(( هذا هو الموضوع الذى بحث فيه الندوة لهذه المرة ، وكانت مؤلفة من الاساتذة : مجد حابس ، احمد السباعى ، خليفة شعبان ، عبد القدوس الانصارى . ))
أحمد السباعى - أرى لضمان نشر التعليم بأوسع ما يمكن من الانتشار فى الحاضرة والبادية ان تؤلف هيئات شعبية تكون تحت اشراف ادارة المعارف العامة وتدعم هذه الهيئات بالمال ، وتتجه الى نشر التعليم فى الحضر والبدو ، فى ارادة قوية وعزم حديدى لا يتزعزع .
عبد القدوس الانصارى - ألا يمكن ان تقوم المعارف بهذا المجهود إذا وسعت صلاحيتها وتشكيلاتها ? فان المعارف يدير دفتها اليوم رجل ملئ حزما وعلما وحسن توجيه ?
احمد السباعى - انا لا اخالف فى هذا ؛ وانما أرى ان تشكل شعبة تابعة للمعارف لها صبغتها الشعبية ، وتكون لها القوة والنفوذ الكافيان ، لتدعو الى نشر التعليم الأولي فى الحاضرة والبادية .. المهم ان تكون هذه الهيئة فرعا من المعارف مختصا بهذه المهمة وحدها .
محمد حابس - كأن الاستاذ يقصد أن تؤلف شعبة اهلية خاصة لهذا اللون من التعليم العام ويكون للمعارف حق الاشراف عليها وعلى حسن توجيهها .
احمد السباعى - نعم هذا ما اقصده تماما .. اننا شعب مبتدئ فى سلم النهوض فلا بأس من أن يدعمنا نفوذ قوى وهو نفوذ الحكومة . محمد حابس - ليهيمن على ادارة هذ التعليم ! ..
احمد السباعى - لا بل لينظمها ، وليرتب مساعدات مادية على الشعب لتدعيم هذا المشروع .. إن وعينا الآن فاتر ، فاذا عولنا على الهيئات الشعبية وحدها فنكون بحاجة الى مدة طويلة
خليفة شعبان - من اسرع الوسائل لتدعيم هذا المشروع تعميم الدعوة اليه بين افراد الشعب ، وهذه هى مهمة الصحافة ، لأنه اذا وجد هدف ومتجهون اليه باخلاص ، ودعاة اليه باهتمام فلابد ان تأتى الثمرة المطلوبة ، وقد يبدأ الفرد ، أو تبدأ الجماعة بعمل فى حيز ضيق . وسرعان ما يتسع المشروع كما هو مشاهد فى كل زمان ومكان .
عبد القدوس الانصارى - لقد وضعت قبلا نواة لهذا المشروع تتمثل فى مشروع المدارس الليلية ، أفلا يحتاج الى تدعيم وتنظيم وتوسعة وانعاش ? إننى ارى فى توسعة هذا المشروع ما فيه بعض الغنية من جهة الحاضرة ، وهذه مدرسة النجاح الليلية التى يديرها الاستاذ عبد الله خوجة قائمة بمهمتها ، وقد تخرج منها بعض من كانوا دخلوها كبارا ، فاصبحوا موظفين ، اما البادية فالراى لكم فيما ينظمهم فى سلك التعليم العام . وهو اصعب الشقين لما هو ملاحظ من حالتهم الاجتماعية وتشتت منازلهم ، وتفرقهم الدائم وعدم استقرارهم .
محمد حابس - حقا ان من الصعب تعميم التعليم فى البادية لأنهم رحل ، لا يستقرون فى مكان ، ولا اقصد بالبادية أهل القرى والمزارع ، بل اقصد أهل بيوت الشعر .
خليفة شعبان - اذا حصل التفكير فى تعميم التعليم ، فيجب ان يكون مرنا يتمشى مع الحاضر فى حاضرته والبدوي فى باديته ، والقروي فى قريته . وعلى من يقوم بذلك مع البادية خاصة ان يتحمل المشاق معهم ، ويشاركهم فى معيشتهم ومجتمعهم حتى ينجح فى مهمته .
محمد حابس - ان البادية كل عشرة منهم فى جهة ، فكيف نوجد لكل معلما خاصا به ? لا شك ان الحال يتطلب انتقال المعلم الى مرابعهم المتنقلة .
احمد السباعى - ان هذا مايجب ان تعنى بتنظيمه الهيئة الشعبية المختصة المدعمة من الحكومة بالنفوذ والتقوية كما سبق ان اشرت اليه .
عبد القدوس الانصاري - لنفرض اننا اوجدنا هذه الهيئة ، وكنت يا أستاذ احد افرادها ؛ فما هى الطرق التى تراها موصلة لتعميم التعليم ? هذا بيت القصيد .
احمد السباعى - اذا وجدت هذه الهيئة وتوافر لديها النفوذ والمال والارادة فلها ان تستغل فرصة عطلة المدارس ، فتستنفر فتياننا المتعلمين ، وتغدق عليهم المكافآت السخية وتنتدبهم متفرقين فى شتى نواحي البادية ، تحت ادارة منظمة ترتب لهم ما يجب ان يباشروه من اساليب التعليم فيذهبون ويتعقبون البادية فى اماكنهم ، هذه هى الخطوة الاولى . اما الثانية فتأتى بعد هذا ؛ حيث يكون هؤلاء البادية قد تذوقوا طعم التعليم ، فيعلمون يوما انفسهم بانفسهم بالتدريج .
محمد حابس - ولكن هذا يحتاج الى كثرة المعلمين ، فالبدو لا يقيمون فى مكان واحد ، هم متشتتون على الدوام انتاجا للمراعى ؛ وكثرة المعلمين تحتاج الى وقت كاف لانضاجهم وتهيئتهم ، ونحن فى فى حاجة لسرعة تعميم التعليم فهل هناك طريق أخصر لهذا الغرض ? .
احمد السباعى - انا ارى ان معلمين خيرا واكثر الطلبة الذين اقترحت انتدابهم - لا يوجدون .
عبد القدوس الانصارى - فاذا جمعنا الطلبة وذهبوا ، متفرقين الى البادية المتفرقين وعلموهم مبادئ القراءة والكتابة ، وعاد الطلبة المعلمون الى أوطانهم لاكمال دراساتهم فى معاهدهم ؛ وبعد ان نال بعض البادية مبادئ بسيطة من التعليم الأولي ، تبع البدوى جمله وماشيته ، وتبعت هى مراعيها ، وتفرقوا ونسوا جميع ما تلقوه .. اذن فما هو محصولنا من هذا الامر الذى تكلفنا له جدا ? اننا نعود اذن بخفى حنين . لاشئ ، لاشئ ! ...
خليفة شعبان - واذن فالاعتماد على الطلاب فى عطلاتهم الصيفية لا يمكن ولا يفيد ، لانها محدودة بشهرين بما فيها من الاستعداد للرحيل والسفر . فالوسيلة التى يمكن ان تكون مجدية ان يبحث اكثر مضارب البادية فيعين معلمون سيارون ؛ القرى متقاربة ولمنازل متدانية ، فينتقلون بين مضارب البادية ، وقراهم معلمين انهم بهذا يستطيعون ان ينتجوا ، بخلاف الطالب فانه يخرج من الدراسة منهوك
القوى ، كل همه الراحة فى فرصة المسامحة ، ولابد ان يكون حاضر اقبل بدء الدراسة لاستئنافها .
احمد السباعى - الأستاذ يسمى (( الراحة )) بغير ما يعرفها به علم النفس ؛ فعلم النفس ما حدد للراحة هذا المعنى : يكفي للراحة تغيير العمل . فالتلميذ الذى يقضى تسعة أشهر يدرس اذا استنفر الى البادية يتمتع بهوائها الطلق ، ويجتمع باناس جديدين عليه ويعلمهم .. هذا الطالب قد اخذ راحته حسب المطلوب ؛ على انى لا امانع فى تقرير اساتذة سيارين اذا امكن ، وهذا لا يمنع ايضا مساعدة الطلاب فى هذا الباب ، واخيرا فان تغيير المناظر واستنشاق نسمات البادية هما خير فسحة للطلاب
عبد القدوس الانصاري - ويمكن ان يكون هناك استنشاق سموم ايضا ... ( ضحك ) . محمد حابس - ان ارسال الطلبة ، وهم فى سن( ١٦ ) أو ( ١٧ ) معلمين للبادية ، لا يجدى كثيرا فليس لديهم اذ ذاك الشجاعة الكافية ؛ ولا الجلد لاحتمال وعثاء التنقل الدائم ، والجرى وراء البادية .
احمد السباعى - هذه الطراوة التى يشير اليها الاستاذ الحابس ، لا يمنع ان تكون موضوعا قائما بذاته ؛ فلنعلم هؤلاء الذين سنهم بين ( ١٦ ) و ( ١٧ ) أن يصعدوا ( التلال ) ويهبطوا الوديان ويناموا فى العراء لاننا (( شعب جبال )) إن تربيتنا اللينة هى التى عاقتنا عن التقدم .
محمد حابس - لابد من تعميم التعليم فى البادية . والطرق التى سمعتها صعب تطبيقها ، على أن اقربها هى استنفار رجال لبقين يقنعون البدو بمنافع التعليم .. واخيرا لماذا لا نفكر - لاجل تعميم تعليمهم - فى تحضيرهم وترغيبهم فى الزراعة ؛ ليقيموا فيسهل تعليمهم ?
أحمد السباعى - ذلك يزيدنا ضغثا على ابالة ، قبل ان نفكر فى تحضيرهم يجب ان ان نفكر فى الأشياء التى تسبق تحضيرهم . لئلا يكونوا مصدر تعب جديد لنا ولهم ، محمد حابس - انا ارى ان نحضرهم اولا ، ليستقروا فيتعلموا ، ليصيروا مصدر راحة لنا ولهم .

