كانت المرأة فى عصور الازدهار الاسلامى اى فى عصور انتشار المعرفة تدرس وتجيز غيرها من اعلام العلماء . ولا يعزب عن الاذهان ان الاجازة العلمية كانت فى القديم بل وحتى بمستهل العصر الحديث تقوم مقام الشهادة العلمية لعهدنا اليوم وتخول صاحبها ان يتصدر للتدريس وكأن هذه اللفظة مستعارة من استجاز اى طلب اجازة اى الاذن من الاستاذ ليروى عنه سائر نظرياته ومروياته وتآليفه واثاره العلمية والادبية فى اى ضرب من ضروب المعرفة وكان الطلاب فى العصور الغابرة شديدى الحرص فى سبيل التحصيل عليها من اساتذتهم الذين كانوا بدورهم يتخيرون انبل الطلاب لاجازتهم . وحتى الاعلام من كبار الرجال كانوا يحرصون على الحصول عليها من ائمة العلم ورجاله ولقد كتب العالم الضليع أبو طاهر السلفى المتوفى سنة 576 ه . الى جار الله الزمخشرى المتوفى سنة 538 ه . يستجيزه فلم يجزه لاول مرة على ما كان عليه السلفى من ضلاعة بالمعرفة وشهرة ذائعة فى الغزارة الادبية والاطلاع الذى لا حد له واعتذر اليه الزمخشرى بقوله : لا يغرنكم قول فلان فى ولا قول فلان وعدد جماعة من الشعراء والفضلاء مدحوه بمقاطيع من الشعر الى آخر ما جاء فى اعتذاره للسلفى الذى قيل عنه : لم يكن في آخر عمره فى عصره مثله كما فى الوفيات ومن العجيب أن جار الله الزمخشرى الذى رد جواب السلفى بما لا يشفى الغليل اجاز العالمة الفاضلة زينب بنت الشعرى المتوفاة سنة 625 ه . وهى بدورها اجازت اعلام العلماء ليرووا عنها اثارها قال ابن خلكان فى الحديث عن هذه العالمة هى أم المؤيد زينب وتدعى حرة ايضا ورفع نسبها الى الشعرى احد اجدادها : قال كانت عالمة وادركت جماعة من اعيان العلماء واخذت عنهم رواية واجازة وذكر لها اساتذتها الاعلام وتدرج الى القول بانها اجازته وهو طفل وذكر سنة ولادتها ووفاتها فقال ومولد زينب سنة 524 ه . بنيسابور وتوفيت سنة 615 ه . بنيسابور ايضا . وذكر المؤرخون ان على بن الحسن بن عساكم الحافظ كان من بين اساتذته بضعة وثمانون امرأة من خيرة النسوة العالمات الفاضلات .
ناهيك بشهدة الكاتبة فخر النساء وكانت من العلماء وكتبت الخط الجيد وسمع عليها خلق كثير وكان لها السماع العالى الحقت فيه الاصاغر بالاكابر . واغرب ما وقع لأبى حيان المفسر الكبير ثلاثة احاديث بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ثمانية من بينهم عالمتان قال اخبرنا المحدث شعيب محمد بن احمد بن محمد بن المؤيد الهمذانى بقرآته عليه والمحدثة الجليلة السلطانية مؤنسة بنت الملك العادل ابى بكر ايوب من شادى قراءة عليها وهو يسمع قالا انبانا أبو الفجر سعيد بن سعيد ابن روح فى كتابه اخبرتنا فاطمة بنت عبد الله بن أحمد الجوزدابنية الى آخر السند المتصل : وكن علاوة عن ذلك لهن اختصاص فى بعض شعب العلوم والادب فمن الاساتذة الاخصائين فى تعليم الادب مريم بنت أبى يعقوب ذكرها ابن دحية فى كتاب المطرب من اشعار اهل المغرب وقال عنها انها اديبة شاعرة جزلة مشهورة كانت تعلم الناس اى الذكور والانات الادب وتحتشم لدينها وفضلها وعمرت طويلا وانشد لها الحميدى ابياتا جوابا عن رسالة ادبية كانت مصحوبة بشعر ودنانير ، قال فيها الذى اهدى لها الدنانير انها مكافاة لها على تعليمه وتثقيفه :
مالى بشكر الذى اوليت من قبل لو اننى جزت نطق الاسن فى الحلل
يا فردة الظرف فى هذا الزمان ويا وحيدة العصر فى الاخلاص والعمل
اشبهت مريم عذراء فى ورع وفقت خنساء فى الاشعار والمثل
وهكذا كانت مريم هذه مدرسة للادب ورائعة فى انتاجها ومبدعة فى ادبها ولم تتمالك عندما قرأت الرسالة الشعرية عن اجابة المرسل ومجاراته فى مضمار البيان بشكره على عواطفه نحوها وحسن ظنه بها وكرم اخلاقه فجازته سعرا بشعر فكان شعرها ارق ومعانيها ادق واسلوبها اكثر طلاوة واصفى ديباجة واسلم ما اجابت به صاحب الرسالة الشعرية : كتبت اليه ما يلى :
من ذا يجاريك فى قول وفى عمل وقد بدرت الى فضل ولم تسل
مالى بشكر الذى نظمت فى عنقى من الئالى وما اوليت من قبل
حليتنى بحلى اصبحت زاهية بها علي كل انثى من حلى عطل
لله اخلاقك الغر التى سقيت ماء الفرات فرقت رقة الغزل
اشبهت مروان من غارت بدائعه وانجدت وغدت فى احسن المثل
من كان والده العضب المهند لم يلد من النسل غير البيض والاسل
وظلت هذه المدرسه الادبية تدرس الادب للناس الى ان تجاوز سنها السبعين نتخلت عن ذلك واعتذرت للناس عن مواصلة العمل بتصوير هول الشيخوخة ومبادئ الهرم قائلة فى ابداع فى التمثيل وبراعة فى الوصف ودقة فى
التشبيه واصابة للمحن مما يبرهن عن ذكاء وقاد وطبع فى البلاغة فياض ما يأتى :
وما يرتجى من بنت سبعين حجة وسبع كنسج العنكبوت المهلهل
ندب دبيب الطفل تسعى الى العصا وتمشى بها مشى الاسير المكبل
ومنهن المعلمة الاديبة أم العلاء الحجازية كانت بارعة فى التأديب خطبها بعض الشيوخ الكبار وكان اشيب فكتبت اليه :
يا صفح لا تبد الى جنحى فالليل لا يبقى مع الصبح
الشيب لا يخدع فيه الصبا بحيلة فاستمع الى نصحى
فلا تكن اجهل من فى الورى تبيت فى الجهل كما تضحى
ولعل هذه الدفائن التى اثرناها واللمع التى سقناها لا تشفى غليلا لان الوقت ضيق والبحث طويل والمرأة ظلت تشارك فى نشر الثقافة على نطاق واسع حتى فى الدراسات العليا من صدر الاسلام الى القرن الثامن الهجرى تقريبا او العصور الوسطى تدرس الحديث الشريف وترويه وتنقله للعلماء فاسنادها عن الرواة الثقاة وتعلم الادب وتفسر القرآن وقد مر ان زينب بنت الشعرى روت ودرست كتاب تفسير القرآن الكريم على مؤلفه الشهير محمود الزمخشرى مباشرة وكانت تربى الناس تربية علمية صحيحة فياحة بالكلمات جياشة بانبل العواطف مع الاحتشام والعفاف والصون والتواضع والشمائل الكريمة والخلق الرضى الذى حمل تلاميذها واساتذتها على التنويه بها والاقتباس من هديها واحلالها المحل اللائق بها مما لو اطرد ذلك السير على ذلك الاسلوب واستغل كما ينبغى ان يستغل لما تخلفت قافلتنا عن ركب الحياة ولما ارتطمت بصخور التخلف الشائن الذى حطم الجنسين المرأة والرجل ورمى بهما فى قعر سحيق عندما ساءت حالة المجتمعات الاسلامية وقادها الاستهتار بالتهافت على القيان والجوارى والانغماس فى حماة الشهوات فاهمل شان المرأة واعرض عنه اعراضها عن تعلم الشباب فكانت الكارثة التى حلت بالعالم الاسلامى الذى لا يزال يعانى آلامها واثارها ويسعى جاهدا فى التخلص منها وتدارك ما فاته من جرائها . ولعل هذه العناية بالمرأة المسلمة التى طفحت بها المجلدات وسجلها كبار المؤرخين وافذاذ الادباء ناشئة عناية شرعية اسلامية فى اكبار الأم واجلالها واحلالها المحل اللائق بها .

