الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

ندوة المنهل، هل استفدنا من الادب؟!!

Share
[ اجتمعت (( الندوة )) للمرة الثانية فى (( دار المنهل )) . وكانت فى هذه المرة مؤلفة من الاساتذة : محمد عمر عرب ، محمد عمر توفيق ، حسين عرب محمد حسين زيدان ، السيد أمين مدنى ، عبد الله عريف . وتولى (( المحرر )) مهمة تدوين الحوار : وكان الموضوع الذى طرح على بساط البحث موضوعا ادبيا من طرف ، وحيويا يتناول صميم حياتنا من طرف آخر . إنه يتناول دراسة أثر الادب الحديث ، أو ادبنا الحديث على التعبير الادق- فى توجيه حياتنا الحاضرة .. هل أثر؟ أو ما أثر؟ . وما ذا أثر ان كان له اثر ؟ ولماذا لم يؤثر ان لم يكن له تأثير؟ .. وقد بدأ الحديث الاستاذ محمد عمر توفيق فقال :

- أرى اننا لم نستفد من الادب الحديث شيئا اذا نظرنا للفائدة من ناحيتها الاجتماعية العامة . واما إذا نظرنا لمعنى الفائدة من الناحية الخاصة .. الناحية الفردية فيمكن ان نقول: إننا استفدنا من الادب فقد وجد فى البلاد ادباء ووجد طلاب للادب. هؤلاء الادباء تكونوا واستفادوا من مزاولتهم للادب وأصبحوا يستطيعون الكتابة والنقد والمناقشة . ولكن حينما نسائلهم : ماذا استفادت البلاد من أدبهم فانها لا يأتون فى اجابتهم بفائدة واضحة .

السيد أمين مدنى : ماذا تعنى بالفائدة ؟ فائدة الادب للادب ؟ أم فائدة الأدب للحياة ؟

محمد عمر توفيق : اقصد ان البلاد لم تستفد من الادب الحديث فائدة مذكورة فى حياتها الاجتماعية وفى توجيهها وفى سائر مرافقها . وغاية ما يمكننا ان نقول استفادته البلاد من أدبنا الحديث انه وجد فيها شئ اسمه كتاب وشئ اسمه قراء

عبد الله عريف : انا اعتقد ان الاخ محمد عمر توفيق متأثر فى هذا الرأى بمزاجه التشاؤمى محمد عمر عرب : هل هو شوبنهاور جديد أو ماذا ؟

عبد الله عريف : الواقع أن البلاد استفادت من الحركة الادبية الحديثة واكاد اجزم بانها لم تستفد من أى شئ كاستفادتها من هذه الحركة الأدبية . والأدب - معناه - تصوير لفكرة أو تعبير عن احساس ، والعمل لابد ان تسبقه فكرة . فالادب الحديث عندنا كان واسطة نقل الافكار الى البلاد وإشاعتها بين الجمهور .

حسين عرب : هل تقصد اشاعة الافكار الخاصة إلى الجمهور ؟ عبد الله عريف : نعم ذلك ما اقصد ، والأدب هو الحافز لها على البروز ؛ ولست انكر أن الانتاج أضعف مما كان منتظرا .

محمد عمر عرب : وهل تعنى بالانتاج الانتاج العام ؟ الاستاذ عبد الله عريف : أجل ! أقصد الانتاج فى الحقل الاجتماعى العام . وسبب ذلك الضعف فى الانتاج هو قلة المتعلمين وقلة القراء .

السيد أمين مدنى : اما قول الاستاذ محمد عمر توفيق : أن الاديب عندنا لم يستفد فينطبق على بعض الادباء ، ونجد - فى نفس الوقت- ادباء آخرين استفادوا وأفادوا . واذا كانت الاسباب التى ادلى بها الاخ العريف فاننا نجد انفسنا احسن حالا من ذى قبل ، ذلك اننا ذا قسنا حالتنا الادبية وحالة القراء عندنا نجد الفرق شاسعا

وهنا انتقل البحث الى ارتباط تأثير الادب فى الحياة بالتعليم قوة وضعفا ..  عبد الله عريف : هل يمكن ان يزيد التعليم فى الانتاج الادبى - اذا زاد التعليم - بأحسن من ذى قبل ؟

السيد أمين المدنى : نعم يمكن ! ولكننى مع ذلك لا اعتقد أن التعلم سبب ضعف التأثير الادبى فى الحياة ، وانما السبب فيما ينشر نفسه ، ويجب ان يكون انواعا منوعة .

عبد الله عريف : هذا ينقلنا الى موضوع آخر وهو محدودية الاختصاص .

********* وعاد (( الحوار )) الى موضوع الادب واثره المباشر فى الحياة .. محمد عمر توفيق : المسألة الآن هى : هل الادب افاد اجتماعيا ام لا ؟

السيد أمين مدنى : نعم قد افاد اجتماعيا !    محمد عمر توفيق : واذن فانى احب تحديد الفائدة ..    محمد عمر عرب : يقصد السيد أمين - وانا كذلك - ان الادب لم يفد من كل ناحية عامة ، وانما افاد بعض المتأدبين افادة خاصة، وهو فى نفس الوقت افاد فائدة معنوية عامة ، لانه قارب بين الطبقات،وفى نفس الوقت اشاع شيئا من التفكير فى شؤون الحياة واوضاع المجتمع ، فقراءة ما ينشر فى الصحف سواء كانت محلية أو خارجية وسعت آفاق التفكير فى الادب الحجازى، ففى الوقت الحاضر يباح لك أن تقرأ بدون رقابة، بعكس ما كانت عليه الحال فى عهد مضى

محمد عمر توفيق : فلو فرضنا أن كل الطبقة الموجودة أمية فما فائدة الصحافة ؟    محمد عمر عرب : لقد وجد الأدب فى الحجاز قبل أن يوجد التعليم الحالى    محمد عمر توفيق : وإذن فقد كان الصدى للتعليم لا للأدب : وإذن الادب لم يفد شيئا

عبد الله عريف : انا اقول : الصدى للأدب لانه قوام توجيه النواحى الاجتماعية والسياسية فكان كالقنبلة تحدث فى المجتمع .

السيد امين مدنى : وانا كذلك اضم صوتى إلى صوت الاخ عريف    محمد عمر عرب : كان الادب فى هذه البلاد يتنفس فى جو ضيق جدا ، وكانت هناك رغبة حافزة لدى اغلب المتعلمين إلى نشر الأدب وتوجيه الحياة إلى الوجهة الصالحة . ولا تزال هذه الرغبة تزداد بازدياد اتساع الافق الادبى؛ وبذلك يمكننا أن نقول : ان الادب افاد المجتمع من ناحية غير عامة

حسين عرب : الذى اعتقده هو انه يجب تحديد الفائدة المنتظرة . وانا لا اظن اننا نطلب من الادب الفائدة المحسوسة التى نتوخاها من الطب أو الهندسة مثلا ، فالادب فمن فوائده معنوية ؛ تتصل بالاذهان والعواطف .اما الطب والهندسة والعلوم ففوائدها حسية تتصل باسباب الحياة الظاهرة .نحن لا يمكن لنا ان نطلب من الادب أن يرصف الشوارع ، أو يخطط الميادين ، فهذه امور من اختصاص الهندسة ، ولا نطلب منه أن ينشئ معامل الاسلحة ، فهذا من شأن العلم والميكانيك. تقول

يا حضرة الاخ محمد عمر توفيق : لم اجد للأدب ثمرة ملموسة . ومتى كان الأدب عقاقير يجري تحضيرها فى انابيب واقراص ، يحقن بها المريض أو يبتلعها، ليصبح اديبا أو حساسا ، كما يحقن المريض بالكالسيوم والفتيامينات ؟؟ فيصبح معافى سليما ؟! الادب فن والفنون كالبذور التى لا تثمر الا فى تربة خاصة ، فالأديب يستطيع أن يؤثر فى اصحاب المواهب والطباع الفنية والادبية ،ولا يسرى تاثيره فى غير اصحاب الطبع والمواهب من الناس

السيد أمين مدنى : لا شك ان بعض الموضوعات التى يطرقها الأدباء عندنا الآن توقظ الروح وتخفزه الى العمل والى التفكير فى العمل .

عبد الله عريف : يرى الاخ حسين عرب التفريق بين نتائج العلوم ونتائج الادب . فاذا قلنا أن للادب نتائج معنوية فلا بد له من نتائج مظهرية .

محمد عمر عرب : الادب لا يخرج عن كونه احد الحوافز الى التفكير والى العمل    محمد عمر توفيق : وأخيرآ هل أثر الادب فى المحيط العام ؟

عبد الله عريف : نعم أثر ! وأثره كان فى كثرة القراء .    محمد عمر توفيق  : كثرة القراء مدينة للتعليم لا للأدب .

محمد حسين زيدان : الأدب كمؤثر لا بد له من متأثر . ولا يتأثر إلا المتعلم التأثر الأهم ، وقد يتأثر غير المتعلم بالأدب . بدليل ان الجاهليين وهم غير متعلمين قد تأثروا بالادب . فاذا كانت الفائدة المتوخاة من الأدب أن يجعل من كل قارئ راوية فهذا لا يمكن . وأما اذا كانت الفائدة المقصودة ان يوجد الادب روحا فى الشعب للتحفز إلى العمل فقد اوجد فينا هذه الروح ، ولقد أوجد فينا وحدة اللهجة . فالحارات كانت تختلف لهجتها فضلا عن المدن: مكة والمدينة مثلا. والآن بفضل احاديثنا فى الادب وكتاباتنا اتحدت اللهجات .

محمد عمر توفيق : أنا اقول ان هذا ليس أثر أدبنا . وانما هو الادب العالمى فى اذاعاته وصحفه .. أما أدبنا فليس له أثر يذكر

محمد حسين زيدان : ولكن نحن الذين نقلنا هذه الآثار إلى قرائنا .فكان لنا فضل التأثير المباشر عليهم .

محمد عمر عرب : تعنى اننا فى هذه الحالة - اشبه بموصل كهربائى .    محمد حسين زيدان : ( مسترسلا ): ان ضعف تأثير ادبنا جاء من قلة اقبال الناس على الادب . فلو اقبلت الكثرة الكاثرة على هذا الأدب لكان تأثيره قويا بالغا    عبد الله عريف : والارقام التى عندى تعدل على زيادة اقبال الناس على الادب من ناشئة وغيرهم بدليل ان الجريدة بدأت بالف وخمسمائة والآن ستة آلاف .

محمد حسين زيدان : يمكن أن تكون هذه الزيادة من القراء .. غاية الشاب منا - والفكرة من الاستاذ قنديل - أن يكون اديبا . ولكن تنوعت الغايات الآن ، واصبح كل شخص يسير وما تحدده ميوله الطبعية .

محمد عمر توفيق : اقول : لو الغيت الصحف الموجودة مثلا ، ولم يبق احد يسمى اديبا فماذا يترتب على هذا ؟ لاشئ ! ...

محمد حسين زيدان : الغاء كل هذا لا يمكن . بدليل ان الهتلرية غيرت الادب الالمانى فجاء ادب آخر . والأدب كميل ذوقى ؛ وكضرورة حيوية لا يمكن الغاؤه والأدب متأثر بالحياة ومؤثر فيها

عبد الله عريف : وأقول شيئا آخر . إن العقل الأدبى له أثر فى التنظيم الحكومى .. ففى المشاريع العامة كان للعقل الأدبى تأثيره

محمد عمر توفيق : انا لازلت على رأيى من ان الادب ليس له أثر الا فينا نحن الادباء    محمد عمر عرب : ومن رأيى اننا تنقصنا وسائل النشر .. اما اننا انتجنا شيئا فذلك مالاشك فيه . ان رجل الشارع يقرأ ما نكتب ،ويعى ما نقول

محمد حسين زيدان : رجل الشارع مدين لادبنا وصحافتنا وانديتنا .    عبد الله عريف : ولقد تحسنت لغته فاصبح يقول : عفوا ، شكرا . الخ    محمد عمر توفيق : إذا كان هذا هو أثر ادبنا فهو انتاج تافه

السيد امين مدنى : قال الاستاذ محمد عمر توفيق : ان الاذاعة والادب الخارجى أثرا على مجتمعنا اكثر مما اثر ادبنا ، هذه نقطة اما أن نقرها وتعالج ، أو نردها ونقنعه بتاثير ادبنا فى مجتمعنا

عبدالله عريف : الادب الخارجى لا يؤثر فى الرأى العام الا من طريقنا نحن الادباء .

حسين عرب : ارى ان الخاصة استفادت من الأدب الخارجى فى الادب الخاص ؛ والعامة استفادت من الادب العام كاذاعات الراديو

محمد حسين زيدان : كانت مصر تكتب قبل ٥٠ سنة بلغة الجبرتى ولغة العطار، لغة سقيمة ، ولكن بعد خروج لفيف من العلماء المهذبين عدلت اللهجة الادبية . ونحن اقتبسنا من هذا الادب (( المعدل )) ومزجناه بغيره من الأدب الاوربى فكان لنا كيان ادبى

محمد عمر توفيق : انا معك فى اننا قد صار لنا كيان ادبى    محمد عمر عرب : وصارت لنا فائدة جماعية بالنسبة لك ولغيرك من الادباء .    محمد عمر توفيق : ولكن اذا الفت كتابا ادبيا ونشرته فهل تجد مناقشا لك؟

ان الادب عند الناس شيء تافه لا قيمة له . بعكس الحالة فى مصر مثلا . اذا الف فيها الدكتور طه حسين أو العقاد مثلا كتابا عن له مناقشون ومناظرون ومقدرون .

محمد عمر ب عرب  سبب هذا شيئان : قلة التعليم وقلة الانفس .. فى مصر تعليم واسع الآفاق وانفس كثيرة تقرأ

وانتقل الحديث - الى موضوع أثر الادب اذا كان للادب ؛ واثر الادب اذا كان للحياة - فى المجتمع . فقال السيد أمين مدنى: ان الاستاذ اسماعيل مظهر نقد الدكتور طه حسين فى موضوع كان يجول فيه فقال الاستاذ مظهر : نرى الادباء ينحدرون اليوم فى موضوعات ليست من الادب فى شيء . فرد عليه الدكتور طه بقوله : ان الأدب الآن اصبح عاما ، يشترك فى كل مشاكل الحياة . انه تطور.. فكان الأدب الصحفى الحديث كادب التابعى مثلا وادب غيره مما ينشر فى صحف مصر وغير صحف مصر فيستقبله القراء بلهفة وشوق

محمد عمر توفيق : وهل للاستاذ العقاد قراء مثل التابعى فيما ينشران ؟ محمد حسين زيدان : لا ! محمد عمر توفيق : وماذا يستفيد القارئ العادى من كتب العقاد ؟ محمد عمر عرب : (موجها حديثه للاستاذ محمد عمر توفيق) اقول : ان المتعلم البسيط يستسيغ كتابة المازنى لا لضعفه ، ولكن لأنه يقرب الى مدارك هذا المتعلم

البسيط ما يبحث فيه . انه يوصل فكرته الى القارئ مبسطة أحسن من غيره ؛ اما الاستاذ العقاد فله مقالات تقرؤها انت كما يقرؤها سواك ولكنها بحاجة الى دراسة . لانها تمتاز بالعمق وبعد الغور

حسين عرب : لقد تشعب الموضوع محمد حسين زيدان : نحن نجمع على ان الادب قد افاد البلاد واتى بنتائج ملموسة عبد الله عريف : فقد أوجد فيها حالة اجتماعية محمد عمر توفيق : هذا رأى الجماعة : اما أنا فلا أزال انكر أي أثر للأدب

غير انى اقول : أن له أثرا فرديا فى الادباء انفسهم ، وفى الطبقة المتعلمة التى يعن لها ان تقرأ بعض الادباء .

محمد حسين زيدان:وهذا هو التأثير وهذه هى الفائدة محمد عمر عرب : إذا كنت تقصد ان الاديب ينتج شيئا حسيا فهذه فكرة لم نصلها بعد ؛ وان كنت تقصد ان الاديب يأتي بفكرة ويدعو اليها فهذا حاصل ومحقق عبد الله عريف : أنا اقترح قفل الجلسة وان نحتكم الى القراء فى هذه المسألة

تعقيب المحرر :    ... وهكذا تشعب الرأى فى هذه الحوار الى ثلاثة أوجه : رأى يقول:بان ادبنا الحديث لم يكن له تأثير فى حياتنا لامعنوى ولا اجتماعى ، ورأى يقول : إنه أثر معنويا فى حياتنا وينتظر ان يؤثر اجتماعيا اذا توافرت له الاسباب . ورأى يقول : إنه لا ينتظر من الادب ان يؤثر حسيا ؛ وانما له أثره المعنوى الملموس . وبقى بعد هذا ان نأخذ آراء القراء عما إذا كانوا قد تأثروا بالفعل بادبنا الحديث ؛ وبماذا تأثروا من الوانه ؟!

اشترك في نشرتنا البريدية