الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء

Share

المفكرون والثورة الكبرى

قرأت فى احد اعداد مجلة " الفكر " الاخيرة (I) تعليقا للدكتور فريد غازى على ما جاء فى العدد الخاص بالثورة الكبرى الذى اصدرته " الفكر " وكان فى تعليقه بان الدين الاسلامى لم يعد صالحا لوقتنا المعاصر ، الذى بدأ فيه العالم كله يتجه الى المذهب الاشتراكى او اليسارى ، وقال كذلك بأن المذهب البورقيبى الثورى ، ذو روح يسارية .

" وذلك لأنى اعتقد ، كما سنرى ، ان البورقيبية " ثورة " يسارية وان كان يغلب عليها طابع الاصلاح " .

واستند فى ذلك على ما كتبه الرئيس بورقيبة فى - تونس ، فرنسا وبين ما كتبه ماوتسى تونغ فى " آثاره " .

وذكر كذلك :

" ولا يمكن بالمرة ، ان نستمر فى الشعوذة والنفاق الفكرى ، فالاسلام لم يكد يخرج من الجزيرة العربية فى القرن السابع ، حتى استقر فى ارض العراق وايران ، وسوريا ، ومصر ، والمغرب ، والاندلس ، واصبح " ايديولوجية " الطبقة الحاكمة . وسلسلة الثورات التى انارت التاريخ الاسلامى بانوارها الرهيبة - من ثورات الخوارج ، الى ثورة الزنج ، الى ثورة القرامطة ، الى ثورات محلية متعددة لا أرى حاجة لذكرها - كل هذه الاحداث تؤيد لنا ان التراكيب التى اوجدها الاسلام ، والتى كانت قائمة على النظام الاقطاعى وعلى مجتمع اباح الرق - وكانت ثورة الزنج موجهة ضد هذا النظام الاجتماعى والاقتصادى الجائر - لم تكن لتوافق رغبة الانسان فى الكرامة والحياة العادلة .

وتعليقه الاخير هو الذى حدا بى الى الرد عليه .

ان الديانة الاسلامية حين شعت ، لم تحل فى عالم متمدن ، بل حلت فى بيئة منحطة عقليا وماديا ، تئد البنات ، وتعيش فى فقر مدقع ماعدا بعض الاسر الرفيعة ، وتعبد الشجر والحجر ، ولا تقدر قول احد ، الا اذا كان ذا مكانة ومركز .

وكان الرق موجودا لا فى الجزيرة العربية فحسب بل فى العالم أجمع ، وكان نظام الرق سائدا ، لاتمكن ازالته بسهولة ، لانه كان يشكل طبقات هائلة يعتمد عليها فى جميع الاعمال اليدوية ، وعلى هذه الطبقات تتوقف اقتصاديات البلاد وفلاحتها وزراعتها . فلم يكن ميسورا اذن ان يأتى قانون يأمر بعتق رقاب الرقيق فجأة ، فيفقد اصحاب الاعمال والمهن خدمتهم ، وحتى هؤلاء الارقاء ، لا يجدون الوسائل التى تكفل لهم عيشهم ، لأنه لم تكن لديهم أية مسؤولية لاعاشتهم وكسائهم .

فلما جاء الاسلام منع وأد البنات ، وكان هذا ممكنا ، وامر بالرفق بالرقيق والنظر اليه كانسان ذى عقل وشعور وعدم تكليفه بالاعمال المجهدة . فكان المسلمون الاولون يلبسون ارقاءهم مما يلبسون ويطعمونهم مما يأكلون ويجلسون معهم على مائدة واحدة . والانقلاب الاكبر الذى قام به الاسلام والثورة العظمى التى انبثقت منه ، هى فى تحطيم الاصنام التى كان عبادها يركعون امامها ويخشعون ويعدونها بالنذور ، ولا يجسر احدهم ان يتلفظ بكلمة شتم تجاهها . ومن ذلك الانقلاب الهائل ، والثورة الكبرى ولدت شرائه جديدة ، لم يكن لاهل الجزيرة ولا لغيرها عهد بها . فحدد عدد النساء النساء بعد ان كان غير محدود واعلن التساوى بين الطبقات لا فرق بين غنى وفقير ولا بين ابيض ولا اسود . فصعد بلال الحبشى الرقيق المعتوق على المأذنة ليؤذن فى بنى قريش المتعصبين ويدعوهم للصلاة وللتسبيح لاله واحد ، فأصبح امامهم وداعيهم بعد ان كان خادمهم وعاملهم . وانفتح باب الاجتهاد على مصراعيه ،

فلقد نزلت سور القرآن فى ظروف مختلفة ، ثم جمعت بعد ذلك . وبذلك يقول الرسول : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم اصاب فله اجران ، واذا حكم فأجتهد ثم اخطأ فله أجر .

ومعنى الحديث بين ظاهر فى دعوة المرء لاعمال فكره وتشغيل عقله حتى يتضح له الطريق السوى . فان لم يتضح ، فليس عليه ملام . ولكن القعود والركون محرمان عليه .

والاسلام ان لم يأمر بعتق الرقيق لان النظام كان سائدا من ناحية الوجهة الاقتصادية والمعاشية فيما يخص هذه الطبقات التى كانت تباع بيعا فى الاسواق . او يؤتى بها مع اسلاب الغزاة ، فالاسلام اوصى بالرقيق خيرا ، ووعد باثابة من يعتق رقاب الارقاء . وجاء فى بعض احاديث الرسول ما معناه : ان من يعتق رقبة ثوابه الجنة .

ولم يكن للطبقة السفلى حق فى الكلام او فى النقد وحتى فى طلب الحق .

وعن ابى هريرة رضى الله عنه ان رجلا اتى النبى " صلعم " يتقاضاه فأغلظ ،

فهم به اصحابه فقال رسول الله : دعوه ، فان لصاحب الحق مقالا ، ثم قال : اعطوه سنا مثل سنه ( يعنى جملا ) قالوا : يا رسول الله ، لا نجد الا امثل من سنه فقال : اعطوه ، فان خيركم احسنكم قضاء .

فهذه الجملة وحدها التى نطق بها الرسول : دعوه فان لصاحب الحق مقالا ، فى رجل اغلظ له القول ، كافية وحدها للدلالة على ازالة الفروق تماما ما بين الطبقات ، فيكفى ان يكون السائل مظلوما لينال حقه ، وان يكن الظالم متمتعا بأرفع الحظوظ . . .

ولقد فعل الاسلام بالرقيق كما فعل بتعدد الزوجات . " فان لم تعدلوا فواحدة " ، وليس هناك من يستطيع العدل حتى ما بين اثنتين . وحبذ عتق الرقيق ووعد العاتقين بأجزل ثواب يناله وهو جنة عدن التى وعد بها المؤمنون .

فليس فى دين الاسلام كذب ولا خداع ولا سرقة ، ولا تمييز ما بين الطبقات ، فى المعاملة وفى الشريعة والقضاء بل امر بالمساواة التامة وبالصدق والوفاء والصراحة .

اما عن الفتن ، فهذا امر لابد منه ، فى تعاليم سماوية جاءت تنقض التقاليد والعادات وحتى العبادات رأسا على عقب ، اننا فى وقتنا الحاضر ، وبعد قرون وقرون ، ارتفعت فيها المدارس وعم اثناءها التعليم ، لا يمكن للبشر ان يتقيد بالمثل العليا ، وان لا يزيغ عن الطريق . فكيف بتلك العصور التى كان الناس فيها لا يفرقون الكذب من الصدق ، ويعتمدون فى حياتهم على الغزو والخطف ، وقد وصل الامر ببعض الطبقات الموسرة ، ان تصعد للأسرة بعد ان تطأ على رأس أحد العبيد ، زيادة في التنكيل وحب الظهور . . . كيف تقبل ان ترضخ رضوخا تاما ، لشرائع جديدة تحرمها من كل ما تعودته من الملذات والمباهج والفجور . وقال فى ذلك الرسول : من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين ، والله المعطى وانا القاسم ، ولا تزال هذه الامة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتى امر الله وهم ظاهرون . . .

فالفتن لابد ان تشتعل . . ولكن لابد ان يدخل الاصلاح والتهذيب بعض العقول . . وانه لفرق كبير وكبير ما بين الشعوب قبل الاسلام وبعده ، فالتعاليم قد نفذت ، وقد استحكمت فى الافئدة والصدور .

وفى الفتن يذكر النبى ( صلعم ) ويقول : ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشى ، والماشى فيها خير من الساعى . مر تشرف لها تتشرفه . فمن وجد ملجأ او معاذا فليعذ به " .

فلابد ان تثور الطبقات الحاكمة حين تتاح لها الفرصة ، خشية على مراكزها ومجدها العتيد ، ولابد ان تشتعل نار الفتنة ، فكيف تقبل الآية الشريفة : " وفى اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم " وهى التى تعد السائلين والمحرومين

من الطبقة السفل التى لا تستحق الرحمة ولا الشفقة . وكيف تهضم هذا الحديث الشريف : المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان فى حاجة اخيه كان الله فى حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة . وعن ابن عمر عن النبى (صلعم) : انه نهى ان يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر ، ولكن تفسحوا وتوسعوا .

أجل لقد رضخت الطبقات الحاكمة حينا من الدهر ، ثم ثارت لان عقليتها لم نكن لتهضم هذه التعاليم التى تحرمها من كل حقوقها السابقة ، وترفع العبيد لمقام الاسياد . ولم يكن سبب ذلك التعاليم نفسها .

فالاسلام لا يتنافى مطلقا مع التعاليم الاصلاحية التى تهدف لميز البشرية . ولذلك ترك باب الاجتهاد واسعا ، ولم يقم بالانقلاب العظيم الذى قام به ، لينكره فيما بعد متبعوه ، بل ليسعوا لفهمه حق الفهم ويتشبعوا بروحه . . . وكفانا بهذا الحديث الشريف للدلالة على سماحة الاسلام والحض على ترك الاصول الجامدة والسعى للتفكير والاجتهاد :

" من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة فى ان يدع طعامه وشرابه . "

الانسان المعاصر صار يتوق الى الحرية والعدل والمساواة . وتعاليم الدين الاسلامى تدعو الى الحرية والعدل والمساواة ، هذه الاقانيم الثلاثة التى كانت لا ترضى الطبقات الحاكمة التى كانت تميل الى السيادة والظلم والاستبداد .

وتعيش فى انانية مفرقة وتستمتع برؤية مفاصل المساجين وهى تقطع تقطيعا بين اشداق التماسيح والاسود . . .

الاسلام تعاليم حية تساير جميع العصور ، ولم يكن قط اصولا جامدة تؤخذ بحذافيرها ، لانه يستند قبل كل شىء على المنطق والعقل ، ويدعو الى الاجتهاد والتفكير : " اذا حكم الحاكم فاجتهد ثم اصاب فله اجران ، واذا حكم فاجتهد ثم اخطأ فله أجر " .

وعلى أية حال ، فالانسان رغم ما وصل اليه من التقدم العلمى ، لايزال عاجزا عن الوصول للمثل العليا بروحه . وليس فى وسعه الارتفاع اليها الا اذا تجردت نفسه من الانانية ومحبة الذات وسعى لخير غيره كما يسعى لخير نفسه .

وحين يفتح المرء بصيرته لنور الاسلام ، يرى فيه الروح التى تدعوه للتعلق بالمثل العليا ، وتفتح الباب على مصراعيه للحرية والعدل والمساواة والسلام .

ترى المؤمنين فى تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم ، كمثل الجسد اذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى .

فهل مذهب اليساريين يدعو الى الاتحاد والتضامن والمساواة ، اكثر من هذا الحديث الشريف ؟

اشترك في نشرتنا البريدية