من اخص خصائص هذا العصر خضوعه فى شتى مظاهره ومختلف ميادينه لمذاهب وعقليات ideologies تتنازع البقاء وتنفث فى دماء الناس من افيونها ما يكون له أثر الحشيش على أعصاب مقتنبه فتطمس البصر والبصيرة والمخدر الذى راج فى ميدان الادب والشعر ونفقت سوقه بتستر بألفاظ جميلة مشرقة مغرية كالتجديد والتجدد والتحرر والتطور والانطلاق . ومن يستطيع الوقوف فى وجوه ( الغزاة الفاتحين ) فيتهم بالجمود والعبودية والكبت وكل على غرارها ما استطعت من الشتائم " ولن تعدم نصيرا فكم خدع الناس كلام حق أريد به باطل ! "
لقد حدثنا السيد البشير المجدوب في العدد السابق من مجلة الفكر عن الكبت والانطلاق فى الشعر واستخدام منطقا قديما عارضا ومستنتجا على نسق يأباه المنطق - ( يتفق النقاد جميعا اليوم على ان الشعر شئ والنظم شىء آخر ) - اى شخص يحمله هواه على نقض هذا القول والطعن فيه ؟ ألم يؤمن القدماء قبل المحدثين بفضل المطبوع على المصنوع فميزوا بين الشعر والنظم وحدثوا فيهما وكتبوا ؟ ولكنك لا تكاد تطمئن الى بداهة هذه الحقيقة كما نعتها صاحبها وتسير معه خطوات وئيدة حتى تنفرج امامك هوة سحيقة تثير الدوار اذ تقرأ :
( واذن فالشعر مستقل عن الوزن غير ملازم له حتما ) - اتنكر ان جمال الجسم شئ وعظامه شىء آخر ؟ كلا ! اذن فما يضيرك ان تقول : فحسن الجسم عنصر مستقل عن عظامه غير ملازم له حتما ؟
ألا كم لمحت فى بيت او قصيد تماسك فاعلاتن بمستفعلن مثلما ترى التصاق عظمين فى هيكل عظمى محنط وتبحث عن الشعر فى التفاعيل فلا تجد من اثره اكثر مما تجد من غضارة الميت فى هندسته العظمية وتنصت الى النغم فلا تسمع غير شقشقة الجماجم ولا اخالك ان انت اخذت باستواء قامة واستدارة خصر وفورة دم تروم تجريد الجسم من عظامه
وقد حاول السيد المجدوب ان يفلت من حبال منطقه فاكد ان الوزن الذى عناه هو الذى ( حدده الخليل ) ( فى شكله التقليدى ) و ( فى المعنى الاصطلاحى الضيق للكلمة ) - وما عرفنا من الناس من احدثوا اليوم اوزانا جديدة وكل ما نعلم ان قوما يثورون على القاعدة للدخول فى الفوضى مثلهم مثل الذى
يهدم بيته ويقبع فوق ركامه متلهيا بحصاه فرحا ضحوكا - ولعل الاوزان الجديدة التى يشير اليها السيد المجدوب هى طرق النظم فى الشعر الغربى وهذا نفهمه من تعريضه بالذين يأبون الخروج عن تفعيلة الخليل:
(وهكذا يقعون فى تناقض صارخ - يقرأون الشعر الاوروبى الحديث فيستجيدونه ويطربون له ايما طرب ويرونه الشعر حق الشعر ثم اذا التفتوا الى الادب العربى انعكست المفاهيم وتحجرت الاذواق وباتوا اشد الناس محافظة على القديم ) .
ولست ادرى اى الاثنين يقع فى ( تناقض صارخ ) هل الذى يميز بين النظم والشعر او هو الذى يخلط بين خصائص شعرين ومعطيات لغتين مختلفت ويقع فى خطر المقارنة وجور التهم - وسنبين هذا الخلط بالاعتماد على الشعر الفرنسى
يقوم الشعر الفرنسى كله على تفعيلة واحدة هى المقطع ( 1 ) pied ou syllabe بينما ينهض الشعر العربى على عشر تفعيلات - والشعر العربى يعتمد الصوت من حيث طوله وتماسكه بالاصوات الاخرى - اما فى الشعر الفرنسى فالصوت مستقل قار فلا يفرق بين المقطع الطويل والقصير والمنفتح والمنغلق ( 2 ) وتقوم كل منها مقام تفعيلة كامله - فقولك كتب مثلا بتحريك جميع الحروف kataba له فى الفرنسية وزن مكتوب ( 3 ) maktuubun لان كلا الكلمتين متركبة من ثلاثة مقاطع ولا دخل للطول والقصر والانفتاح والانغلاق فى النظم - ولا يخفى على من له علم بالعروض العربى ان ( كتب ) و ( مكتوب ) لا يوزنان وزنا واحدا - ومن هنا نتبين ان ( التجديد ) فى الشعر الفرنسى لا يمكن ان يدخل الضيم على عموده ولا على لغته وكل ما فى الامر ان النظم على ستة مقاطع او ثمانية او على اثنى عشر مقطعا لم يبق قاعدة واصبح الشاعر حرا فى اختصار عدد التفاعل او الزيادة عليه - وهذا الضرب من النظم موجود فى العروض العربى منذ القديم وهو تجزئة البحر ويشمل بصفة واضحة جميع البحور التى تقوم على تفعيلة واحدة مثل المتقارب والمتدارك والرجز والكامل - فالتقطيع جائز حينئذ فى العربية لكنه لا يتعدى
التفعيلة الى المقطع مثلما يقع فى الفرنسية لان الفرنسية لا تفعيلة لها غير المقطع - واذا اردنا ان نثور على التفعيلة الخليلية اعتدينا على العربية واذنبنا لان لكل لغة عبقريتها الخاصة - فالفرنسية تجيز تتابع المتحركات مثلا لانها لا تكترث بطول الصوت وعلاقته بالاصوات الاخرى بينما تمنعه العربية . وقد جاء فى باب الادغام من كتاب سيبويه ( الا ترى ان بنات الخمسة وما كانت عدته خمسة لا تتوالى حروفها متحركة استثقالا للمتحركات مع هذه العدة ولا بد من ساكن ) - ومن اجل هذا لا تجد فى التفاعيل العربية - باستثناء حالة شاذة - تفعيلة لا تقوم على وتد مجموع اى على متحركين وساكن ولا اعلم فى اى صنف من الشعر يدخل قول احد المجددين ( 4 )
اكتب عليه كلمة قمر الصغيرة
الا ترى انهم يكتبون لغة اجنبية بحروف عربية - وانها الغرابة الغريبة ان يقول السيد المجدوب معرضا بالسلف العربى ( ولم نجبر افكارنا واحاسيسنا واخيلتنا على الحلول فى قوالب الغير وموازينهم ) والجواب سهل بديهى وهو اننا نتكلم لغة امرىء القيس وجرير الاخطل ولسنا نتكلم لغة رونسار ولامارتين وبودلار ! وان هالنا امر تلامذة الغرب المستعربين فاغرب منه امر الذين لا يعرفون من اللغات الاوروبية الا حروفها وينتصرون للمذهب الشعرى المتفرنج وهم اجهل الناس بحقيقته واسراره وكأنهم شاؤوا ان يصدقوا زكرياء اذ قال عن الشعراء ( وبعضهم قرود )
وبعد هذا العرض الذى قام به السيد المجدوب عن جمود بعض النقاد واستغرابه تناقضهم ودعوته الى النظم على ( الاوزان الجديدة ) يشرع فى كشف عاهات الشعر العربي ويعزوها واحدة واحدة الى طرق النظم القديمة . فينعى عليه فقره الموسيقى وليت السيد المجدوب يعلم ان فى الاوزان العربية ما تأخذ شكل سمفونية موسيقية لا تجدها في غيرها - فالطويل مزيج من التفاعيل المختلفة او قل تراكب بحرين متنوعين هما المتقارب والهزج والبسيط قطعة موسيقية تختلط فيها نغمات الرجز والخبب والخفيف تداخل بين توقيع الرمل وتوقيع الرجز - وان انت تطلبت اصواتا واحدة على غرار الاصوات الاوروبية فلك البحور التى تستعمل تفعيلة واحدة مثل المتقارب الذى تنظم عليه اكثر الاناشيد والمتدارك وغيرهما .
وليس صدفة ان كان الخليل مكتشف العروض لانه عرف الموسيقى وكتب فيها ولا ننسى انه اكتشف ولم يخلق كما يريد ان يفهم اعداء الوزن كافرين فى زعمهم بآلامتثال لرجل بعيد عنهم واحرى بهم ان يعلنوا كفرهم بالعربية
ويتساءل السيد المجدوب فى حيرة : ( اى شعر قديم يتأتى له ان يعارض الموسيقى ابلغها واخصبها دلالة واسمحها ايحاء . . اتراه يستطيع ان بشعرنا بايقاع الرقص خطه وصورته حتى كان العين تراه وتلمسه وكان الجسم يحسه ويهتز له ويجاوبه ؟ ) ولست ادرى ما سيقول عن وصف نزار قبانى رقصة سامبا :
يا لرنه
زلزلت اوساطهنه
فالزنانير مرنة
حولنه . . .
تلك غاده
مثل ثعبان تلوى
وهو يطويها فتطوى
كوسادة
حين اوما
مثلت بين يديه
رأسها فى رئتيه
راح يغمى
قلت ذابا
مفصلا فى لصق مفصل
وعظاما تتغلغل
وثيابا
تلك سامبا
نقلة ثم انحناءه
فالمصابيح المضاءه
تتصبى
جرببيها
خطوات اربعا
ابدا تمضى معا
وتليها
قد يعدها السيد المجدوب من الشعر الحر - فقد ذهب الظن بالقوم الى ان الشعر الجديد هو ما كثرت نقاطه ولم يكتب على الهندسة القديمة ( ٥ ) اذن ترى ان الموسيقى ( ملازمة حتما ) للشعر العربى لان الوزن فى اعتقادى ( ملازم له حتما ) مثلما تلازمه القافية ولا بد ان نشير الى ان رائدا من رواد النهضة الشعرية فى فرنسا هو Louis Aragon نسج بعض شعره على نسق قريب من النسج العربى وعده اكتشافا فى لغته فقسم بيته الى مصراعين وقفاهما تقفية عربية :
une nuit de becu temps met les ombres d' acccord
Comme I'aveugle tend les cordes suns connaitre
L' instrument ni le ton du ciel a Ia fenetre
Ah ! si tu veux chantons dans triste decor
Ah ! si tu veux chantons
ويتمادى السيد المجدوب فى البحث عن ضعف الشعر الموزون ويسألنا : ( اى قصيد موحد النغم والقافية يتسنى له ان يصور لنا المناظر المتلاحقة المتدافعة التى نلمحها من نافذة قطار يخب خببا ؟ ) وكانه يشير الى ما كتب فى مجلة التجديد بعنوان رحلة ويتحدى بها الشعراء لانه وصف القطار الذى يخب خببا اذ قال :
القطار يخب بنا خبيا والشمس تعدو فى افقها الغربى ترافقنا - لا تتنى ترافقنا - لاح البحر - عتمة - البحر سماء حالمة ساجية - قمر باهت نشوان - القطار يخب بنا خببا
فان كان السيد المجدوب شاعرا ونحن لا نعلم فالذنب ذنبه - لعله قصد نفسه حين روى عن ابى العتاهية : ( اكثر الناس يتكلمون بالشعر وهم لا يعلمون ولو احسنوا تأليفه كانوا شعراء كلهم ) فان كان شاعرا ولا يعلم مثل مسيو جوردان M . Jourdain الذى كان يتكلم النثر وهو لا يدرى ذلك هل نؤاخذ نحن ان جهلناه - وعلى كل حال اننا نحمد الحظ الذى اتاح لنا اكتشافه من مقاله هذا ومن دلائل عجز الشعر الموزون يذكر السيد المجدوب شيئا غريبا حقا : وهل يمكن الشعر الكلاسيكى ان يطمح الى وصف حركات الطائرات . .
ام ان عالم الآلات والمصانع والجهد والكدح حمى مصون ، منطقه حرام لا يجوزها الشعر ؟ )
لقد اصاب هذه المرة . ومن يدرى ! لعل شيطان الشاعر المجدوب - وقد حمله على وصف القطار الذى يخب خببا - يرحمنا ويرحمه فيحمله الى مستودعات رينو Renault ليصف لنا عجلات السيارات وشمعاتها ومحركاتها - ومن يدرى ! لعل شعره يغزو المخابر والمصانع كما غزت اراجيز ابن عاشر حلقات النحويين فيستعين به الناس على صنع الآلات وسوق الطائرات والسيارات - لم لا ؟ الم يصف القطار الذى يخب خببا ؟
واورد السيد المجدوب حجة عليه وعلى انصار مذهبه فزعم ان الشعر الحر يخاطب الشعب بما يفهم والناس يعلمون ان ثلثى هذا ( الشعر ) لا تفهمه الخاصة بله العامة .
واستشهد السيد المجدوب بقطعة جميلة من شعر قبانى وانا لا اعدها من الشعر الذى يسمونه جديدا اذ هى تعتمد التفعيلة الخليلية وتلتزم من القوافى اكثر مما تلتزمه القصائد القديمة .
واود انبه السيد المجدوب الى اننا لسنا من اعداء التجديد ولكننا نأبى مسخ نفوسنا وطباعنا وتهديم لغتنا ولا يكون التجديد الا اذا استند الى القديم كما تم نوع منه مع بعض المولدين فتلاعبوا بترتيب التفاعل واحدثوا بحورا مولدة من القديمة مثل المستطيل وهو مقلوب الطويل واجزاؤه مفاعلن فعولن مفاعيلن فعولن والممتد وهو مقلوب المديد والمتوافر والمتئد والمنسرد والمطرد وقد آمن الناس اليوم بنظام الفقرات مثلا وتعديد القوافى وكتب المهجريون على نمط فرنسى كما كتب اراغون Aragon على النمط العربى لكنهم لم يخرجوا عن عمود الشعر العربى . ولا اجد ما اختم به الحديث احسن مما قال السيد المجدوب : (يجب قبل كل شئ ان نتكلم العربية )

