كثيرا ما تساءلت ما اذا كان القراء لا يجدون شبها او بعض الشبه بين أسلوب المجدوب و أسلوب السد ، ثم شبها آخر بين هذا وغيره بحيث يمتد التشابه الى نثر آدم ان عرفوا نثره ! . على ان رأيى فى المجدوب . لا يبعد عن راى "صمود " . فهو عندى منذ كان استاذى يحبب الى اسلوبى ابى حيان وبشر فارس ! ! " الاديب الاصيل " دخل الادب من باب واسع دون تسليم او مصافحة . وهذه علة التقليل من الحديث عنه .
ثم سمعت من تجمعى بهم صدفة " صلعاء القفا " يؤكدون الشبه بين كتابتى وكتابة المجدوب . غير انهم - وهذا بعض موضوعيتهم - لا يباركون لى " نجاحى فى تقليده والتتلمذ عليه " اذ قد اكون تاثرت بغيره . وليس هذا بعزيز !
واود بادئ ذى بدء ان الفت نظر صمود الى انه ينبغى التمييز بين التأثر والتقليد : فكثيرا ما يعرض للكاتب ان يتاثر بغيره ممن قرأ لهم او سمع عنهم فاذا بعض ميزاتهم تنعكس فى انتاجه من حيث لا يدرى . وهذا مما يزيده حبا لانتاجه ، اذ يجد فيه بذور حب سابق ، دون ان يكتشف عقله الواعى شيئا من ذلك . ولست ارى وسيلة يثبت بها احدنا عكس هذا . بل ولعله يكون من اندر الاكتشافات واغربها ان يتاكد احد الكتاب عبقريا كان او هشيما ان ليس لنتاجه ابعاد تربطه بغيره ، خصوصا اذا سلمنا بفعل اللاشعور الذى قد يرث بقايا الطفولة الاولى وشيئا من تاريخ الاجداد . وقد ذكر " يونغ " Yung العالم النفسانى السويسرى ان " نيشه " اعاد حرفيا فى كتابه Ainsi parlait Zarathoustra فقرة مما سبق ان نشره غيره ، دون اشارة منه الى ذلك ، وقد اكدت اخت الفيلسوف انه قرأ الفقرة صغيرا (1) .
فالتأثر اذا غير واع ولا سلطان للعقل عليه . وبالتالى فهو ظاهرة تعاين والحكم عليها خواء . اما التقليد فقد يكون معمودا اليه ، وذاك اشنع الفعل ، وصاحبه اذا " لم يجد طريقته الخاصة " أقعى وعوت ريحه .
على انى ان قبلت التهمة الاولى فلست واجدا بعض صدق فى الثانية . فقد أكون شرحت خواطرى جوف كنيسة برلين متأثرا بأسلوب او بمجموعة اساليب ، ولست واجدا فى هذا حرجا . اما ان اكون اتخذت اوزانا " مجدوبية " شان الشعراء مع " العمودية " فهذا مما أرفع الحديث عنه .
وبما انى ذكرت " العمود " عرضا اطرح سؤالا ارجو ان يقول فيه صمود قولا ما هو بالهزل : اذا كان التقليد ما قصده ، الا يرى ان الشعراء بدون استثناء يقلدون اسلوبا معينا سمى وزنا ؟ ثم الا يرى ان التقليد - كما رآه - لا يتجاوز الايقاع ، وهو ما يناسب الوزن فى الشعر ؟
اذا كان هذا مفهوم التقليد عنده فهو اقرب اليه من حبل الوريد ، ولعل هذا مما اضرى نقمته على " العمود " فدعا الى تهشيمه وجر اتباعه الى الخلط بين الوافر و الهزج (2) . وهو وان التحرر لم يبرأ من " التقليد " (حسب تعريفه له) لانه بصدد التنقيب مع رفقائه عن جدهم " السابق " الى الخروج عن الاشكال والقوالب العتيقة " . واختلافهم لا يزال قائما ، فمنهم من ينتسب الى نقولا فياض و منهم من ينتمى الى نازك الملائكه و الجميع طبعا الى آدم ! و غاية ما وصل اليه الجميع ان بدلوا تقليدا بتقليد .و لا يستبعد ان ياتى بعدهم من يتحرر من " الحر " ويرسم شكلا جديدا للشعر فيطرب آخرون ، وبسم الله مرساها .
وبعد هذا ألاحظ لصمود انه لو نظر فى بقية ما كتبت لغير حكمه وتبين له الخيط الابيض من الخيط الاسود ، اذ ما سبق ان نشرت قصة كان او مقالا ( كهذا الذى بين يديه ) لم ينفخ المجدوب فيه من روحه . وغاية ما فى الامر ان " المضمون " يفرض الاسلوب فرضا . واذا خاب الكاتب فى التوفيق بينهما كان فاشلا أبدا . لذا أستأنف الحكم ، وله سيديد النظر !
ومهما يكن من امر فاقتراح صمود عظيم الفائدة فى بلد ركد النقد به واستحال الى مسلومة ترزى بالادب ويكفى ان نحصى الاسماء لنعلم ان (ه) يفتخر ب (ج) و (ج) يمجد (م) والويل للمطففين . فاذا الجميع فى دائرة مفرغة يمسك الواحد بذيل الآخر ويرقصون " الدبكة " .
فاقتراح كهذا يبارك اذا التزم النقد النزيه . و انى لاعجب كيف يتخلى عن مبدا من دعا اليه . والا أفيستمتع الذوق السليم ان نحكم على استاذ (3) اثبت فى اسمه حرف " الطاء " عوضا عن حرف " التاء " وهو يعلم ان هذا لا مساس
له بما يكتب ، فنلقى سؤالا محرجا قد ينتقد الاستاذ فى شخصه ومهنته : " إذا كان الكاتب لم يتحقق من ضبط اسمه فكيف يستطيع تحقيق ضبط اسماء القدماء ؟ " (4)
وقد غاب على صمود انه ان عاب على الناس التصرف فى اسمائهم ، فقد تصرف فى كتابة غيره عندما ابدل عنوانا بعنوان واسلوبا بأسلوب : فقد نسب الى " بين اطلال برلين " عوضا عن " بين الاطلال فى برلين " والقارئ الذواق يلمس بينهما فرقا . كما نسب الى المجدوب قوله " حسناء خارجة من البحر يقطر جسمها ويتصبب ماء ولؤلؤا " فعطف " لؤلؤا " بالواو بعد ان اكد فى حديثه عنه انه يهمل حروف العطف . وقد اثقل الاسلوب بما ليس منه . على انى ما كنت اذكر هذه الاخطاء الهامشية لو لم يسبق اليها .
اما رأيه ان يتخلص المجدوب من اسلوب ممتاز متميز فرأى ما وجدت له مبررا فى الارض ولا فى السماء . فالكاتب يبحث فى بعض عمره عن اسلوب ينقاد له ، فاذا تمكن منه عز عليه ان يفارقه لانه واجد فيه راحة نفسه . وذاك سر الاصالة . وختاما " لكى لا يحرث النقاد فى البحر " عليهم ان يلمسوا خطر " الكلمة " فى نقدهم ، وان لا يستغلوا عطش الصفحات اليهم فيسبق القلم الذهن واذا الحصاد فطير ...
