أقام نادى الكتاب بمعهد ابن شرف ندوة فكرية حول كتابي الاستاذ محمد مزالي ) مواقف ( و ) وجهات نظر ( حضرها المؤلف وكنا اوردنا فى عدد أفريل 1976 في باب اصداء ملخصا لهذه الندوة . وفي هذا العدد ننشر كلمة الافتتاح القاها الاستاذ محمد زبونة مدير معهد ابن شرف ودراسة الاستاذ محمد النابلى حول مسؤولية الكاتب من خلال آثار محمد مزالي ، على أن ننشر فى الاعداد المقبلة بقية الدراسات :
حضرات الضيوف سيداتى وسادتى : انه لمن دواعي الفخر والاعتزاز ان يتفضل بقبول دعوة الاشراف على احتفال المعهد بالذكرى العشرين لعيد الاستقلال احد ابناء تونس البررة الذي لا يزال يناضل في سبيل اعلاء كلمة الحق واحلال الاصالة محل الزيف والذود عن القيم الانسانية واستكناه المغامرة الفكرية الكبرى التى توجت باثبات كنانتا وتدعيم مفهوم المعاصرة ومقومات ذاتيتنا والاصداع بالمدلول الصحيح للمفاهيم والتصدى بكل صدق واخلاق وشجاعة لكل من خامرته نية طمس معالمها والعمل على اجلائها للشباب فى مظهر يتنافى والامانة التاريخية .
ان نادى الكتاب المتفرع عن الشبيبة المدرسية بالمعهد اذ يستقبل هذا المساء على منبره الاستاذ محمد مزالى عضو الديوان السياسى ووزير الصحة العمومية والمفكر المناضل الذى يلتئم هذا الجمع الكريم حول مناقشة ما صدر له مؤخرا فى مجال الدراسة الفكرية والأدبية واشير على وجه الخصوص الى كتابيه : دراسات ووجهات نظر ، لفخور لهذه اللفتة السامية التى لا تنطوى الا على التشجيع المطلق النزيه الكل من يعتز بانتسابه لاسرة الفكر والقلم لذا اسمحوا لى بان اتقدم اليه باسمكم جميعا باخلص عبارات الشكر والتقدير
وان خير ما يكرم به رجل الفكر وجود جمهور غفير من القراء المنكبين على اثاره درسا وتحليلا ونقدا وتقيما . ولقد حرصنا في هذا المجال على تركيز خلية بحث وتفكير من خلال نادى الكتاب تعنى بدراسة الانتاج التونسي والالمام بمختلف القضايا الفكرية التى يتصدى الادباء لمعالجتها وتتبع مسيرة الادب التونسي على وجه الخصوص فى شتى الاتجاهات وذلك رغبه منا فى نمكين هواة الادب من تلامذتنا من تجاوز نطاق الدروس الى مجال التفكير فى جملة من القضايا المصيرية والمشاغل والاهتمامات من خلال الدراسة والنقد حضرات السيدات والسادة
لست في حاجة الى التذكير بان الاستاذ محمد مزالي ممن صمد فى النضال طوال عشرين سنة او ما يزيد على الواجهتين السياسية والفكرية حيث ان المسؤوليات الحكومية السامية التى يضطلع بها منذ فجر الاستقلال لم تحد من مواصلته النضال على الواجهة الفكرية اذ علاوة على صمود مجلة الفكر التى شرف تونس والعالم العربى باسره بتاسيسها منذ احدى وعشرين سنه ما انفك الاستاذ محمد مزالي يثرى المكتبة التونسية بنفيس الانتاج تأليفا وترجمة . فمن كتاب الديمقراطية الذى ننتظر طبعته الجديدة ، حيث يرجع عهد نشره الى سنة 1955 . الى تاريخ شمال افريقيا 1968 لشارل اندرى حوليان بمعية الاستاذ البشير بن سلامة . الى من وحي الفكر 1969 . الى كتاب : المعمرون الفرنسيون وحركة الشباب التونسى لشارل أندرى جوليان بمعية البشر بن سلامة سنة 1971 . ثم مواقف 1973 . فدراسات 1974 ووجهات نظر 1975 .
وراينا ان ينطلق الحوار فى هذه الامسية مما صدر مؤخرا للاستاذ مزالي " دراسات ووجهات نظر " ذلك ان هذين الكتابين يكملان فى الواقع كتابي مواقف ومن وحي الفكر حيث ان دراسات تضمن جملة من المقالات والمحاضرات والاستجوابات الصحافية بوبها الكاتب فى اربعة عناصر تناول العنصر الاول الشؤون الثقافية والتربوية . وتناول العنصر الثاني المسائل الاجتماعية ثم خصص لشؤون الشباب الباب الثالث وختم الكتاب بدراستين حول المناضل المرحوم على البلهوان
اما وجهات نظر فقد احتوى على المجموعة الثانية من افتتاحيات الفكر عالج فيها الاديب شتى القضايا المستوحاة من ملابسات الحياة القومية او مشاغل الراي العام العالمي وقد جمعنا حول مائدة النقاش ثلة من اساتذة المعهد هم السادة محمد النابلي عبد العزيز الهاني الحبيب المرزوقي ورفيق بن حمودة . ولئن اقتصرنا على هؤلاء الاساتذة فذلك لضيق الوقت لان النقاش متواصل
في مجموعات . كما اردنا ان نشرك فى هذا النقاش بعض رواد نادى الكتاب من تلامذة السنوات الختامية بالمعهد
حضرات السادة ان المتأمل الدارس لانتاج الاستاذ محمد مزالي يقف عند حملة من القضايا المحورية التى وقف منها المؤلف موقفا واضحا صريحا مما يستنتج معه ان الادب لدى الاستاذ مزالي اصبح اداة نضال فى سبيل خدمه الغير ونصرة الانسانية التائقة الى مجتمع افضل . نضال من اجل تقييم النفس ومراجعتها باستمرار بحثا عن الجذور الحضارية ومقومات الذاتية القومية نضال من عدم الفصل بين الفكر والعمل
وفى هذا النطاق وفي خضم معركة المصير التى اصبح الانسانيواجه فيها شتى التحديات سواء على صعيد المذاهب والاديولوجيات المتجسمة فى جبروت المادة او عنجهية التقنية والتكنلوجيا تأكد تجديد النظرة " لمفهوم الثقافة ، ورسالة رجال الفكر وحملة القلم حيث ان زمن البرعاجية " والانقطاع الى التأمل الذاتي ولى وانقضى وحل محله مخبرى " طويل متواصل مضن في غالب الاحيان لاستكشاف الداء وتشبخيصه لايجاد الحلول الملائمة له لذا فقد اصبح من اوكد واجبات المثقف ربط مصيره بمصير امته وتحمل مسؤوليه الاصداع بكلمة الحق والكشف عن كلمات الحق التى اريد بها باطل . وان أول قضية تواجهنا من خلال انتاج الاستاذ محمد مزالي قضية مسؤولية المثقف وتجعل أول سؤال يتبادر الى الذهن هو : هل المثقف مسؤول امام نفسه وامام أمته وامام كل انسان ؟
هل تفعل الكلمة المكتوبة فعلها فى المحيط والافراد والمجموعات فيفتعل المحيط وتنفعل الافراد والمجموعات ، كيف يتجسم ذلك من خلال انتاج الاستاذ محمد مزالي ؟
هذا ما تكفل بابرازه الاستاذ محمد النابلى . ولقد ذكرني عند اشارته الى ما سماه بجوهر العقل المفارق للحدود الزمانية والمكانية والتاريخية بابن سينا فى تحليله للنفس المفارقة للجسد وكذلك بالصوفية . فلعل الاستاذ يقصد هنا مفهوم التجاوز Transcendance ، تجاوز العقل للابعاد الزمانية والمكانية وهنا لست على اتفاق تام معه فى هذا التأويل اذ ان ما تلاحظه فى دراسات الاستاذ مزالى من تقديس للعقل وتنزيله فى أسمى مرتبة ودعوته الى اعمال الرأى فى مختلف المذاهب والتيارات الفكرية انما يرجع كل ذلك الى ايمانه بالجدلية المتمثلة فى تسليط العقل على الواقع ثم فهم الواقع ، ثم تعديل النظرية بالواقع ، ثم تسليط العقل من جديد على الواقع وهكذا دواليك بدون راحة ولا هوادة . وفي منهجية البحث هذه تتأكد صلة العقل الفاحص
الكاشف المحلل بالبعد الزمني والتاريخي الذي يحف بجوهر القضية بالرجوع الى الواقع والمحيظ الذى يعيش فيه المفكر . وهو السلاح الذى يعتصم ب المقاومة جبروت الانغلاق المذهب وجاهز العقيدة وقد وضح ذلك فى كتاب مواقف بقوله :
والمذهب الذي نادينا المثقفين بالعمل على تبينه وتحديده منذ العدد الاول من مجلة " الفكر " هو فى الواقع اجتناب التمذهب المطلق المنغلق على نفسه هو دعوة متواصلة للاجتهاد الجسور والتفكير الفاتح وايثار العقل العاقل على العقل المعقول " ص 220 مواقف . الا ان العقل الذى يدعو المفكر يعجز على حد قوا المؤلف عن الاجابة عن الاسئلة التى لا يزال الانسان يلقيها على نفسه . وقد اهتدى المؤلف الى المسلك الذى قد ينجى الانسان من الانتحار الفكرى هو الرجوع الى اصالته وبحثه عن قيمه العليا وتحسس مواطن القوة من تراث لاستكشاف ذاتيته والنضال بكل اعتزاز لبناء حضارته . الى اى حد تجسمت هذه الظاهرة فى دراسات الاستاذ مزالى ؟
لقد بين هذه الظاهرة الاستاذ رفيق بن حمودة وكأني به فى تحليله لمفهوم الاصالة ووضعه فى اطار البناء الحضاري كما ورد في دراسات الاستاذ مزالى يشير الى قضية التراث هذه القضية التى اصبحت اليوم محور النقاش فى الاوساط الثقافية فى العالم العربى على وجه الخصوص . وقد تباينت المواقف واختلفت الاراء حول مفهوم التراث باسم الثورية تارة والوحدوية تارة اخرى والعقلانية والهيكلية ولا يسمح المجال لاستعراض قائمة المذاهب التى تنشد الاسبقية لايجاد مخرج للازمة الحضارية التى تمر بها اليوم الامة العربية فكيف السبيل الى التوفيق بين المعاصرة والتراث ؟ وهل يتعين فى هذا السياق تقييم التراث قبل احيائه ام الحفاظ على كل التراث وترجمته الى لغة العصر ؟ المتمثل فى انتاج الاستاذ محمد مزالي يدرك موقفه من هذه القضية حيث يعتبر التراث الارضية الثقافية التى ينطلق منها للخلق والابداع والبناء الحضارى وقد وضح هذه الناحية الاستاذ عبد العزيز الهانى ثم ينتهى بنا البحث الى الوقوف عند الخصائص التعبيرية ومنهجية التحليل عند المؤلف ومما تجدر اليه الاشارة فى هذا المجال تعدد المصاد الفكرية المستند اليها وتنوعها حيث نجد فى نفس الوقت تأثرا بالغزالي والفلسفية اليونانية كما نلمس تجاوبا واضحا بين المؤلف وبين ديكارت في نظريته المثالية وايمانويل كانت في كتابه نقد العقل المجرد وقد تناول هذا الجانب بالبحث والتحليل الاستاذ محمد الخبيب المرزوقي .

