الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

نذوة القراء, من أجل صحافة جهوية ناجحة

Share

من مفارقات الصناعة الصحفية انها على عكس بقية الصناعات لا تتعدى تكاليف محتواها الاساسى ربع ثمنها الجملى (1) باعتبار ان الورق والطباعة والمصاريف الاخرى تصل الى نسبة % 75 من تكاليف الانتاج بينما نرى المادة الخبرية من صور ومقالات مختلفة بما فى ذلك مكافات الصحفيين ومصاريف تنقلهم وراء الاحداث تنحصر فى اقل من ربع التكاليف الجملية .

ومن مفارقات الاعلام انه عندما تعتزم احداث شركة نسيج مثلا فانك تلاقى من الدولة كل التسهيلات المشجعة من منح وقروض واعفاءات جبائية (2) ولكنك اذا ما أردت إصدار جريدة فسرعان ما تصطدم بموجة من الاجراءات والتراتيب المملة وتجد نفسك خاضعا لجميع القوانين كانه لا فرق بين الصحيفة وبين معمل للسردينة .

ومن المفارقات أيضا انه ما إن تتخرج من مركز التكوين المهنى للصيد البحرى يمكن لك ان تتمتع بهبة وبمنحة لشراء قارب صيد ، وعندما تتخرج من مدرسة فلاحية تمنحك الدولة قطعة ارض تخدمها ولكن عندما تتخرج من معهد الصحافة

فلا تجد امامك غير اليم بأمواجه العاتية وبما فى الصناعة الصحفية من مجازفة ومخاطر .

حقيقة مفهوم الاعلام الجهوى :

وانطلاقا من هذه الملاحظات الاساسية يتسنى لنا ان نبحث حقيقة الاعلام الجهوى لا من خلال المنظار التقليدى المالوف الذى لا يرى من الصحافة الجهوية غير (( المراسلين الجهويين )) والصفحات الجهوية والمراسلات وبعض الهياكل وخاصة منها محطتى صفاقس والمنستير (( ومكاتب )) وكالة تونس افريقيا للانباء . (3) .

عندما نتحدث عن الاعلام الجهوى فان حديثنا يجب ان يشمل كافة وسائل التخاطب الاجتماعى وخاصة منها الصحافة الجهوية التى تنبع من الجهة وتتجه الى ابنائها اينما كانوا لتعميق الحوار معهم وتدعيم الروابط التى تشدهم اليها والسؤال الهام الذى يضع نفسه بالحاح فى هذا المجال كيف نفسر غياب هذه الصحف الجهوية وافلاس سوقها فى مدن كانت بالامس ومنذ اواخر القرن الماضى مهدا لنهضة اعلامية نشيطة ؟ كيف تمكن جان ريفول سنة 1895 من اصدار (( لا ديبيش صفاقسيان )) بصفاقس وبعده حسين بن عثمان الذى ابرز الرشدية سنة 1904 ، وكيف انشأ عبد السلام القلى سنة 1920(( صدى الساحل )) بسوسة واسس عمر العجرة فى نفس السنة صحيفة (( القيروان )) لعاصمة الاغالبة ؟ بينما لا نرى اليوم فى هذه المدن صحافة جهوية ناجحة .

غياب غريب :

واذا سلمنا بان الصحافة هى منذ انبعاثها اداة شرح وتبليغ تستقطب حولها النخبة المثقفة وتتبنى قضايا المجتمع وتشكل مصدر اشعاع وتربية وتثقبف وكذلك وسيلة تحسين بمتطلبات المصلحة العليا للوطن وتسعى لحمل قرائها على خدمتها .

واذا سلمنا بان الصحف لا تنمو ولا تزدهر الا فى عهود الرخاء والازدهار عندما تستقطب الامن وينتشر العدل ويتحرر الفكر ويتغذى العقل بمقومات الحضارة .

(3) راجع مقررات الدورة الثالثة للمجلس الاعلى للاعلام المنعقدة بسوسة فى 7 جويلية 1977 .

واذا سلمنا بأن الاعلام يصبح حاجة ضرورية للمواطن المعاصر حتى يقضى على التغريب والانبتات وحتى يندمج فى صلب مجتمعه وينغمس فى روح حضارته ويشعر بانتمائه للامة وللوطن خاصة وهو يعيش فى مدينه تتضاعف ارجاؤها وتتباعد ابوابها وفى بلاد تتعدد ابعادها الحضارية والسياسية والاقتصادية .

فاذا سلمنا بكل هذه البديهات يزداد استغرابنا لغياب الصحافة الجهوية واندثار صحفها .

وقد يذهب الظن بالبعض ان الاذاعة ، والجهوية منها بالخصوص ، والتلفزة هى التى قضت على حاجتنا الى صحف جهوية لا سيما وان الحدود بين الجهات تكاد تكون وهمية وان المسافات هى فى الواقع قريبة وهذا رأى له مدعماته ولكنه لا يمكن الاقتناع به .

ويرى اخرون ان موت الصحف الجهوية هو وليد ظروف سياسية اذ ان اغلب الصحف الجهوية الصادرة بالعربية كانت ذات هدف وطنى يتمثل فى فتح البصائر باخطار الاستعمار وتعبئة الجهود للنضال من اجل التحرر والانعتاق وبالحصول على الاستقلال بلغت الهدف المنشود فانقطعت عن العدول اما الصحف الجهوية التى كان يصدرها الاجانب فقد احتجبت بجلاء المستعمرين وبتضاؤل عدد الجاليات الاجنبية .

اعتبارات جديدة :

أما اليوم فان الوضع يكاد يختلف تماما عن تلك العهود وان الباحث خلف سر غيابات الصحافة الجهوية لا بد من ان يتوقف عند اعتبارات عديدة اولها ان الصحافة اصبحت اليوم صناعة قائمة الذات لها متطلباتها الفنية والتجارية علاوة عن اطارها القانونى .

فأول ما يعترض مؤسس الجريدة هو تلك الاجراءات الادارية الواجب اتباعها للحصول على وصل بالاعلام . فلقد اقرت مجلة الصحافة الصادرة فى 28 افريل 1975 مبدأ حرية الصحافة والطباعة ولكنها اشترطت فى فصلها الثالث عشر تقديم اعلام الى وزارة الداخلية ولا يمكن الشروع فى الصدور الا بعد - الحصول على وصل بالاعلام وقوانين الصحافة فى العالم تنقسم الى قسمين الزجرى والتحررى . ويقر الاول نظام الرخصة بينما يحترم الثانى مبدأ الحرية ويكتفى بوصل بالاعلام مسلطا القوانين لحماية المجتمع وتقنين المهنة

يهدف اساسا الى تثبيت جملة من الارشادات الادارية ويعطى الشخصية القانونية ويمكن من التقاضى امام المحاكم . وفى فرنسا مثلا يسلم هذا الوصل مباشرة بعد لحظات فقط من تقديم الاعلام .

الا ان السلطات التونسية اتخذت من نظام الوصل نظاما وسطا بين الوصل والرخصة اذ انه لا يمكن لصاحب الجريدة ان يتحصل عليه الا بعد عدة اشهر من التحريات واحيانا قد لا يحصل عليه فهذا الانتظار الممل والمحير يمنع صاحب المشروع من التخطيط لمؤسسته وارسائها على قواعد صحيحة اذ هو يبقى الشهور الطوال بين الشك واليقين فى قلق الانتظار .

واذا مر صاحبنا بسلام من عقبة الاطار القانونى فعليه ان يجتاز بنفس النجاح بقية المصاعب وخاصة منها الفنية .

صعوبات فنية :

فالطباعة تشكل قضية جوهرية بالنسبة للصحافة بصفة عامة وللصحافة الجهوية بصفة خاصة . اذ انه لا توجد مطابع فى كل جهات الجمهورية وان وجدت فهى فى الغالب مطابع بسيطة جدا ومن صنف التيبو وحتى اذا وجدت آلات لينو تيب للسبك وأوفسيت للسحب فهى غالبا ما تتوجه لاشغال المدينة والمؤسسات الاقتصادية بينما تتطلب الطباعة الصحفية تخصيصا مختلفا .

ولقد وجد بعضهم الحل من خلال التقدم التكنلوجى الذى حققته الطباعة فلجأوا الى اقتناء آلات صغيرة لتصفيف الحروف وآلات تصوير أوفسيت صغيرة الحجم وبذلك تمكنوا من اصدار صحفهم مثلما هو الشأن بالنسبة لجريدة لا غازيت بصفاقس ولا فوا بسوسة الا ان هذه التجهيزات ليست فى متناول كل احد اذ هى باهضة الثمن وترزح تحت عبء الاداءات المختلفة المسلطة عليها دون اعتبار لمراميها التثقيفية .

وتتطلب هذه التجهيزات جهودا مادية وفنية قد تحتكر طاقات صاحب الجريدة وتلهيه عن التفرغ لادارة شؤون التحرير وهو العمود الفقرى للمؤسسة .

قضايا التسويق :

وبعد المشاغل الفنية تأتى قضايا التزويد والتسويق والتوريد يخص هنا المواد الاساسية التى تصنع بها الصحيفة اى الورق الذى يبقى ثمنه باهضا جدا

رغم معونة الدولة عن طريق صندوق التعويضات والافلام وطبقات الاوفسيت والمواد الكيمياوية  (4) اما التسويق فهو يخص متاعب البيع والتوزيع وحملات الاشتراكات وجمع الاعلانات وغيرها .

ولا بد هنا من ان نشير الى تكاليف الانجاز وقلة موارد الاعلانات تجعل ثمن الصحيفة مرتفعا فلا يقبل عليها الا المتحمسون . واذا قل عدد القراء تضاءل عدد النسخ المسحوبة وارتفعت التكاليف .

أما الاعلانات فهى محدودة ومحدودة جدا لا تكاد تتجاوز البلاغات الموسمية والعطاءات الرسمية وبعض التهانى والاعلانات المتواضعة فهى سوق غير منتظمة ولا يمكن التعويل عليها بصورة دقيقة ومحكمة .

وعندما نتخطى كل هذه الحواجز نصل الى المحتوى والمادة وفى الجهات يختلف الوضع تماما عما هو عليه بالعاصمة اذ ان السلطة فى الجهة تراقب الحياة الجهوية عن كثب ولا بد من التوفق فى التعامل معها واقرار علاقات وثيقة بها ولو ادى ذلك الى الحد من بعض الحريات على حساب القراء وشرف المهنة .

وقد رأينا كيف حاول بعض المسؤولين الجهويين ايمانا منهم بأهمية الاعلام وتوعيته للجماهير ، اصدار بعض المجلات الصحفية وكيف تدخلوا شخصيا لدى المؤسسات الاقتصادية الجهوية لتمويلها والمساهمة فى تحمل تكاليف طباعتها فجاءت هذه الصحف فى شكل (( كتالوجات )) تحمل اطنانا من النعوت البراقة والريبورتاجات الحالمة والاستجوابات المعظمة فمجها القراء وسرعان ما احتجبت مع احتجاب المسؤول او نقلته لانه لم يوفر لها الهيكلية اللازمة والظروف الملائمة .

اختيار قومى صادق :

واذا اردنا اليوم تشجيع الصحافة الجهوية كاختيار قومى ينبع من صميم ايماننا باهمية الاعلام الجهوى ونبل رسالته وعظمة الدور الذى يمكن ان يلعبه فى هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا وعن المام بحقيقة الابعاد المختلفة لهذا القطاع على الصعيد الحضارى والسياسى والاقتصادى فلا بد من ان نوفر لها

المناخ الملائم من خلال تشريع خاص نسبة لتدعيم اعانة الدولة للصحافة بصفة عامة وللصافة الجهوية بصفة خاصة وذلك بمنحها جملة من الاعفاءات القمرقية بالنسبة لمعدات طباعتها وتسييرها لتنقل الصحفيين ولتوزيع الصحف وعدم توظيف الجباية على مداخيل الاعلانات وتحمل الدولة لجرايات بعض الصحفيين حتى يتفرغوا للعمل الصحفى ( 5 ) ولتكاليف توزيعها وبمنحها جزءا هاما من الاعلانات والبلاغات الصادرة عن الوزارات والشركات القومية والمجموعات المحلية والجهوية .

فاذا منحنا الصحف كل هذه الامتيازات ومكناها من هذه الاطارات وهذه المعدات ووفرنا لها كل هذه المداخيل سواء الناجمة عن الاعفاءات الجبائية او المتأتية من مداخيل الاعلانات نكون قد ضمنا لهذه المؤسسات الاعلامية الاستقرار وشجعناها بصفة فعالة على القيام برسالتها النبيلة على الوجه المرضى وحفظناها من الانزلاق فى متاهات التذبذب والبحث عن المادة بشتى الوسائل . وتكون قد ساهمنا فى خلق صحافة جهوية متينة الاساس لا تؤمن الا بالمصلحة العامة بعيدا عن كل تأثر بالنزاعات الجهوية او خدمة الاغراض الشخصية وبعثنا فى كل جهة هيكلا جديدا يعطى خير دفع للحياة الجهوية ويعمل على تنميتها .

اشترك في نشرتنا البريدية