ليت هذا الشباب يعي وجوده ويفسر ماضيه ويعبر عن خلجاته ويدرس دراسة عملية اوضاعه التى هو اليوم ينسى عنها الشئ الكثير وبالتالى الميدان الذي يريد ان يعمل فيه ويسير . وليكن انا دورى قريبا من هذا ولكن حسب القارىء ان لا يجد عندى سوى نبش الماضى والتعرف لخصائص الحاضر والدفاع عن ذاتية المستقبل لان هذا كله موكول للتاريخ الغني بالاقاصيص والمجادلات ، واريد هنا ان نعرف جميعا ذاتنا ونتعرف فى خطواتنا على صور عاشت معنا وكلنا نسينا اجزاءها وتلافاها الاضمحلال وادركها الوهن وكادت تندثر من الوجود ، هاته الصور او المشاهد هى تلك التى يقصها علينا ادبنا التونسى الذى ارتبط بالكفاح ارتباط التناغم والتجاوب فكان بذلك يسجل قصة الانسان مع الحياة والطبيعة ومثالا للتضحية والفداء ، قد شهد النضال والاستعباد سواء فى تاريخه البعيد او القريب ولكننا مع الاسف لم نظفر بمقياس تجريبى يمكننا من الوقوف على مجدنا التليد واثرنا الخالد بل اكتفى الزمان بتسجيل ادب تونسى فارغ يحمل ترديد الاصوات الفردية ويتهاون بشعور الجماعات التى تعيش مع الكرامة فى سبيل المثل العليا ، وعلى هذا يمكن على ضوء مشاعر الشباب اليوم - التفاؤل بمستقبل ادبنا ما دام الجذع نابضا بالحياة يعج بالاحساس الوقاد الذى يرتجى تحريكا خفيفا ليندفع الجيل بحكمة الشيوخ يجرب الحياة فى السراء والضراء باعظم طاقة مستمدة من معانى القوة والروعة والايمان والجمال فى اطار الموضوعية الكامنة في كل نفس تؤمن بالخير وتسعى للتوفيق وتعمل على سعادة الاخرين ، والغريب انه كثرت اليوم فى ديارنا المذاهب الكلامية او القلمية وانت بينهما لاتجد نقطة تحلل من خلالها ان الادب التونسى استقل بذاته وخرج عن الاقليمية الضيقة الى آفاق بعيدة - حتى ندفع عن ذاتنا عار اولئك الشرقيين الذين لا يتحدثون
عن ديارنا الا بالافلاس والركود وتمكن من مسايرة تطورات الاداب الاخرى بالقياس الى التأثير الشعبى حتى ان الباحث لا يرى الا انتاجا هنا وهناك ، فمن القديم كانت جماعات تدافع بأقلامها السحرية عن شتى النشاط فى تونس وتحاول ان تحلل عناصر المجتمع القائم الى اسطورة حية تحس وتتألم فقام يدافع عن المرأة وتولى قيادة الركب حتى سيقط فى ساحة الوغى شهيدا ولم يعرف لحد الآن السر الذي يحيط بحياته رغم انه تعرض فى كل المحاولات لشتى الاتهامات والبدع واخيرا كان عليه الرجوع وتجندل مهزوما وبات سره في بطن الحياة رغم ابحاث الاستاذ ( كرو ) عنه فانه لم تكتمل جوانب فنه حقها من الدراسة والبحث وهي محاولة اولى بكل اسف لم تعقبها بعدها اى التفاتة - ولكن ضرورى المزيد من الخطى لتحقيق هدف تصبو اليه الانفس الحية المتالمة من اوضاعها الحائرة فى وجودها فكانت محاولات ( العريبى ) الذي هاجر الوطن واستقر بعيدا في افريقيا واورويا يضع ادبه الذى اتسم بطابع السحر والابداع والذى خلد به حلقة مجهولة فى ادبنا التونسى المعاصر جديرة بالدرس والعناء والجهد ، وبكل مرارة واسى لم يكتب لهذا العملاق الحظ ليبرز لعالم الاحياء اليوم وتتسارع الاقلام لتظهر لنا نحن الشباب قيم ما ضينا الادبي لندرك مدى ما وصلنا اليه امس من تطور فكرى ورقى نظرى اللهم الا اشارة( الاستاذ البشير العريبى )عنه فى عجالته عنه (بالفكر) او الحديث الاخير هاته الايام بالاذاعة من طرف زملائه ولكن لا يكفى هذا ونحن نضع اليوم مجدا جديدا حالما بالعزة والكرامة والعمل ، ثم نرى ( كرباكة ) الذي حاول ان يقدم للطبقات انموذجا من الحياة الايجابية فقاومته الظروف وجعلته العوبة في يد الاقدار وكان نسيا منسيا تتقاذفه هنا وهناك اللهم الا رعاية مجلة (الثريا)اذ اقامت له ذكرى اديبية بالمسرح التونسي البلدى ايام كان التونسى والقلم العربي يشكوان قساوة المستعمرين الدخلاء فكانت منها بادرة حسنة شجعت الاذاعة انذاك على الاشتراك في هذا المهرجان وهكذا لم نظفر بعدها حتى الآن بتلك النتف من الذكريات التى لابد ان تكون لها مرام تعود بنا الى ذلك المجد وتلك العظمة وهذا القلم الفصيح حتى اذا كان الشابى حاولت ان تصرعه فقام بها حتى وضع منهجا مثاليا للحياة على العموم واذا به فى اول الطريق يتحطم وتنهال عليه المعاول والفؤوس لتدك صرحه ولكنه قاوم الرجعية والطغاة ونادى في بني قومه حتى استفاقوا ولكنه اخيرا توارى نجمة حتى اذا مرت عليه سنوات قامت في بعض نشئنا الحديث ذكرى هذا العظيم فكتب عنها والف لها وعرف بها غربا وشرقا ولكن به فقط تنطوى صفحة خالدة من
كفاح الرعيل الاول من ادباء تونس الامس التى ما زالت محتفظة بادباء صامتين امثال الحليوى والسنوسى وخريف والكبادى والمرزوقى ومازيغ وابن شعبان والمدني والمهيدى وسواهم كثير من الذين حملوها كاملة واعلنوها حربا على الخوف والصمت والرياء
. . اما اليوم وقد سرنا فى نهضة مغايرة للماضى بما فيه من هزة وانطلاق يلزمنا ان نتخير غذاءنا الفكرى لتكوين ادبائنا وبالتالى شعرائنا الشبان الذين اخذوا يحولون نظرتهم نحو الشعب ، اجل الشعب وحده مصدر الالهام ومبعث المشاعر موقظ الاحاسيس وهو الذي يسيطر على جملة الحركات لسد الفراغ القاتل الذى يملا نفوس شبابنا المتعلم والذى يحاول التطلع والمزيد ، وكأنى بهاته المشاعر - قديمها وحديثها ، وطنية كانت ام حياتية - عادت معنا واذا بنا نرى شبانا شعراء ممن نفتخر بهم وتعدهم من خيرة ادبائنا الممتازين وان هم لم ينشروا على الناس كل انتهاجهم بعد لكن ملامح العبقرية وخدمة الشعب ظاهرة قلما تخلو منها حياة الاديب المخلص لواقعه ، وهذا الرهط من شعرائنا يحاول بلوغ القمة لانه استطاع ان يفلت بالمجتمع ويدفعه بسحره واخلاصه ودفاعه عنه الى التحرك والمسير ليضمن لأدبه الرواج ولبقائه الخلود ولمستقبله الكمال ولان حالتنا الادبية فى تونس امس او اليوم على ما اعتقد مازالت كلها فى طور تجريبى لان الادباء على اختلاف مذاهبهم وتنوع مشاربهم كانوا كما عبر الدكتور احمد امين حين قال : " هم يختلفون - كالمجتمع - في خلجات نفوسهم وفي صبغتهم العاطفية فتختلف لذلك اساليبهم فاديب واقعى يعبر عن الحياة الفعلية واديب مثالى يعبر عن ادبه تعبيرا مثاليا ويجب عند دراسنا للادب ان نفرق بين ما يسمية دكارليل ، الاصوات المبتكرة وبين ما هو مجرد اصداء . . "
اى نعم يجب ان نضع اسسنا الادبية من الآن لنعرف هل نحن وصلنا فى محاولاتنا الماضية لان نستخلص العبرة من الماضى ونبنى عليها مستقبلنا الثقافي على العموم لنضمن الخلود لاجيالنا الصاعدة ام اننا سرنا ورجعنا بخفى حنين وعلى كل فالواقع الصراح اننا نملك من سلاح البيان ما يؤهل شبابنا لقيادة السفينة ويكفى اننا نضم بين اجنحتنا اليوم فى العهد الجمهورى السعيد شعراء كافحوا فى سبيل الله والشعب حتى النهاية وانهم فى هذا كونوا مدرسة
شعرية ومذهبا اجتماعيا ورأيا عاما حول قضايا الحياة وبذلك فهم يؤمنون برسالة الشاعر التى يجب ان تعمل فى محرابها بطريقة الالتزام ولا تخدم غير الوطنية والشعور العام فكانت بذلك معظم اشعارهم مسعرا وطنيا وتصويرا صادقا لمشاكل الحياة واظن ان اسماءهم تحدث لنا بعضا من التساؤل لو اننا جردناهم من صفتهم الشعرية لكن ضرورى ان نذكر : المطوى وعطاءالله وابن حميدة والوزير والعريبى والصدام وصمود والشعبونى والبحرى والسعيدى وغيرهم من شعراء الطليعة الذين يحملون مجموعات شعرية ضخمة من نوع واحد - على الغالب - هو الذى ذكرته فى هذا العرض واعنى به المجتمع والذات الانسانية ومصير الحياة وهى كلها جديرة بالنظر والاعتبار ، وعسى ان تتاح الظروف لدارسى الاداب بتونس التعرف لخصائص مذاهبهم الشعرية ومفاهيم الحياة وتجارب البشرية فيها وهم المتشوقون للبحث والاستقصاء حتى يكشفوا لنا عن قيم جديدة للفكر التونسى الحديث لنسير نحن على خطاهم فى تركيز مفاهيمنا الثقافية على العموم وندفع عنا عبء الدرس الطويل الممل لنصل الى ادب تونسى مجرد من التبعية او الحصر وانما فى اطار اوسع يعنى بتحليل مشاكل المجتمع وخلق تفكير جديد يرتكز على التفريق بين الحياة الفعلية والتعبير المثالى وذلك هو منطق البقاء ودستور الخلود وحكاية العباقرة الصاعدين وعلى هذا فشبابنا له كامل الثقة فى شعرائنا المغمورين منهم ومن تأتى له المغامرة والظهور ليكتبوا لنا ويبعثوا من ارواحهم نفثات تكون خالدة كما كانت فى ايامها مع الشعب ولصالح الجميع ولنا ان نحاسب انفسنا من اول الطريق بها .

