الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "المنهل"

ندوة المنهل، "هل تقدمت حياتنا الفكرية أم لا ؟ "

Share

(لقد عادت "ندوة المنهل" الى الاجتماع . . وكان المنتدون في هذه المرة هم الاساتيذ السيد محمد حسن فقي ، محمد حسين زيدان ، احمد عبد الغفور عطار باشتراك صاحب المنهل معهم . . وكان موضوع البحث هو العنوان المتقدم . .)

محمد حسن فقى -من رأيي أن حياتنا الفكرية قد تقدمت عندنا كثيرا عما كانت قبل ، وان كان هذا التقدم ببطء ، لأن قولنا بعدم تقدمها حكم بالموت على المجموع ، وهذا بعيد .

مجد حسين زبدان - هي بلا شك ، تقدمت ، كفكر يؤمل ويجتهد ، انما كفكر يصمم ويعمل ، فان الفكر لم يتحرك في هذا .

محمد حسن فقي - واذن اتفقنا على أنها تقدمت

محمد حسين زيدان - أنا اقصد بالفكر المصمم والعامل عدم توافق الافكار على ناحية معينة من العمل . . فكأنما التفكير فى الشاب او الكهل قد نضج فى ناحية ما يريد ، لا في ناحية ما يعمل . . أي إنه ليس لفكرنا هدف معين .

محمد حسن فقي - أنا أقول : اننا فى افكارنا دائما ذوو جهود فردية . وكما ان قطرات السيل المتجمعة لا تؤثر إذا انفردت . فكذلك يحتاج الى اجتماع ليكون تقدمنا الفكرى صحيحا وكاملا

محمد حسين زيدان - أظن أن عدم اشتراك الاستاذ العطار معنا فى التعليق حتى الآن دليل على عدم نضج الفكر .

محمد حسن فقي - أنا اعلل ذلك بتعليل آخر . توجد كثير من الأفكار بطيئة فى المبدأ ، ولكن إذا استحكمت عندها الفكرة نفيض ، بعكس البعض الذي يفيض من أول وهلة ، فان فيضه بعد ذلك سيكون ضعيفا

أحمد عطار -وددت لو أن الاستاذ الأنصارى لم يحضرني في هذه الندوة ، مع زميلين يجيدان الحديث فى كل مجال ، ولا أدرى ماذا أقول أمام الاستاذ الزيدان الذي يستطيع أن يتحدث اليوم كله بلا انقطاع ، أو أمام السيد حسن فقي

الذي يعد حديثا ممتازا او مثقفا جيدا .

محمد حسن فقي - وعندي تعليق اخر على هذا ، فانه يوجد لدى بعض كبار الكتاب الفهاهة وهذا لا يقلل من انتاجهم الفكرى .

عبد القدوس الأنصارى - واذن فما رأيك يا استاذ أحمد فى حركتنا الفكرية ؟ أتقدمت ؟ أم تأخرت ؟ أم لا تزال واقفة فى مكانها الأول ؟ نريد منك رأيك فى هذا الصدد..

أحمد عطار - أنا أقول : إن حركتنا الفكرية بالنسبة للأفراد موجودة ومتقدمة اما بالنسبة الى مجتمعنا فان التقدم بطئ ، وسبب ذلك ان أصحاب الفكر ليست لديهم القوة التى يستطيعون بها التأثير على الجماعة . . ذلك التأثير الذي ينتج الحركة والتغيير ، وما اشك ان لدينا اصحاب افكار ناضجة يعدون في طليعة الواثبين ، إلا أن أثرهم ضئيل .

عبد القدوس الأنصارى -إذن اتضح أن البفكر اتفقت على تقدم الأفراد دون الجماعات ؟

محمد حسين زيدان - أنا اعتقد أن كل فرد يفكر برأسه نتيجة لعواطفه أو حاجته ولا تتضامن معه الجماعة على انتاج ما يطلبه هذا الفكر . . وهذا معناه قصور في تفكير الجماعة . . وهذا ترد لحياة الفكر ، لأنه لم يأت بنتيجة .

أحمد عطار لا يعتبر ما ذكر الاستاذ "عملية" فكرية من النوع الممتاز انما هو ضرورة من الضرورات ، يضطر اليها الوضع الاجتماعى المدفوع الى تلك الضرورة دفعا . . اما إذا انظرنا إلى الفكر بمعناه الصحيح،  و"عرفنا" أنه قابل لان يستجيب المؤثرات الخارجية أو أنه خاضع لهذه الاستجابة ، وراينا نتائجه الصحيحة ففي وسعنا أن نقول : إنه حي فى حقيقته وموجود وقوى يستطيع ان يتحرك ويحدث اثره فى الحياة وينتج الانتاج الذي يحسب له من مزاياه لا ذلك الانتاج التافه الذي توجده الضرورة

محمد حسن فقي - أنا أرى أن الاختلاف البادى فى التفكير بحيث يظهره كتفكير متنافر يعود الى ضعف التعليم وقلته فى البلاد.. فمن شأن التعليم أن

يوحد الافكار ويوجهها الى أهداف متقاربة ، لأن بين المتعلم صلة فكرية ليست بين المتعلم ونصف المتعلم ، أو وبين المتعلم والأمي . وعلي كل فلينا ان نتفاءل بان هناك أفكارا ، وان تكن فردية ، وتفكير الجماعة فى حقيقة امره ليس إلا مجموعة تفكير الافراد

محمد حسين زيدان - هو كما قال السيد حسين لان نضج الفكر ليس في تفكير المرء وحده . . فالحياة فى أرقي مدارجها ، وفي جميع ما تبنيه من وسائل لم تكن ناتجة عن أفكار كثيرين . . انما عن فكر بجل استطاع آل يوحي برأيه أو فكره لمن يقبله . فنضج الفكر فى قبول الفكرة الطيبة ، وفي العمل على إبراز نتائجها الى حيز الوجود ، لا في أن يفكر فيها كل إنسان . إذ تفكير عدة أناس قد يكون بلبلة للفكر أما انتاجهم لفكرة واحدة فهو عمل بما يبديه الفكر

محمد حسن فقي - يشير الاستاذ زيدان الى موضوع التلاقح الفكرى ، فهذا التلاقح يؤدى رسالته على أتمها فى الاوساط المتعلمة . . لأن المتعلم أرحب آفاقا من الجاهل.. ثم ان المتعلم ذو ثقافة متعدية ، ليست " لازمة " كما يقول النحاة فى نحوهم

محمد حسين زيدان - او ذات عدوى ، كما يقول الاطباء فى طبهم...

محمد حسن فقي - مستمرا . فكما ان المثقف يستفيد من ثقافته فكذلك انه يفيدها ولذلك قلت اولا : ان الفكر العام يتألف من الأفكار الفردية ، وان لنا آن نتفاعل، ما دامت عندنا أفكار نيرة ، وان كانت معدودة فهى بسبيلها الى تكوين تفكير جماعي عام .

أحمد عطار -أري اننا خلطنا بين الفكر ونتاج الفكر ، فيما بيننا من أحكام ، وما استنبطنا من آراء .

محمد حسين زيدان - وهل الفكر إلا عمل الفكر ؟ .

أحمد عطار -أنا أقول : كلا ؛ إن الماء ليس الشجرة ؛ وان كانت حياتها منه .

محمد حسين زيدان - ولكن الشجرة جمل الماء !

محمد حسن فقى -ولكن الشجرة ام البذرة وينبها.

أحمد عطار -الشجرة ليست عمل الماء وحده ، ولكنها نتيجة أشياء كثيرة

محمد حسن فقي - أرى ان شقة الخلاف تقاربت بين الاخوين ، فان الشجرة مجموعة من بذرة وماء وتربة وجوا .

محمد حسين زيدان - آنا لم أقل إن الشجرة هي الماء وحده . . ولكن الشجرة من عمل الماء . . ومن عمل التربة ، إذا أردتما أن يكون احدهما هو الفكر .

محمد حسن فقي - نخلص من هذا كله الى نتيجة هي : ان الفكر عندنا تقدم بلا شك ، وان كان تقدما جزئيا محدودا ، - وانه على اقواه - تفكير فردى سيتطور فيما بعد - إذا وجد الجو المناسب - الى فكر جماعي بلا شك

عبد القدوس الأنصارى اليست هذه الكتب ، وهذه الصحف ، وهذه المقالات ؛ وهذه القصائد - مظهرا من مظاهر تطور الفكر القرذي وتطور الفكر الجماعي أيضا فان الافكاز الفردية انتجت كل لهذا وقبلته الأفكار الجماعية وبدأت فى هضمه ؟

محمد حسين زيدان - ان هذا تطور فرد وليس تطور جماعة .

أحمد عطار - وأنا أرى مع الاستاذ الانصارى ان هذه الكتب والصحف من النشاط الفردى ، وان اثره واضح فى تطور الجماعة . . اننا ننتج افرادا ، أو أنا انتج وأنا فرد لتقرأ الجماعة فتعيش ولو للحظات معى ، وكذلك أنت وهو وغيرنا ، ثم ان النشاط الفكرى ذو لونين : احدهما قابل لان تشترك فيه الجماعة - وأقصد بالجماعة هنا الجماعة التى تعيش فى البيئات الفكرية ، وهذا النشاط هو المبذول فى مجال العلم . . وثانيهما غير قابل إلا للتشاط الفردى وهو المبذول فى مجال الآداب والفنون . . فتطورنا إذن تطور فردى وجماعي .

. . . وهكذا انتهت هذه الندوة الى اتفاق فى آراء الجميع على أن حياتنا الفكرية قد تقدمت بعض الشئ . . تقدما يرى بعضهم انه فردى محض ، ويراه الاخرون فرديا فى ناحية ، وجماعيا فى ناحية أخرى . ..

اشترك في نشرتنا البريدية