الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

نزيف الديدان

Share

سكن كل شئ بالبيت ، ولم يعد يصغى الا لفوضى عاصفة بأعماقه ، فتحيل الدنيا إلى كابوس يضيق عليه الخناق . تلك الليلة بلغ من العمر عشرين خريفا ، شهادة الميلاد صريحة فى صراحة ووفاء الذي شغل باله ورسم مولده  بالشغور والفراغ ، وللمرة الالف بعد الالف يسأل فى صخب سري

- من أبى  ٠ هل حقا كما قالت أمي بأنه مات قبل ميلادي بعام وثمانية  اشهر حسب بطاقة الوفاة ؟ وهل حقا نمت ببطنها ثمانية عشر شهرا عوض تسعة أشهر فقط ؟ وكيف نهضت فجأة بعد هذه الغيبوبة الطويله لأخرج الى  النور لترفضني دفاتر الحكومة ؟ . وتعلتها فوات الاوان لكى أنتسب لأبي ، وما على الا أن انتسب لأمي فقط !  

وما الغرابة فى ذلك وعيسى ابن مريم ابنة عمران ولا شئ غير مريم ابنة  عمران ؟ !

- ابن من ؟ من أبي

أسئلة تفجر الهضاب وناطحات السحاب والسماء ، عندما  كان صغيرا ، كانت هذه الاسئلة مصدر تساؤل ووجوم فقط وقد  يتعدى الى صمت يطول ، اما الآن وهو مطالب بالكثير فى عصر تسجل فيه اسماء الكلاب ونسبها والخيل وسلالاتها ، فما بالك بانسان يسوس هذه الكلاب وهذه الخيل ! ؟ مكاتب الحكومة تشد اليها هامات تسأل : ابن من أنت ؟ من أبوك ؟ وكيف لم تلاحظ ان اسم والدك غير موجود ، كان لا بد ان لا تبرح الحاجز الذي يفصل بينك وبين موظف الحكومة ، وتقول له : لماذا نسيت اسم  ابي . ؟ لماذا لم تنس اسم أمي أو أى شئ آخر ، وصرخ في أعماقه ، هل  اتحدت  كل الاطراف على ان تلهيني بالسؤال عن سفاح ؟ الا يمكن ان  يسجلوا اى اسم يعجبهم أو يعجبني ، والتزم معهم فى محكمة العدل الدولية   بأننى لن أتشبث بتلابيب أبى المزعوم المنحوس قائلا : بأن لى عليه دينا   ابويا ، واذا لم يصدقوني فلينفوا أبى المزعوم هذا من بلدى هذا  وليكن " جوزاف " أو " المصلوب " أو فليكن " كنفشيوس " أو " بوذا

لكن مجموعة أحرف تؤدى معنى أو لا معنى ، إن الفراغ الأبوي في دفاتر الحكومة قد يستغرب منه المطلع عليه بحكم وظيفته ولكنه الجحيم عند الابن المزعوم .

كانت نوابضه تعمل فى غير عادتها وقد نبعت نوابض أخرى فى أماكن ما عهد فيها - سيلان الدم - إن الصراخ بالصوت قد يكهرب الفضاء والفراغ ويفزع المصغى ، ولكن الصراخ بالأعماق يحيل الجسد الى كتلة من الأنين ، لقد غزا نوابضه  قرص أحال كل الجسد الى كتلة من الارتعاش والاضطراب ، لم  يعرف كيف انفتحت أمامه فجاة مأساته ، كل ما يعرف انه فوران عذاب  يخنق فيه كل متنفس .

إن الذي يحيره صمت كل الاطراف لمصابه ، انه كأى كائن مفكر يلد  ويولد ، وله شأن فى صحائف القدر ، فهل كان فلتة من فلتات القدر أم كان فلتة على القدر ؟ هل كان اللقاء مزكى بين السفاح وأمه ؟ واذا كان غير ذلك فلماذا لم تعدم البذرة قيل أن تتورم فتصبح الورم الأكبر فى جبين النساء  ليصبح اللحن المنبوذ الذي تفرغ لساعه الخنازير ؟ إن تحرر النفوس والأجساد كان فظيعا فى حالات ، فلو كانت لهذه الحرية بعض الموانع والحدود لكانت الخاتمة سليمة ، فالحبة مخيفة ، سامة أو غير سامة ولكنها غير سامة افضل لأن التحامها مع أى متحرك لن يسفر عنه إلا رعب وفزع ولا شئ غير ذلك أما رفاقه في الانسانية فقد غضوا النظر وعدوا الأمر جرما غريبا يجتاح  كوكبهم من حين لآخر ولا بأس من اهماله ما دام لا يحطم إلا نفسه ، لقد سنوا قوانين منطقية لم يراعوا فيها إلا المنطق الأعمى الذى يتجسد فى هيكل آدمي  يتحرك آليا ، وخال من نوازع تعبث بتحركاته ، وأطلقوها صرخة قويه دوت  حتى عنان السماء ، إذا أخطأت زهرة وانفلت منها فرع ، فلا تعاقب الزهرة  وانما يعاقب فرعها ، وقال قوم اقطعوه ، فكانت المعارضة قوية ، واتفقوا على رأى رأوا انه الصواب . لن يقطع الفرع ولكن ليوخز بالخازوق  

كانت عشرين خريفا ، توالت فيها الصدمات والنقمة وخيبة الامل ، كانت النظرات حادة براقة تدفعه الى الهروب بعيدا عنها حتى ولو أدى ذلك به الى الهلاك الذي لا يكاد يحظى باهتمامه ، وكانت الاشارات والتلميحات تعبث به ، عبث الامواج الصاخبة بجسد هده التعب وأشرفت اعضاؤه على التراخى والنزول  الى القاع ، وكانت الالسن تخزه فيفزع ويهرب للتحرك ، يريد الفتك بأى شئ ، ان الالفاظ النابية تحيله الى كتلة من الجنون ، ولو كان بيده ما ببرمجة  عقله لفجر كل شئ فلا يبقى ولا يذر ولسعد بما يحدث لان كل شىء سينعدم

انه ينمو كأى كائن حي ، إن مصابه يتضخم من خريف لآخر ، فشعوره باكتمال الرؤية ينمى فيه الفزع من المستقبل الرهيب الذى ينتظره وراء المجهول ، كيف له أن يواجه هذا العالم وهو يجسد النقص فى تكوينه الاجتماعى ، إن هذا  العالم ليسخر من قامته الفارعة وقوة بنيته ووسامته ، فمرحي ما دام يبرز من  بعيد كأى كوكب جميل ، ولكن مع الاسف فأبناء كوكبه همهم الأكبر اكتشاف المجموعة الشمسية بأكملها ، وعندما سيقتربون منه أكثر سيتحققون انه ليس كما توهموا ، فابن مجموعتهم به نتوءات وأخاديد وأفواه براكين لا تبعث على  الاطمئنان ، وسرعان ما يعودون بخيبة أمل ، وسرعان ما يتناسونه ، ولكنه لن  ينسي ما به ، ما دام فيه عرق نابض ، ستحكى له أسطورته أحب أم كره فى  كل لحظة من لحظات حياته ، لتصليه بلا رحمة ولا شفقة إنما يحوط به ، ليرتج تحت نظراته الفزعة الهاربة ، وكانها البلاء وأصل الداء ، فرغم أنها بريئة  براءة الملائكة فهى لاهثة دائما ، تريد الاختفاء فيصدمها العجز

رغم عدم خوفه من اللاحركة ورغم جهله بعاقبة فعلته عند سيد الانام فان الاقدام على الانتحار يعد شبه مستحيل ، فاطرافه تبتغى التحرك فى كل اتجاه للفتك والفتك الذريع بالأعين والألسن والأصابع لكن برمجة عقله لم تحز بعد حتى على مشروع شبه تزكية لاسكات هذا الهيكل الذى نما فى احضان  نفايات ، فكان كالزهرة التى تريح النظر بمسحة جمالية مرضية ، ولكن اذا  اقترب منها قاطفها أو عاشقها وتبين تجويف خطوطها وعدم رقة ورقاتها ، ارتد بخيبة أمل كافية ان لا يعود بعدها أبدا

لا شئ بالمرة يبعث فيه ولو ذرة من الأمل ، إن كوابيس تحتضنه فتحيله الى  كتلة من التمرد الأعمى على وجوده ، إن هيكله المتصبب بروح قلقة نافرة رغم  ارادته سبب مصابه ، ألا يتهاوى هذا الهيكل ويسقط ليعلن نهايته ؟ ! ان  القبض على حتفه لهو ضالته الكبرى ، هو يجهل ما البداية وما النهاية وما وراء  كل هذا ، لقد كانت الظواهر المحسبوسة والغيبية أشياء تافهة ، إن مأساته تكمن فى ذاته الشاذة عن النواميس والشرائع ، إنه ليرى من الخيانات من كلا الجنسين ما يغبطه بعض الشئ ويشعره بأن مرضعته ليست وحدها التى  سقطت ، بل ان السقوط اصبح موضة العصر ، ولكن رغم هذا لا يتغير شئ من مصابه ، لأن سقطات الآخرين محفوفة بالحصانة الزوجية ، البعول على قيد الحياة ، يصونون العرض ويخمدون المآسى وهى فى مهدها ، وكان خطأ حاضنته انها سقطت بعد سقوط فحلها ، وليس لها من مهرب الا الاذعان  واسقاط ابن الخطيئة حيا يسعى على الارض ينهشه وجوده بعد ان فشلت في اسقاطه مضغة

كانت الليلة ساكنة ، تضخمت انفعالاته ، فظهرت أقوى من ان تتحملها  احاسيسه التى هدها السهر فحنت للهدوء والسكينة ولو على حساب اخماد نبضها . وفي هذا السكون وفوضى أحاسيسه انتبه فجأة الى شىء زاد فى حبرته ، ان علة وجوده تسكن ها هنا ، لا يفصلها عنه الا جدار ، يكفى كي يرى جسدها الذى ارتعش قبل عشرين سنة بالخطيئة ، وهي الي الآن تجر سقوطها بعد نمو لاهث فى داخلها ، فكانت كالطريدة الهاربة من وحش كاسر ، يسرع وراءها صغيرها الذي ما تعلم بعد المشي ، فما بالك مسابقة مرضعته ، فاذا أسرعت قنص تابعها واذا تغلبت عليها أمومتها جندلت معه بين  اظافر وانياب ، وفي الحالتين واقعة فى خطب وأي خطب ، وتراءت له صور فظيعة لمرضعته وبدون أى شعور أغمض سلطان حواسه ، ولكن هيهات ان تتلاشى تلك الصور التى هى علة عذابه  

انها ها هناك مستلقية فى غرفتها ، لا يعلم ما يجول بخاطرها ، هل تصلي كما يصلى ، هل تحن الى التلف كما يحن هو ؟ هل فقدت لذة السعى كما فقدها ؟ انه يشك فى ذلك ، فلا يمكن لها ان تعاني ما يعانى ولو رزحت تحت جبال من  البلايا والكروب ، ان الصور الفظيعة الفاجرة تخنق فيه كل نبض ومتنفس ويصبح على شافة متفجر ويهتف به هاتف : ما لك وما لها . ؟ من يوم ان  نسلخت منها وعرفت أكل التمرة ورمى النوى كنت سيد نفسك وظروفك  وسعيك ، فلا تهتم بما فعلت وبما قد تفعل ، والذي تقدر عليه لتلاشى تلك الصور هو الابتعاد ، لقد بلغت السعى ومنحت القدرة على العطاء ، فمالك متشبت بها ! وسرعان ما ضاع الهتاف ليقف على لوحة الفجور ، كيف له  الابتعاد وهو مرتبط برحمها في خطيئة ارتجت لها السماء ، انه خطؤها تابعها  لا يفارقها وهو عذابها ، وهو راض لذلك كل الرضى ، كيف له ان يريحها وهو يريد لها الخسف والرجم ، لن يحقق لها ذلك ولو كان على حساب عذابه وحتى إذا انسلخ عنها للمرة الثانية والاخيرة ، فهل يحقق شيئا بالنسبة اليه ، كلا وألف كلا ، فبطاقة الميلاد ستكون التابع السحرى غير المرغوب فيه ، لان  مجتمعه سوف لن يزكيه للسعى الا بتلك البطاقة غير مراع فى ذلك  الاستثناءات ، واذا خلا الى نفسه فهل سيجد الراحة ؟ كلا بل لن يجد الا نهشا  يهد الجبال .

بدت له حيطان الغرفة تسرق مساحة الغرفة فتضيق عليه الخناق ، وبدا السقف وكأنه يهم بعناق مع أرض الغرفة ، كل ما يحوط به ينمى فيه الشعور  بالانفلاق ، السماء والارض وما يدور بينهما من اجرام تحالفت على نبذه من

محيطها ، ود لو يصرخ فيها وقد تعرى كليا من كل زيف ونفاق ، بأنه ما كان له الاختبار في ان يوجد بينها ، فلماذا تدس له الدسائس وتظهر له التلميحات فى اضطراب وتمتد الاصابع فى ارتباك وتلوكه الافواه بخزى و كأنه صانعه ود لو اسمعها ما تكره وانساها ما تحب حتى يشقيها كما يشقى ، ود لو يدفع بمرضعته فى اجوائها لتبصر ذلك الجسد الهزيل الذى احتضن الخطيئة فكان ضحيتها ، وارتعشت نظراته تبحث عن مستقر ، واجتاز بريقه اجواء غرفته الى السرير الذى يحتضن علة وجوده فى لا مبالاة ، وتحركت حاملتاه لا شعوريا نحو باب دفعه ، فكان أمام ضالته ، واكتسحته الصور الفاجرة فسدت عليه منافذ النجاة ولم يعد يبصر فى رحاب عقله الباطن الا حتوفا غريبة  فى غرابه آل مجتمعه ، كانت يداه تمتدان نحو تلك الصور لطمس معالمها ، انها تتلف ما تبقى له من تركيز عقلي هو آخر خيط يفصله بين كائن موجود عن اخر غير  موجود ، وهيهات ان يفلح فيما ازمع عليه ، لان المعالم التى انطمست كانت كل ما بقى له من طاقة لبقاء رجاجة عقله ، حتى يتصرف كأى كائن عاقل .

لقد كانت مرضعته تجسد فى حالتها تلك عنصرا من عناصر مأساته ، أما ما عدا ذلك فهي فى برمجة عقله وبعد تضخم مصابه لا تلفت انتباهه كأى شئ بارز بل هى كأى كائن لا تربطه به صلة رحم ، تشاطره هواء خانقا وجنون خواطره  وقبل ان يتفطن انه اقتحم حرم مرضعته وهى فى خلوتها مع شياطينها الذين  طالما حدثوه عنها وعن افكارها وهواجسها وشهواتها ، وقبل ان يجمع شتات أفكاره لخلق رأى يخرجه من وضعه الذى قد يجر عليه بلايا هو فى غنى عنها وفات الاوان ، لقد فتحت الأم عينيها ، وتحت الاشعة الضئيلة المنبعثة من فانوس عمومي فوق النافذة أبصرت ذلك الشبح ، فصرخت وأسرعت الى النافذة كالمجنونة والرعب آخذ منها كل مأخذ ، ففقدت القدرة على التأنى  وتبين ما يحدث ، وبحركة مرتبكة قام بها الابن نحوها لابعادها عن النافذة ، ولت مهرولة نحو الباب الذي كان شبه مفتوح فصفعته واصطدمت ببعض  الاثاث ثم اطلقت صرخة متقطعة النبرات ، وعندما التحق بها خطؤها مشعلا كل  الانوار الكشافة عن الصراخ ، كانت الأم اسفل السلم المرمري تسبح فى بركة من الدماء وقد فقدت الحركة ، وعندما احتضنها فى برود غريب ، وأحس بحرارة الدماء تدغدغ راحته ، بدت له الحياة

جثة متعفنة تنزف دما فديدانا ، اما وقد سالت الدماء فليتهأ للديدان التى ستنخر جسده وهو يتنفس وبعد ان يختنق بنفسه .

اشترك في نشرتنا البريدية