلا على جدتها وابتكارها .
ونحن لم نسمع الا من هؤلاء ان حركة خرجت للوجود بنقادها . فمن البديهيات ان النقد متأخر عن الآثار الادبية . اما إذا سبقها أو واكبها فانه لا يعدو ان يكون تهريجا تسيره الاهواء وتتحكم فيه العواطف وتتملكه القبلية لا موضوعية فيه ولا خير يرجى منه .
وهذا النوع من النقد هو الآفة الكبرى فى ضحالة الآداب عند كل الامم . والآداب الناضجة لم ترتق الا بالنقد الصارم البناء . اما التحزبات والعصبيات وتبادل الاطراء والتهانى فقد تنفع فى توطيد الصداقات لكنها لا تفلح في بناء أدب .
وانا لا اقصد بالنقد التجريح أو النهش - معاذ الله ان يصير الناقد حيوانا مفترسا - ولكنى أود أن يكون للنقد دوافع انسانية وقومية باعتبار ان الادب ملك للشعب لا للافراد أو المؤسسات الاقطاعية فاذا حمل الناقد مثل هاته الروح فهو الغيور الحريص على المصلحة العامة . ومع الوعى الفنى الذى يمتلكه يصير - عند ممارسة النقد - مكتشفا للافاق التى ارتادها الاديب او الشاعر . ومن هنا يكون الناقد رابطة ضرورية بين القارىء والكاتب وحارسا أمينا للنهضة الادبية .
انبه الى هذا بمناسبة الحملة الجائرة المسعورة التى شنت على لاني قلت ما
اعتقدت ولم أكن مدفوعا بصداقات أو حب ظهور ولم تكن لى أغراض شخصية مع أحد . بل لا أعرف حتى الاشخاص الذين ذكرتهم فى مقالى السابق ( 1 ) وماراعنى الا والسيد الطاهر الهمامى يحاول سلقى بلسان حاد وكلمات لا اسمح لنفسي باعادتها (2). والسب والشتم حجة سهلة . كما أن الغرور والادعاء حجة اسهل " والذي يقف على رأسه يرى كل الناس مقلوبين فيتوهم انه العادى وهم الشاذون ... كما توهم الهمامى انه يكتفى بالخلق الفنى ولا يتدحرج الى مستوى الردود . واى خلق فنى جاءت به هاته الفئة من ادعياء الشعر وقاتلى الحرف .
وفى هذا المقال سوف ابدأ عملية المسح الاولى لهذا النمط غير انى قبل البداية لابد أن أسجل ملاحظات عابرة .
1) ان الردود وردودها تقذف بالانسان فى متاهات فكرية غائمة لا يسهل الخروج منها .
2) ليس أحد منزها عن النقد والتقييم حتى بلزاك ومحفوظ وبقية الذين شبه بهم الاخ طاهر نفسه مع ما فى هذا الارتباط من الادعاء والغرور . ومع تمنياتى الصادقة له فى أن يصل الى درجة هؤلاء فان لهم سقطات ، والكمال لله وحده - وفى عملية تحد شهيرة من الشباب الادبي في مصر كانت الاسماء فيها سريه نجح الشباب وسقط الشيوخ . نعم نجح الشباب وسقط نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم .
3) مقالي هذا ليس ردا وانما هو نظرة اولى الى هذا الشعر . وان لم يسعفني الحظ بمواكبة هذا اللون من البداية حيث كنت بعيدا عن ارض الوطن فاننى قد اطلعت على نماذج كثيرة منه تخول لى الحكم عليه . ومع تأكيدى على الموضوعية فاننى أؤكد من جديد بانني لست ناقدا او مدعيا الاكادمية والنظرة الفوقية بقدر ما انا هاو للادب متذوق إياه . ولا أحمل مؤثرات داخلية أو خارحية ولا انتمى الى مدرسة من المدارس . وفهمى وتذوقي للادب هما المعياران اللذان اهتدى بهما . مع اعتقادى ان الادب هو الصدق ، والاصالة والابداع . ولا يهمنى الا النص الادبى كما انى لا أود ولا ارتضى أن أحيى زمن النقائض . فزمانها قد ولى بدون رجعة مع جرير . والاخطل . والفرزدق
مظهر الشعور بالنقص :
واول ما يطالعنا فى هذا اللون هو مظهر الشعور بالنقص والاحساس الصارخ بعدم الثقة والقاء التبعة على الادب القديم . فعقدة القديم الذي لا يحسنونه ظاهرة بارزة فى انتاج هاته الجماعة . فلا يستقر لاحدهم قرار الا اذا هاجم القديم . ونلاحظ التهجمات محشورة فى اغلب نتاجهم وبلا سبب او مناسبة . فكأنهم يرابطون على خطوط النار . وهاته الظاهرة لا تبرز بحدة الا عند الشعور بالنقص . فالقديم الذى لا يحسنون حتى الاستفادة منه عذبهم وأرقهم فاثروا نهشه بدل احترامه ومحاولة اثبات الشخصية الفنية الناضجة بدون اتهام للغير . والملاحظ انهم لم يستطيعوا تغليف هجومهم بذكاء الفنان فهاجموا بجمود المتزمت . وتعلقوا بالرفض المطلق والتطرف الاحمق . وبذلك اثبتوا انهم متمردون لا ثوار . وناقصون يحاولون الصعود على انقاض القديم . فالقصيدة العمودية عند الهمامى :
عمودية أفقية ... نفاثة في العقد ... حمالة للشر وجلابة للنكد (1) .
ترى من جلب الشر للآخر القصيدة العمودية ام الشاعر العصري ؟
وتظهر العقدة فى الاتهام المضاد من باب قولهم : اذا كنت مذنبا فقاض الناس قبل ان يقاضوك ...
ويصرح الشاعر بان القصيدة العمودية تناصبه العداء وتحاصره أو بالاحرى يقف عاجزا امام اسوارها كالمقاتل الكسول الذى لا يحسن الا الشتم :
تناصبني العداء ... تضرب على الحصار ... عجوز شمطاء تدعي انى
بلا هوية (1) .
وهذا المقطع ذكرني بقول الشاعر القديم :
وسقي ديارك ، غير مفسدها . بيض الغمام وديمة تهمى
وقد يعجب القارىء من هذا التلاقي ولكني انبهه الى التأمل في المعنيين فكلا الشاعرين قد وقف على الاطلال .
فالشاعر القديم وقف على ديار حبيبته ودعا لها بالغيث النافع عندما استدرك بتلك الجملة الاعتراضية الذكية ، غير مقسدها - ولم يكن هذا الاستدراك عملا
عشوائيا ، بل كان تخطيطا واعيا . فالشاعر قصد ديمومة شخوص هاته الديار ليسهل الاهتداء اليها . واثبت وفاءه للعهد حتى مع الاطلال الدوارس . وهى نظرة انسانية من جاهلى جلف .
وشاعرنا العصرى المجدد - الذي يعيش على وهم الخلق الفني - وقف على اطلال القصيدة العربية القديمة لا ليترحم على عصرها الذهبى أو حتى يذكر الاموات بخير . بل ليشتم ويسب فكانه الابن الذى حرمه أبوه من الميراث وكلما مر بقبر هذا الأب يطيل الوقوف لا ليترحم بل ليبصق وهكذا رجع بنا المحدثون الثائرون الى الاطلال . مع ملاحظة ان الطلل عند الجاهلى وسيلة والطلل عند المحدثين غاية .
أما السيد الحبيب الزناد فينعت الشعراء القدامى بعارضي الازياء المريضة .
وقد يعترض المعترضون .. من عارضي الازياء .. والعروض المريضة (1)
ترى هل أبطل الشاعر الحديث عرض الازياء أم أبطل إلى العروض القديمة ليرتدى " موضة " اخرى تناسب العصر ؟ .
ولعل تهجم الآنسة فضيلة الشابى فيه بعض البراعة ولاول مرة يظهر صوت من هاته الاصوات له القدرة على اخفات تهجمه المكشوف فلم تسرد الشاعرة اللعنات بل غلفتها بذكاء وان اعترفت بان هاته الاصوات ليست للتجديد وانما هى تعبير عن الغضب ، والغضب لا يلبث ان يهدأ : اصوات رفض للموت ... أصوات لغة الارض وتحطيم للمدى ... اصوات لغة الغضب (2) والهجوم على الشعر القديم فى هذا الوقت ما هو الا زوبعة فى كأس لان أمر القديم انتهى بعد ان ادى دوره بكل جدارة . والاصوات التى تعيش بيننا الان وتمارس هذا النمط ما هى فى الواقع الا صدى للماضى واجترار للمضامين المتآكلة . وتسلم مقاليد الشعر شعراء الحر الذين اثبت الكثير منهم بعد جهاد مشرف ، انهم الاصوات الخلافة والدماء الشابة لشيخوخة الشعر العربى والعصب النابض لترهل هذا الشعر .
غير ان باب التجديد لم يغلق والكمال فى الادب صعب المنال لكنه ليس سهل الولوج . والا دخله كل مدع وضاعت الحقائق وسط زوابع التهريج والخلق المزعوم .
وجماعة عبر العمودى والحر اول من يعلم ان اشعارها لا جدوى منها بل هى
عملية يائسة لقتل الفراغ وايسر السبل لابراز الاسماء فوق اعمدة الجرائد والمجلات . اما المعاناة والخلق فامر لا يخطر حتى على اذهانهم :
قصائدى لا قصد منها ... فهى مقصودة لذاتها .
فليست جنودا مجندة ... ولا اعمالا باقية خالدة (1) ..
وهكذا شهد شاهد من اهله بان هاته الاعمال ليست خالدة ولا ينبغي ان تكون خالدة لانها تفتقر إلى صفات الخلود الاساسية وهى : الوعى والعمق والاحساس الفني الاصيل . ويظهر أن جماعة غير العمودى والحر يشعرون بضآلتهم وتفاهة اعمالهم لانسداد آفاق الابداع أمامهم . ولعل خوفهم من القراء هو الذي أوقعهم في المهزلة . مهزلة القافية بدون تفاعيل . والتفعيلة هي حجر الاساس فى الايقاع الموسيقى والذبذبات الوترية لانفعالات الصوت . وما القافية الا العامل المساعد فى التنغيم الشعرى . بيد أنها أيسر من العروض لاعتمادها على الثراء اللغوي . اما العروض فيعتمد على الأذن الموسيقية وآذان هؤلاء القوم " فيها وقر " فاخذوا بمبدأ القافية الجزئية :
جسمك المتجبر جوعى .... جسمك المتجبر تجويعى .....
جسمك الجائع طاعتى وخضوعى (2)
فهذا الصراخ الجنسى العارى وهاته القافية المتحجرة دفعا بالشاعر فى بوتقة الجمود والتردى فصار كلامه كالمحاولات الصبيانية لتقليد احد الخطباء القدامى :
الليل نهار مصلوب ... كلب مكلوب ... حبر مسكوب ... خبز مسلوب
ثوب مثقوب ... جيب منقوب ( 3 )
والذى حافظ على القافية الجزئية منهم تناسي ان الكلام اذا خلا من التفعيلة وتقيد بالقافية استحال الشعر الى سجع مبحوح يشبه كلام الكهان وخطباء المناسبات الدينية ويفتقر إلى حرارة الايقاع ومسحة الحيوية ونبض الحياة .
الغموض والسطحية :
هذا الشعر امتاز بظاهرتين وجودهما فى حد ذاته يعتبر تناقضا حادا ومفارقة لا مبرر لوجودها وهما الغموض والسطحية . وانا افترض أن الغموض تولد عن السطحية . فهذا النفور من الواقع والهروب من الذات مع انعدام المنهج الذى يسار عليه هو الذي ولد الغموض فالسررد المباشر قد يتوهمه البعض فلسفة جديدة ويستبعد الاخذ بظاهره لان هذا الظاهر لا باطن له فيضفى عليه امتدادا ذاتيا وبذلك يصبح القارىء مجتهدا وهو فى الواقع لا يفسر الا اقتراضاته الخاصة ذات النية الطيبة كان هؤلاء الجماعة لهم القدرة على الخلق والابداع وهم فى الواقع يتخبطون فى السطحية الجافة والمواصفات التقريرية العجفاء .
ولعل الظاهرتين تتضحان فى قصيدة الزناد " ماء وطين " فبعد ان يستعرض الكرى والخشب الذى ذكره بامرأة أبى لهب وذلتها المزعومة يشعر بكثرة الحشو فيقول فى لهجة الوعاظ والمداحين من اصحاب حلقات الذكر :
لكن لا علينا لنعد الى ما كنا فيه ... فلا نتيه ... قلنا والقول لنا . . . والكلام علينا (*).
ألا يذكرنا هذا المقطع بتلك الجمله المحفوظة التى اعتاد القصاصون الشعبيون تمطيط شفاههم ومضمضتها بها :
قلنا يا سادة يا مادة ... الله يميتنا ويميتكم على الشهادة .
وهل يجد القارىء فرقا بين هاته الاستراحة الشعبية وبين مقطع السيد الحبيب الزناد ؟ ويذهب الشاعر فى هذا المقطع مع شطحات ينفلت فيها من فيلق السلام الى رقص الفئران والخمور المترقرقة والريح الشاهقة والحمير الناهقة والحانة الاندلسية والعربية والبربرية ولا ينسى التهجم على القصيدة العربية فتلك عقدة القوم المستعصية وداؤهم المزمن . ويختم هاته القصيدة باعتراف بديهى ان هذا الشعر لا قيمة له بل هو معجون عجنه فى غفوة نعاس :
كلامى مرسل معجون ... فيه ثورة وجنون ... وانا حزين يهزنى
النعاس (1) .
ومن هنا جاء الغموض فالشاعر ينتقل من خاطرة الى خاطرة بلا مبرر وان نبهنا الى انه يكتب فى حالة نعاس او اضغاث احلام ويريدنا ان نفهم ما يقول .
واغلب قصائد غير العمود والحر تلاحظ فيها هذا الغموض والتعتم الفكرى الذى لا وعي فيه . ونحن نقع فى الخطأ إذا حاولنا فلسفة هاته المحاولات فهي لا تحمل فلسفة وقد عبر الزناد عن هذه الحقيقة :
قصائدى شكلية ... قصائد عصرية .
قصائدى لا قصد لها ... فهى مقصودة لذاتها (2) .
واذا كانت هذه القصائد بلا قصد فمن اين جاء هذا الغموض ؟
لا شك انه تأتي من السطحية والتناول المباشر " ومن كثرة الظهور الخفاء " وقد نتساءل هل جماعة غير العمودى والحر من مدرسة " الفن للفن " .
تلك المدرسة الارستقراطية التى تشاغلت عن مجتمعاتها بلوك الالفاظ القارة وتلهت بأدب الترف والتخمة المادية هؤلاء الادباء وصفهم سارتر " بانهم انحدروا من اصل برجوازى ومارسوا اغراء اللامسؤولية فنادرا ما يقيم احدهم علاقة بين اثاره وقيمتها المادية . فمن جهة يكتب لنفسه ومن جهة اخرى يعطى مالا فكأنه طالب يتمتع بمنحة دراسية اكثر مما يعتبر نفسه عاملا يأخذ ثمن اتعابه فهدف هؤلاء القوم واحد واصلهم واحد واثارهم لا تخدم المجتمع (3) .
واذا كانت اشعار الحبيب الزناد والطاهر الهمامى بالسطحية الغامضة فى كثير من الاحيان فان فضيلة الشابى اغرقت انتاجها فى هاته الضبابية والتعتيم فكأنها تريد رمى القارىء فى دوامة اللاوعى وكابوس الوهم وابعاده عن الواقع المرئى . وكأنها تتناسي مهمة الشاعر الحقيقية وهى اجتلاء الافاق وارتياد المجاهل لهداية القارىء فرسالة الشاعر انسانية وليست عقبة فى سبيل الفهم ، وعندما ينقلب الشعر مشكلة يصبح الشاعر حاويا من الحواة يستعرض العابه امام النظارة فيرعبهم بخفته المدهشة لكنهم لا يخرجون الا بالاساطير والاستغراب وقلب الشفاه ومن يقرأ قصائد الآنسة فضيلة " زهور المجاعة " و " اتذكر " و " عرفت خطاي لغة المنفي " لا يخرج باشياء واضحة :
اتذكر حينما صنعت كرسيا قرب الشمس ... كنا نضحك ...
لاننا نسينا ان نحمل معنا حطب الارض .
أتذكر كيف انفجر العالم كزهرة ... انفجاره كان رائعا رائعا (1) .
هل فهمتم شيئا من انفجار العالم . وروعة الزهور . وهاته الزهرة التى منحت للشاعرة . هل هى بقايا الاحياء من العالم المتفرقع أم هى وسام يهديه لها إله الحرب ؟
الاطار الجمالى :
وهذا اللون من الشعر تنقصه الأطر الجمالية التى تنقى الكلمة من شوائب الماضي وسوقية الحاضر وتبرز الصورة الموحية المعبرة التى تجعل من الشعر وسيلة لمعرفة العالم الجمالى وطريقا لاكتشاف المصادر الثرة فى الكائن البشرى والصورة هي الرابطة الطبيعية الوثيقة بين خلق الشاعر ووعى القارىء . أما الكلمات التى تتدحرج من السنة العوام فلا موضع لها فى الشعر . الا اذا كان مقطعا من الشعر الشعبى أو الامثلة الشعبية ولابد ان يكون فى المكان المناسب والاشارة اليه وسيلة من وسائل الشاعر للربط بين عالمه الشعرى والعالم الثاني .
اذا قصدت العامية لذاتها فهذا عجز فاضح . وهل الشاعر الحقيقي عاجز عن صقل لغته والارتفاع بها الى مستوى الايحاء بدون عامية وهل هو هاجز عن بعث الحرارة فيها واعادة النبض لها . فاذا عجز عن هذا فأولى به ان بعجز عن الخلق الشعرى . والعامية المبتذلة . والكلام الصفيق ينزلقان بالشاعر الى مهاوى المتسكعين والشذاذ .
فالاطار الجمالى هو غلاف المظروف ولا يستسيغ أحدنا ان تقدم له رسالة غارقة فى الوحل والتلويث ولا بضاعة فى غلاف قذر متآكل . والاطار الجميل يسهل على القارىء الحكم والفهم .
وغير العمودى والحر ظهرت فيه جمود الكلمة وصفاقتها وسوقيتها وابتذالها . فالطاهر الهمامى يقول فى سطحية مترجرجة . وسب هجين :
عجلات مطاط .
وعربة للسواقط والساقطين والسقاط ( 1 )
والصورة المضيئة المبتكرة ذات الالوان المختلفة من امتيازات الشعر الحديث ولا تكون الصورة الا باللفظ . فالصورة والالفاظ رباطهما وثيق ولا أقصد الاضاءة المعنوية بل الاضاءة الشكلية . فامتزاج الالفاظ وتناسقها وتصميم الشاعر لها يضفى مسحة تختلف باختلاف تخيلات الشاعر وتصوراته وتبين قدرة امتلاكه للزاد وقدرة استفادته مما يمتلك ومدى اخراجه وحركيته مع البحث عن المعانى التى لم تخلق بعد وربطها بواقع الانسان المعاصر . انسان هذا القرن بانحداراته القاتلة وذبذبته الحضارية العائمة المهزوزة . وتشككه المهزوم وتشبثه بعالم المادة الطاغى . وتعليل التمللات الثورية وحركات الشباب المتطرفة . إن شاعرنا الحديث اذا وصل الى هذا المستوى يمكن ان نقول انه بدأ يخطو نحو التجديد والابداع وبدأ معاصرة واقعه المحلى والعالم والشعر اذا أسقط من قاموسه الكلمة الموحية فقد سقط الى مستوى النثر العلمي كما ان الشعر اذا انحط الى مستوى العامية ابتذل وركدت سوقه وصار الشاعر ككاتب الرسالة أو مذيع نشرة الاخبار .
ان المركبات يجب ان لا تعمينا عن الحقائق والشعور بالنقص لا يجدينا معه الفرار من الواقع والاعتراف بالجرم . والآن ونحن على عتبة التغير احرى بنا ان نواجه انفسنا بكل صراحة وان نقف امام مرايانا اذا وصلنا الى هذه المرحل مرحلة الغربلة والنقد الذاتي والتخلص من شوائب الادعاء والغرور فسنصل الى مستوى الاحساس بالمسؤولية مسؤوليتنا نحو الاجيال ومسؤوليتنا أمام أنفسنا كطليعة مثقفة وبالتالى سنصل الى نتائج مرضية من النضج الفكرى الذي قد يصل بنا الى احد الروافد العالمية .
ولابد ان نؤمن ان الشعر شعر والنثر نثر ولن يلتقيا مهما حاولنا التقريب بينهما ويوم ان يلتقيا يجب ان يزول اسم احدهما مع كل مفاهيمه .
وقبل ان انهى مقالي لابد ان ألاحظ :
1) ان انسياق جماعة من شعرائنا الجادين الذين لهم قدم راسخة فى ميدان
الشعر امثال السيدين نور الدين صمود وأحمد القديدى فى تيار جماعة غير العمودى والحر أمر مستغرب ومثير للدهشة . فقد لاحظت أحمد القديدى يكتب قصيدة من الشعر الحر ويضع فوقها " فى غير العمودى والحر " ( * ) ونور الدين صمود يكتب فوق قصيدة له " ألوان جديدة " ، فكأن العناوين واجهات تجارية تعرض فيها السلع العصرية . وكأنهم لم يدركوا بعد أن جماعة " غير العمودى والحر " فئة حاقدة يلتهمها الياس ويشدها العقم الذاتي .
2) ليس عندى تعريف لهاته القصائد الا انها قصائد اسفنجية رخوة لا تثبت أمام الاختبار لها ملوحة السباخ وجدبها واعمال طائشة من شباب يهدهدهم الكبرياء الزائف ويلفهم الضياع والتيه ويبحثون عن انفسهم المنسوخة وسط هذا التداخل الفكرى والعبث اللفظى والدماء الشابة لا تكفى وحدها للقيام بالثورات فلابد من الوسيلة والامكانية . واذا فتش الثائر عن وسيلة الثورة وآمن بها فلن يعدمها وقد وجدت الوسائل من عهد سبارتاكيس الى عصر فيفارا .
3 ) دعاوى الخلق والابداع لا تقيم ادبا جديدا ولا تنير الطريق أمام السائرين فى دروب البحث عن الجدة والجودة وتبقى الكلمة الاخيرة للقراء فهم المقياس الحقيقى للجد والهزل . والعبء الكبير ملقى على كواهل نقادنا فهم الذين يقربون بين الكاتب والقارىء أو بين المنتج والمستهلك . ويجب ان يحدث التقارب واطالة الحوار وسماع وجهات النظر والا وقع الاستغلال وادعي كل فريق أنه الضحية وكلاهما ضحية الشاعر يعيش فى ابراج الوهم والقارىء يتحصن في قواقع الرفض .

