في احدى حصص المطالعة اتفق لنا أن درسنا قضية (*) تتعلق بفترة المراهقة للتلميذ ودور المعلم أو الاستاذ فى ملء فراغة بأمور شتى محاولة منه فى يبعده عن كل ما يمكن أن يثير فيه الغريزة الجنسية وانطلاقا من مقال الكاتب لا أذكر اسمه تطرقنا الى المناقشة الجماعية وصلت بنا حد طرح سؤال هام وأحب درسه بجدية وموضوعية تامة من طرف العام والخاص الا وهو هل ندرس الجنس وهل الاولوية للوالدين أم للمربى ؟ وما هى انعكاسات تعليمه على الأخلاق والدين ؛ وأى الجوانب الاهم لهذه الانعكاسات والنتائج الايجابية ام السلبية ؟
الأمر في الحقيقة يدعو الى بحث ودراسة عميقة الاصول نبتدئها بما يرتئبه الدين والاخلاق وما تنص عليه الشريعة الاسلامية : فأول ما نلاحظ هو ان القرآن والسنة قد حرضا على تحصيل العلم لمعرفة الضار من النافع فاذا ادرك المتعلم ما يصلح له كذا ويقومه كمجتمع كان قد وقى نفسه والوقاية خير من العلاج بدليل أول مانزل على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : (اقرأ) وكذلك شرحه بالتفصيل المدقق لكل ما يمت للعلاقة الجنسية بصله كالزواج والحيض والنفاس والجنابة وكيفية الخلق من الماء فالنطفة فالمضغة فاللحم فالعظم فالجنين فالانسان . كل ذلك بتفصيل من يحلل أجزاء الانسان ذكرا أو انثى دون أى شعور بوخز فى الغرائز . وذلك يكتسبه المتعلم بتدرج
منطقي تبعا لمكوناته الاجتماعية والفسيولوجية والبسيكولوجية بحيث يبتدئ بالاكتساب من الاسرة قبل المدرسة أو الجامعة ومنذ عهد الطفولة المبكرة قبل عهد المراهقة أو ما بعده فكأن الصبي يتعلم الصلاة بداية من سن السادسة وليس بعدها حسب الشريعة الاسلامية . وكما نعلم للصلاة شروط منها الطهارة والطهارة من عوارض تعود الى الجنس أكثر من غيرها ولبيان ذلك يستلزم تعليم ماهية أسباب النجاسة مثلا وبطريقة تربوية تعتمد القدوة الحسنة التى لا تمس بالاخلاق وليس العقاب والتخويف كما يقع ويصدر عن الآباء والأمهات إثر أى سؤال يتقدم به الطفل مع أن السلف قال : " علموا اولادكم فانهم خلقوا لزمان غير زمانكم " وهو ما يفيد أن الضرورات في الشرع تبيح المحظورات لذا فقد أصبح من الممكن تعليم الجنس كأى علم تحقق نفعه بعد درس تخطيطه ويشترك في تلقينه كل من البيت والمدرسة حسب خط تدريجى نضمن به ارتفاع المستوى الاخلاقي للطفل والشاب معا ، فيكون به واثقا من نفسه متأدبا فى سلوكه وحديثه داخل البيت وخارجه ومن المؤسف حقا ما نرى ونسمع حتى ممن لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره أو أقل من الشتائم والالفاظ والسباب المشبعة بعلامات الجنس خاصة فى الاماكن العامة وهذا اضافة الى واقع آخر ملموس فى حياتنا فتيات وفتيانا عند الاقدام على الزواج فان دور التثقيف الجنسى والسطحى المبتذل يكون للمتزوجين مع أو الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهى عن استعمال هذه الطريقة بقوله : (فلا تفعلوا فانما مثل ذلك مثل شيطان لقى شيطانة فغشيها والناس ينظرون ..) والانحراف الاخلاقي بصفة عامة يمكن اصلاحه بالنوعية والارشاد لا بالتغطية والتحذير منه كسر يجب أن يبقى مجهولا الا انه نسي ان في الانسان غريزة حب الاطلاع قد تؤدى بالطفل أو المراهق عادة الى التماس المعرفة من مصادر غير أمينة إن لم تكن بالتجربة الفعلية وما لشيوع ممارسة العادة السرية الا نتيجة فعلية للجهل والتعصب . ثم إن قيام الحياة العائلية فالاجتماعية حسب نظرية علم النفس تعود أصلا الى الاحساسات والدوافع الجنسية فى الانسان على كامل مراحل حياته خاصة منها الطفولية كمرحلة هامة لنموه الجنسي لتأتي بعدها مرحلة أهم وأخطر إذ لها تأثيرات نفسانية قد تعود على الاخلاق بنتيجتين : إيجابية أو سلبية حسب الطاقة الداخلية والخارجية فى المراهق وتلك المرحلة هي مرحلة البلوغ والمراهقة التى تصدر فيها تطورات فسيولوجية تظهر فى الابن والبنت فتثير فيهم مختلف المشاعر والاحساسات التى تغير طبيعيا من علاقتهم الانسانية وتخلق فيهم الرغبة فى تحقيق تصورات شتى إن لم توجه التوجيه الصحيح من المؤكد أنها
ستنحرف عن الطريق السوى كما قال عالم اجتماعي : " إن مرحلة المراهقة ومرحلة البلوغ من أخطر المراحل فى حياة الفتيان فان لم يقم المربى بدور التربية والتعليم في هذه المرحلة فالخوف كل الخوف أن يتلقى أولادنا درس الجنس من مدرس آخر لا يرحم هو " ابن الشارع و عابر السبيل خاصة ان الانسان فى سن المراهقة له طاقة تقبلية وتأثرية كبيرة جدا لمثل الافلام الجنسية المستفزة أو الكتب والمجلات الرخيصة ومن هنا تضاف إلى اشتراك البيت والمدرسة في التعليم والتثقيف الجنسى مشاركة الصحافة والاعلام والسينما والطباعة والنشر بالتخلى عن كل ما يمكن له أن يثير فى المراهق الغريزة الجنسية دون أن يكون له درع تربوى يحمي تفكيره وأخلاقه إضافة الى حماية نفسية وجسدية مما قد يحدث من انعكاسات الجهل بالشئ أو خطا الفهم . اذن فمن واجب المربى كما أشار فرويد فى محاضرته عن تفسيرات وتوجيهات وتطبيقات " إلى اعانة الطفل على ضبط غرائزه والتكيف للبيئة الاجتماعية خاصة في السنوات الاولى ذات الاهمية الخاصة لاسباب عديدة أشدها أثرا فى نفسه النمو الجنسي عنده لاول مرة فى حياته نموا يحدد مصير الحياة الجنسية والوظيفة التناسلية عند بلوغه سن الرشد مع كامل الوعى بما يمكن للمربي أن يمنعه وفي أى ظرف وبأية طريقة مع كامل مراعاة تفاوت المتعلمين فى الاستعداد الفطرى وما يمكن أن يهيئه سلوك ما للمرض النفسي . وبذلك نكون قد أنشأنا مربيا معدا لممارسة المهنة التربوية الصحيحة . هذا مع أن الانسان ملزم بمعرفة نفسه بقطع النظر عما نادى به الفيلسوف سقراط اعرف نفسك " ولو على أساس علمي يضمن سلامة الفرد الصحية والنفسية ومن ثم نصل بمعرفة الانسان ما بنفسه الى ادراكه الحق المبين " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم إنه الحق " أما مفتاح هذه المعرفة فكلمته تعالى كما سبق أن ذكر : ( اقرأ) مع إضافة و " وتبين " اليها كانطلاقة من المستوى التعلمي الى العملي برشاد ودراية تعود على الفرد جهازا وعقلا وبالتالى على المجموع بالخير والنفع . فتدريس الجنس كعلم وظائف الاعضاء لا يشعر بالقبح بتاتا ولا بما هو حرام فى الشرع والقانون اللذين يرعيان المصلحة الخاصة والعامة ، تماما كما ندرس وظيفة القلب أو الجهاز الهضمى بتدرج تبعا للسن والمستوى حتى يعلم وظيفة ما خلق فيه ووظيفته هو شخصيا بالرعاية والنظافة والمحافظة خوف الضياع والتلف تماما مثل ما تمنح لعبة للطفل ويعلم الطريقة الصحيحة لاستعمالها حتى لا يفسدها هو نفسه أو غيره . وحتى تعلم الفتاة مثلا أن في سن معينة يظهر فيها تغير علامته كذا فلا تصدم ولا تجرح كذلك حتى يعلم الفتى علامات التغيير فى أعضائه
التناسلية فلا يصاب بالوسوسة نتيجة الخوف أو الانطواء الشديد الذى قد يتسبب هو الآخر في أمراض جنسية حقيقية فتؤدى الى فشل الحياة الزوجية إن لم يكن قد خيف الاقدام عليها وبالتالى الالتجاء الى الدراويش نتيجة ماذا ؟ طبعا نتيجة الجهل أو الفهم المذبذب لوظائف الاعضاء التناسلية هذا إن لم يعمد الفتى اثباتا لرجولته الى مباشرة الاتصال حتى مع الاطفال دون اعتبار لاى جنس ينتمون البه نتيجة الفهم الخاطئ أيضا ومن ثم تأتي مشكلة التخنث بمفهومها الحقيقي . أما قضايا الطلاق فأحيانا ما تكون أيضا لسوء معرفة كل من الزوجين لخصائص أعضائه التناسلية كأن يعتقد الذكر مثلا أن مصدر انجاب البنات هو الأنثى التى هى الزوجة بطبيعة الحال مع أن علم الطب قد اثبت العكس بل إنه أثبت أن مصدر تحديد جنس الجنين يكون فى الأصل للرجل . وكذلك كأن ينسب أحد الزوجين للآخر العقم مع أنهما لو تعلما مظاهره وأسبابه لبادرا بالعلاج وليس برفع قضية تطالب بالطلاق
كل هذه ايجابيات تعلم هذا الذي بالامكان أن يعتبر "علم الحياة" . وهي لا تكاد تتعدى مصلحة الفرد الذاتية بخلاف ما يمكن أن تتجاوزه بالفعل الى ما هو أعمق وأكثر اشكالا كأن يعلم السر في اختصاص المرأة برعاية الصغار وتربيتهم الذى هو يعود أصلا - حسب ما توصل اليه علم التحليل النفسانى - الى علم الوظائف التناسلية بعد أن ثبت اختصاص السلوك المذكر بالفاعلية والنشاط والسلوك الأنثوى بالقابلية والمطاوعة وبالتالى إثبات سر حاجة الأنثى الى العطف أكثر من الذكر كتحليل أدنى
