الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

ندوة المنهل، تجديد لمجالس العلماء والادباء، فى مطلع هذا القرن

Share

إن اجتماع بعض الادباء فى الشهر الماضى ، واجتماع بعض رجال العلم والفكر فى الشهر الذى يليه ؛ (( بندوة المنهل )) ، لما يبشر بتطور حميد ، ومستقبل زاهر ، وعصر ذهبى ارجو ان يكون له أثره الملموس فى نهوضنا العلمى ؛ والادبى ، كما ارجو ان يكون مستمرا لا يعتوره الملل ، والفتور ، فيحقق بذلك غاية سامية تهدف إلى اعادة ماضينا المجيد ، واستاذيتنا الغابرة ؛ وكم كنت اود عندما اطلعت على نقاش حضرات الادباء ان يتركز نقاشهم ، وبحثهم فى تعريف الادب قديما، وحديثا ؛ ومن هو الاديب الذى يطلق عليه هذا الاسم قديما وحديثا ؛ وهل يكفى ان يكون انتاج الاديب مقصورا على بعض النواحي الادبية ؟ أو شاملا لكثير من العلوم والفنون ؟ وهل يجب على الاديب ان يساير قلمه ذوق العامة ؟ أم الخاصة فقط ؟ وانى أود قبل هذا أن يلتفت ادباءؤنا الى ادبنا الماضى بجملته . وانه لما يؤسف له ان يضيع ذلك التراث ، ولا نعتز به ... إذ الامة التى لا تعتز بماضيها امة مشلولة . واذلنا لماضيا نعتز به ، ونفخر ، وهأنذا أيها الاديب الكريم اعدد لك ما تعيه الذاكرة عن بعض مجالسنا العلمية ، والادبية ؛ فى مطلع القرن الرابع عشر الحالي ، مسجلا بذلك لفتة تاريخية مجيدة نفخر بها .. كان ذلك يوم ان كان المسجد الحرام يزخر بالعلم ، والعلماء وطلابهم ، يدرسون فيه العلوم الدينية ، والادبية ، واللغوية ، والتاريخية ، فوق ما هو زاخر بحفظة القرآن المجيد ، الذين انتثروا فى جنباته ، من باب العمرة الى باب الصفا ، تسمع لهم دويا كدوي النحل ، لانهم يعدون بالالوف ، فى الوقت الذى

يطالعك فيه المسجد بعشرات الحلقات من الدروس وطلابها الذين يغدون كذلك بالالوف يزخر بهم المسجد ، ويعج فى جميع الاوقات ، وهكذا كان اغلب من فى مكة من أهلها والوافدين عليها يطلبون العلم . ولو كانت الدراسة فى ذلك الوقت تسير على مناهج قويمة ؛ وطرق فنية لكان فى ذلك خير كثير ، ولكان الانتاج اقوى ، والثروة العلمية اعظم ، ولكن طرقها العقيمة جعلت النجاح فيها محدودا والثروة العلمية ضئيلة ، بالنسبة لكثرة الطلاب . وكانت ليالى الجمع والثلاثاء وأيامهما تعطل الدروس فيها ، فيفرغ العلماء ، وطلابهم ، إلى اقتناص السمر وعقد المجالس والاندية العلمية ، والأدبية ، فى دورهم  وكان من ابرز تلك الاندية ، واحفلها بالسمر العلمى ، والادبى ، دار السيد عبد الله دحلان رحمه الله ، ودارنا ، حيث كنا نجتمع فيها ونتطارح البحوث العلمية ، والنقل الادبية .. ومما اذكره ان السيد صالح المساوى قال لى مرة : انه دار بينه وبين السيد الوشكلى نقاش حول فهم معنى بيت للمتنبى ، لم يوفق الى شرحه .. وكان ان أنبه من اجل ذلك السيد الوشكلى فحفزه الى حفظ اغلب ديوان المتنبى وكثير من اشعار العرب . ومن اظهر رجالات تلك الاندية الشيخ طاهر الصباغ ، فقد كان رحمه الله فصيحا ، ذرب اللسان مع قوة فى البيان ، وحسن الاداء ، وكان يحفظ مقامات الحريرى . حيث كانت هى المثل الأعلى فى ذلك الوقت لشحذ الذاكرة ، وتقوية الاسلوب ، كما كان يحفظ كثيرا من اشعار العرب . وله مكتبة قيمة . وكذلك كان السيد حسن دحلان رحمه الله ، شاعرا ، واديبا ، وله ديوان شعر غير مطبوع . . وكذلك الشيخ عبد الحميد قدس رحمه الله ، له تصانيف كثيرة ، وقد الف مرة بديعية عرضها علينا فى بعض اسمارنا ، فاتهمه احدنا بسرقتها ، فغضب ومزقها امامنا ، وصنف أخرى اقوى واحسن، من الاولى ، توجد الآن مطبوعة .. ومنهم الشيخ عامر اليماني ، وقد كان شاعرا مكثرا .. والشيخ العنانى كان شاعرا أميا ، له شعر حسن ، كان يطرفنا به فى اسمارنا .. وكذلك كان اخى السيد حسن شطا عالما ، وله شغف بالادب ، والشعر ، وكان الذى يقوم لنا بامور الشاي ، الشيخ محمد نور العقيلي ، وكان يطلب العلم من صغره ، وكان ذوق خاص فى صنعه

واتقانه فنجتمع حول أوانيه المعدنية ، الجميلة ، فنقضى السمر ؛ تنتقل بالبحوث الطريفة ، والطرائف الشعرية ، وكنا لانقتصر على اقامة مجالسنا ، وانديتنا فى دورنا فكنا نذهب كثيرا الى ضواحى مكة نحيى تلك المجالس فيها بالعلم ، والأدب ، وهذا دأبنا : سمر، وعلم ، وادب ، الى أن حل علينا الدستور العثمانى فتفرق شمل تلك المجالس الى الاعتكاف على قراءة الجرائد ، والمجلات ، فالتفتنا الى السياسة - نعوذ بالله من السياسة ومشتقاتها - حيث شغلتنا عن مجالسنا رغم تضييق الحكومة فى ذلك الوقت . ومن مجالس العلم ، والادب فى ذلك الحين مجلس عالم المدينة الشيخ عبد الجليل برادة ، وقد كان ضليعا فى اللغة العربية ، والفارسية وآدابهما . وكذلك مجلس الشيخ صالح كمال مجلس علم ، وادب ، يحضره كثير من العلماء والأدباء ، ومجلس الوالد السيد ابى بكر شطا حيث كان يحضره كثير من العلماء ، فهو استاذ اكثرهم بالمسجد الحرام . وكذلك مجلس العلامة السيد حسن الحبشى ، ومجلس الشيخ محمد سعيد بابصيل ، الا ان الاخير كان يغلب على مجلسه الفقه . وكذلك كان مجلس اخى السيد احمد شطا بعد وفاة والده مجلس علم وأدب وكان رحمه الله يتذوق الادب وله شعر لطيف ؛ ومجلس الشيخ محمد حسين الخياط مجلس علم ورياضيات ، حيث كان ذكيا يمتاز بالفحولة العلمية ؛ ولو وجد رحمه الله مجالا واسعا لشارك الامام محمد عبده فى مجده العلمى ؛ وذيوع شهرته ؛ وكذلك مجلس الشيخ شعيب ، كان مجلس علم وادب ولغة ، ويمتاز بحفظه للحديث وروايته وكذلك مجلس الشيخ عابد مفتى المالكية مجلس علم ، وأدب ، وفكاهة . وكذلك مجلس الشيخ احمد الخطيب والد الشيخ عبد الحميد الخطيب .. ومجلس الشيخ صالح بافضل ؛ والشيخ حسب الله الذى كان يبارى السيد احمد دحلان فى علمه وسعة اطلاعه . وكذلك مجلس السيد علوي السقاف شيخ السادة ، والسيد عبد الله الزواوى مفتى الشافعية وينسب اليهما معا ، تأليف كتاب (( ضجيج الكون )) او لاحدهما - وكذلك مجلس الشيخ احمد أبو الخيور ، والشيخ على المالكى ، والسيد عباس المالكى ، وكثير غيرهم ممن ملأوا مكة بنور العلم ؛ والادب ؛ وعمروها بفضلهم ، وهدايتهم .

اشترك في نشرتنا البريدية