لعل
القصد الجميل (1)؛ الذي جعل اسم الكندي عنوانا على حضارة بغداد ، حتى تُذكر بذكره، وتمجد باسمه ، راجع الى ذلك الاتفاق الغريب ، الذى ربطت به الاقدار بين المدينة وربيبها : اذ أن وفاته ، على أرجح التقادير ، وقوفا عند آخر سنة ثبت انه كان حيا فيها ، جاء تاريخها على رأس قرن كامل بالزيج الشمسي ، من تاريخ تأسيس بغداد . فكان احتفالنا ، في هذه السنة الشمسية ، التى آذنت بالرحيل بالماوية الحادية عشرة لانتهاء حياة الكندي ، احتفالا بالمليوية الثانية عشرة لابتداء تأسيس بغداد كناية بليغة على عظمة هذه المدينة المنجاب ، وخلودها ، حتى اذا ذكرت الامجاد بنهاياتها ووفياتها ، لم تذكر مدينة السلام الا بميلاد المجد ، وابتداء الخلد .
لقد وصل ما بين الكندي وبغداد زمان مقبل ، وشباب نير ، وهمة صاعدة ، وعزم ملتهب : تلاقيا وكل منهما يعتد بيومه ، ويستعد لغده ، وتعارفا وكل منهما يتطلع الى ما بين يدي صاحبه مما كان يهيم به ، ويهفو اليه .
نشأت بغداد لتكون صوان الاسلام : يأوي منها الى مدينة غير ذات عصبية ، ويؤلف فيها مجتمعا لاعامل فى ترابطه غير الاسلام ، حتى يبرز في دائرة هذه المدينة كل ما طبع الاسلام من طباع ، وكون من مقدورات ، وشحذ من ملكات ، فتولد بين أسوارها الحكمة الاسلامية ، وقد كانت الملة مأخوذة بمخاضرها.
فالاسلام يدعو البشر الى سبيل من النظر العقلي : يسلكونه متجردين عن آثار الوراثات والعصبيات متخلصين من تضارب القوى الذهنية : بين عقلية واحساسية واعتقادية ، حتى يصلوا أبنفسهم الى اقامة الحكمة الحق : المتجانسة مع العقل الصحيح ، والفطرة السليمة ، الجامعة لما تشتت بين مذاهب الحكماء ، من صواب ، المنزهة عما علق بها من خطأ ، حيث تكون العقيدة بنت عقل ارادي : جعل الوجود كله ميدانا لحركته .
فكان الغذاء الضروري الذي تطلبه بغداد للوفاء بما اسست له ان يجتمع اليها ما تفرق في الامصار من ولائد العقل .... الجديد ، الذي قومته الدعوة الاسلامية ، حتى تتلاقى تلك الولائد ، وتتلاقح ، فتنتج الحكمة الاسلامية ، التي ما تأسست بغداد الا لتكون مهدا لها ، وما كان من الجائز ان تولد على غير ذلك المهد .
تلك هي حاجة بغداد : التى جاءت تسدها بواكر النتاج العقلي الاسلامي ، المتدفقة عليها من الاقطار والامصار ، والتي سمحت لها بأن تحتضن فنونا مختلفة ، من عناصر الثقافة الاسلامية ، ترعرعت ويفعت في أمصار الاسلام قبل تأسيس بغداد ، ثم دخلت بغداد فى مقتبل شبابها . فالفقه ، الذي ولد في الكوفة ، قد دخل به ابو حنيفة الى بغداد ، وعلم الحديث ، الذي تكون بالمدينة ، جاء به عبد الله ابن مسلمة القعنبي الى مدينة السلام . وعلم الكلام ، الذي برز في البصرة ، قد جره أبو علي الجبائي معه الى الزوراء ، وعلم النحو الذى نشأ بالبصرة ، دخل به سيبويه الى بغداد .
وعلم اللغة والقراآت ، الذي ولد بالكوفة ، اتى به الكسائي الى بغداد . وفن النثر ، الذي بدئ بعبد الحميد في الشام ، قد انتقل في ردن ابن المقفع الى مدينة المنصور . والشعر المولد ، بعد ان استنز له بشار بن برد من سماء البصرة ، اتى يتغنى به على شط دجلة من بغداد . فكانت بغداد ملتقى لهذه الفنون : تعارفت فيها ، وتقاربت ، وتمازجت ، بعد ان تباعدت في الديار وتشتتت في الاقطار . فكان من اثر هذا التفاعل بينها ، ان تكون من كل منها وليد جديد : يسير في المعرفة على غير المنهج المألوف ، ويجمع بين أطراف من المعارف ، ترجع الى مواضيع مختلفة ، وتتلاقى بما لاقت به الفكرة الاسلامية ، والتربية العقلية القرآنية ، بين نواحي المعرفة . حتى تخرج الفقيه المحدث ، الاثري القياسي من طراز محمد ابن الحسن الشيباني ومحمد ابن ادريس الشافعي . وتخرج الفقيه المتكلم ، السلفي المناظر من بين بردي أبي
الحسن الاشعري . ثم لتخرج اللغوي النحوي ، البصري الكوفي ، من بين المبرد وثعلب . وتسير بكتابة عبد الحميد ، فتنتهي بها الى ابن العميد . وتزيد طريقة بشار دنوا من الحكمة الاسلامية ، والبيان القرآني ، حتى تتفجر عن شعر أبى تمام .
كانت الحكمة الاسلامية ، وهى روح بغداد ، هى التى هذبت الطرائق ، وشحذت العزائم ، حتى تمكنت الاساليب المختلفة من التلاقي والامتزاج متجردة عن الطوابع الاقليمية ، والعصبيات العنصرية . وما كان لتلك الحكمة ، يومئذ ، من مدد ، الا سلامة العقول الفطرية التى نبهتها دعوة الاسلام ، وزكاء الاذواق السليمة التى ربتها كلمة القرآن . ولم يكن لها ، وراء ذلك ، بد من ان تستقبل دورا جديدا ، يكون له جيله الجديد ، هو الدور الذي تصاغ فيه الحكمة الاسلامية في القوالب المقعدة ، وتخطط على المناهج المحكمة المفننة ، ليكتمل مظهرها ، وتبلغ أشدها . وكما كان هذا الدور المنتظر ، يستدعى حقبة من الزمان ، يتم فيها استعداد الاجيال بالتوالي لتقوم به ، فانه كان يستدعي أن تجلب الى بغداد ، مادة واسعة ، من الحكمة : التى أنتجتها عقول الاقدمين ، وصنفتها أقلامهم .
وكأن الخليفة المنصور ، قد أحس ، وهو يضع الآجرة الاولى ، في بناء مدينته الخالدة ، بما تتطلع اليه روحها من جلب الحكمة القديمة , فتوجه الى الاعتناء بالحكمة وأهلها ، وآوى الحكماء ، وبسط أيديهم في نقل التراث الحكمي ، الى العربية ، من كتب المنطق والرياضيات والطبيعيات ثم جاء المأمون فتمم ما بدأ به جده ، كما قال القاضي صاعد : " فأقبل على طلب العلم فى مواضعه ، واستخرجه من معادنه " .
وما كانت الفلسفة الاسلامية في حاجة الى هذه المادة من فلسفة الاوائل لتنبع منها ، وتتكون بها ، لانها فلسفة تخرج من صميم العقيدة الاسلامية . ولكنها كانت بحاجة الى الحكمة القديمة لتجمع اطرافها وتسيطر عليها بالبحث الفاحص ، والحكم الممحص ، ثم لتخرج منها فلسفة جامعة مهذبة ، قوامها روح النظر الاسلامية ، ومادتها كل ما انتجت الاوائل من آراء ، وما سلكت من مذاهب ، ومنهجها التقريب بين كل ما ظنته الاوائل متباعدا ، والتأليف بين ما حسبته متنافرا ، وخاصة فيما بين العقل والعقيدة ، والطبيعة وما بعد الطبيعة .
كان التوجه في هذه الحاجة ، اولا ، الى السريان ، كما هو معروف .
وكان مما يفصل هؤلاء السريان عن الملة ، لسانا وايمانا ، غصة فى أفئدة المتطلعين الى الحكمة ، واثر سيء على ما نقلوا لهم : يبدو فى قصور نقلهم واختلاطه ، وانتحال الكثير منه . وكان المقام الاول في ما نقلوا للرياضيات والطبيعيات ، والذكر العالي لبطليموس وبقراط واقليدس وجاليموس . اما الفلسفة بمعناها الاخص ، فقلما تناولوها ، وقلما احسنوا أداء ما تناولوا منها على ان حاجة روح الحكمة الاسلامية ، فى تفننها وبروزها ، كانت الى الفلسفة النظرية ، ولا سيما الالآهية ، التي سماها الكندي " الفلسفة الاولى " وعرفها بأنها : "علم الحق الاول الذى هو علة كل حق " ، كانت حاجة أشد الى تلك الفلسفة الاولى منها الى الرياضيات والطبيعيات .
ففي هذا الشعور البين ، من الحرج والعوز ، دخل بغداد ، آتيا من البصرة ، فتى عربي ، يعتزي الى نسب واضح شريف ، من أبناء ملوك كندة : هو صاحبنا ، أبو يوسف يعقوب ابن اسحاق ابن الصباح . فاهتز لمقدمه رواد الحكمة ، واعتزوا به وسموه "فيلسوف العرب" قال القاضي صاعد : " ولم يكن فى الاسلام ، من اشتهر عند الناس بعلوم الفلسفة ، حتى سموه فيلسوفا غير يعقوب . " وعلى ما في مولد يعقوب ، ونشأته من غموض ، حتى أن أحدا من مترجميه لم يسم له استاذا ، ولم ينسبه الى مرجع في التحصيل فان وفرة البضاعة الحكمية ، التي علا بها نجمه ، أول عهده دخوله يغداد ، في زمن المأمون ، وقول كثير من مترجميه ، مثل القفطي ، انه "تأدب" ببغداد ، وما نقل عنه من توقفات فى ادراك اسرار من اساليب البيان العربي ، كقصته مع أبي عباس المبرد ، التي أوردها الشيخ عبد القاهر في دلائل الاعجاز وما امتاز به اسلوبه من اجراء تراكيب والفاظ ، وان تكن جارية على القواعد ، فهي نابية من ذوق الاستعمال ، والمجال الذي انفتح للقادحين في نسبه العربي ، وان كانوا قلة من مترجميه ، كل ذلك يفسح مكانا لاحتمال أن تكون نشأته الاولى في بيئة غير عربية ، سريانية يونانية على الاظهر وان تكون تلك النشأة قد حالت بينه وبين متانة المَلَكَة العربية . فلما دخل بغداد ، كانت هي التى صقلت بيانه ، وصححت مَلَكَته . وذلك معنى قولهم : انه تأدب ببغداد . ويكون ما بقى فى اسلوبه من نبوة ، اثرا لكون اخذه العربية كان تعليميا قياسيا .
وايا ما كان ، فان المعرفة الواسعة الشاملة ،، التى امتاز بها الكندي في العلوم القديمة ، هي التي أفادت الحكمة الاسلامية ما كانت قوية التطالع
اليه من استحضار الفلسفة بمذاهبها ، ومناحي آرائها ، وطرائق عرضها وحققت للكندي وصف " فيلسوف العرب" بالمائتين والستة والعشرين مصنفا التى عدها له ابن النديم . فلقد كانت الفلسفة قبله ، زيادة على ما في نقلها من نقص وقصور ، عنصرا غير تام الانسجام مع عناصر الثقافة الاسلامية التى هضم بعضها بعضا فى بغداد . فلما تمكن الكندي من الفلسفة ، واتقن فهمها ، وكان فيها كما يقول الاستاذ دبور " من أهل الترجيح والتخيير " ، اساغها فى الثقافة العربية ، وقربها من روح الحكمة الاسلامية ، حتى سمح لها بأن تبلغ الشأو الذي هي جادة لبلوغه .
وفي هذا تبدو حقيقة من التفاعل : بين الكندي وبغداد ، فيما أفادته البيئة البغدادية من كمال روح العروبة ، وما أثابها عن ذلك بان قلب لها الحكمة اليونانية حكمة عربية ، بالدم ، والروح ، واللغة .
هنالك استساغت الحكمة الاسلامية الفلسفة القديمة ، التى نقلت اليها لتقضي منها حاجتها : من الجمع والبحث والحكم . اذ كان قصور النقلة في الحكمة ، وتقصيرهم فى أدائها ، ذا اثر فى موقف الحيرة ، التي مست الفكرة الدينية الاسلامية ، لاول عهد اتصالها بالفلسفة ، في البصرة ثم في بغداد . فلقد برزت الحكمة الطبيعية ، في العربية ، منبتة عن أصلها مقطوعة عن غايتها ، لمفارقتها النظريات الاساسية للفلسفة العامة . لذلك بدت في النظريات الطبيعية اختلافات كثيرة عن الاصول الاعتقادية ، بالتفكيك بين الطبيعة وما بعد الطبيعة . واصطبغت مسائل الحكمة بصبغة القواعد اللازمة ، والقوانين الحتمية ، اذ ازال عنها سوء النقل صبغتها الاصلية : صبغة النظريات والبحوث . ولعل ما عليه النقلة الاولون ، من بعد عن الملة الاسلامية ، هو الذى كان يحملهم ، زيادة على ما كانوا عليه من قصور الباع ، على ان يتهيبوا نقل نظريات الفلسفة العامة ، وولوج مسائل الفلسفة الالآهية . ولعل ما كانت مؤسسة عليه المدارس النصرانية التي تكونوا فيها ، من منهج ملتزم : للجمع بين الحكمة اليونانية والديانة المسيحية ، وتقلد آراء بعينها من الافلاطونية الحديثة ، هي التي كانت مباني للمقالات الاعتقادية التي يتعصب لها أهل المذهب النسطوري . فكان من ذلك ان احدثت الفلسفة ، على الصورة التي دخلت عليها في أول أمرها محيط التفكير الاسلامي ، رجة عنيفة ، حملت أكثر المسلمين على أن يزوروا عن الفلسفة ، وان يفروا بالدين من مخالطتها ، وان يغلقوا باب
الجدل والتأويل ، حتى لاتعبث الفلسفة بالعقيدة ، وهم السلفيون ، وحملت آخرين من المعتزلة أو المتكلمين ، وهم القلة على ان يعملوا لاخضاع ظواهر العقيدة لتآويل ، تتلاقى بها مع ما كانوا يظنونه قواعد للفلسفة لا محيد عنها . وعلى ذلك تطوحت مذاهب المتكلمين الاولين : من المعتزلة ، حتى أبي الهذيل العلاف ، وأبي اسحاق النظام ، في نظريات اعتقادية ، احدثت ازمة عظيمة ، في روح الحكمة الاسلامية .
فلما طلعت على المسلمين فلسفة الكندي ، بما جمعت ، واحكمت ، ووضحت جاءت ناطقة بأن المتقدمين ، من السلفيين والمتكلمين ، قد كانوا في تصور الفلسفة : مبادئها ومذاهبها ، مأخوذين بالتزام مالا يلزم ، وأن الذين قضوا على الفلسفة بما قضى به عليها أهل السنة او السلفيون : من نبذ ، انما قضوا على صورة من الفلسفة ، ليست صورتها الوحيدة ، اللازمة وانما هي الصورة التي اتفق ان نقلت اليهم ، دون غيرها ، وان الذين هالهم اختلاف ما بينها وبين ظواهر العقيدة ، حتى اولوا العقيدة بها ، انما هالهم أمر هيًن ، لان تلك النظريات التي استسلموا لها ، قد كان وراءها ، من النظر والبحث ، ما وراءها .
ذلك هو الاثر العظيم الذي للكندي : به وسع العنصر الحكمي من ثروة بغداد العقلية وقومه . فمكنها بما وسع وقوم ، من أن تضيف ، الى ما تزخر به من معارف ، دينية وأدبية وعلمية ، معرفة واسعة مدققة ، بالحكمة العقلية وفنونها .
وباضافة هذا العنصر الجديد تأتي للحكمة الاسلامية أن تستكمل ما هي محتاجة اليه ، من الغداء الضروري الذي تستعد به لبروزها المنتظر . فليست الحكمة الاسلامية ، في الحقيقة ، الا علم الكلام : الذي يمهد الطريق لتلاقي العقيدة الاسلامية مع الحكمة ، بايراد الحجج ، ودفع الشبه حتى يقوم منهجا حكميا جديدا ، تكون العقيدة الاسلامية قصد السبيل فيه . ولقد كان الكلام ، الذي قام عليه المعتزلة الى اواخر القرن الثالث ، تجربة غير منتهية الى غايتها . لانه لم يستطع ان يقيم العقيدة فى وجه الحكمة ، الا بما ادخل عليها من تأويل ، أصبحت به العقيدة ، بذاتها ، محل نزاع ، بين منهج السلف ومنهج الخلف . وان الذي اضطرهم الى ذلك ، هو ما في الحكمة ، التي بين أيديهم من اجمال ، وما فيها من اتجاه طبيعي ، ثم ما يعوزها : من مادة الحكمة العقلية والالآهية . فجاء فيلسوفنا الكندى ، يبين
مجملات الحكمة ، ويبسطها ، ويعدل ميلها الى الطبيعة بما أدخل عليها من عناصر الحكمة : العقلية والالآهية ، التي اهتم بها اهتماما لم يسبق به النقلة من قبله .
فكان ، بذلك المهيء لان يجد المتكلمون فى سعة الحكمة ، وحسن عرضها واستقامة منهجها ، ما يرفع عنهم الاصر الذي كانوا فيه ، اذ يمكنهم من البحث والاختيار ، حتى يجدوا أوفق المناهج بما يريدون تعقيده ، والبرهان عليه ، من اصول الديانة . ثم يفسح لهم مجالا لمراس الحكمة ، يتخرجون بعده بملكات كاملة ، يستطيعون بهما ان يخوضوا معارك الانظار ، حتى تكون لهم ، في تلك المعارك ، آراؤهم واحكامهم ، مما لم يسبق اليه الخائضون فى لجج البحث الفلسفي من قبل ، الذين يثني عليهم الكندي بقوله : "كانوا لنا أنسابا وشركاء ، فيما أفادونا من ثمار فكرهم : التى صارت لنا سبلا وآلات مؤدية الى علم كثير مما قصروا عن نيل حقيقته" .
ومن ذلك تأتي للمتكلمين ان يحدثوا ، من الانظار الجديدة ، في أواخر القرن الثالث ، ما امتاز به ابو الحسن الاشعري عن استاذه ابي علي الجبائي، فبدأ يحس بالازورار عن طريقته ، والاختلاف عن أصوله ، حتى انتهى الى تجديد علم الكلام ، تجديدا الف بين الحكمة والعقيدة ، على صورة غير الصورة التى ائتلفتا عليها ، من قبل ، عند المتكلمين الاولين . فلم يبق لطريقة الكلام الاولى ، الا ان تتقاصر امام القوة الجديدة ، التي صالت بها الطريقة الكلامية المحدثة : وهي الطريقة الاشعرية . فان اقدام الاشعري على اختيار مذاهب غير متصورة في الحكمة اليونانية ، مثل ما فعل في مسألة الجوهر الفرد ، او ابتكار نظريات ، غير مقررة من قبل ، مثل ما فعل في مسألة الذات والصفة ، ومسألة الدور والتسلسل ، ومسألة الحركة والسكون ، ونحوها ، حتى توصلت الى ان العقيدة التى كان يراها المعتزلة غير قابلة ، على ما هي عليه ، للاثبات بالبرهان العقلي ، والتي خشى السلفيون من البرهان العقلي ان يمسها فيفسدها هى قابلة لان يبرهن عليها ، وان لايزيدها مساس البرهان العقلي بها ، الا ثباتا لان نظره الجديد ، الى الحكمة التى تستند اليها براهين العقيدة ، غير نظر المعتزلة اليها وعلى هذه الطريقة ، أقام الاشعري منهج العقيدة : فى كتابه " الابانة " ، وعليها درج ، في مناقشة الآيسين من اجتماع العقيدة السلفية ، مع براهين الحكمة : فى كتاب "مقالات الاسلاميين ". ومن هذه الاصول ، تولدت الحكمة الاسلامية ، التى كانت بغداد امها . وهي الحكمة المرتبة على ثلاث درجات ، من المعرفة ، متصاعدة باتصال كل واحدة ، من الدرجات الثلاث
بالتي تليها ، وانبنائها عليها ، بصورة تربط بين الحكمة العقلية العالية ، وبين تفاصيل الاحكام الدينية . فالدرجة الاولى ، علم الكلام ، الذي موضوعه الوجود ويتناول الموجود : بتقسيمه الى موجود جائز ، يشمل كل ما هو موضوع للعلم الطبيعي ، من الجواهر والاعراض ونظريات الفلسفة الطبيعية ، الراجعة الى الحياة والحركة والقوة والهيولى والصورة ، والى موجود واجب ، يرجع اليه مبدأ الموجود الجائز ، باثبات واجب الوجود ، وصفاته وأفعاله : التي منها صدور التكليف عنه بطريق الوحي . ومن هذه النهاية ، التى يقف عندها الكلام وهو الدرجة الاولى ، يبتدىء علم أصول الفقه ، وهو الدرجة الثانية ، فيبحث عن الحكم المتعلق بافعال المكلفين ، وعن حسن الافعال وقبحها ، وما يترتب عليهما من الاباحة والحظر ، وما يتفرع عن الاباحة : : من الصحة والفساد ثم يبحث عن طرق الاستدلال لاستنباط الاحكام الشرعية . ومن هنا تبتدىء الدرجة الثالثة ، وهي علم الفقه ، الذي يتناول تفاصيل الاحكام المستنبطة بالاستدلال .
تلك هي الحكمة الاسلامية المكتملة ، التى نشأت بين أسوار بغداد ، بالامام الاشعري ، وتجلت في كتب القاضي ابي بكر الباقلاني ، وامام الحرمين الجويني ، وقامت عليها المدرسة النظامية ، حتى تولدت منها حكمة الغزالي ، حجة الاسلام ، الذى وضع الفلسفة اليونانية ، بينه وبين ابن رشد ، موضع . النقد والتمحيص ، لاثبات مالا يتنافى منها مع الحكمة الاسلامية ، وطرح ما يتنافى . وبذلك ثبت للحكمة الاسلامية ، وهي حكمة المتكلمين ، الوصف الذي وصفها به محمد اقبال : من انها كانت ثورة على الفلسفة اليونانية ، لاتجديدا لها ، وان هذه الثورة واضحة كل الوضوح في التفكير الفلسفي للاشاعرة . ومن هنالك برزت صبغة الزعامة الثقافية للاسلام ، في تلك السلسلة ، من الرجال الذين كانوا : حكماء ، أصوليين ، فقهاء ، من الباقلاني ، وامام الحرمين ، والغزالي ، وابى بكر ابن العربي ، وابن رشد ، والامام الرازي ، وابن الحاجب ، والبيضاوي ، وعضد الدين الايجي ، والسعد ، والسيد ، وابن خلدون ، والخيالي ، وعبد الحكيم السيالكوتي ، وشاه ولي الله الدهلوي ، ومحمد عبده .
تلك هي المدرسة الحكمية ، البغدادية . وأولئك هم أعلامها . فالحكيم
المطلوب للاسلام ، الذي توقف ظهوره على تكامل عناصر الثقافة ، تكاملا هيولانيا ، حتى تتجلى فيه صورتها ، هو الامام الاشعري ، رئيس تلك المدرسة .
وان هذه المدرسة ، ليخلد ذكرها ذكر الكندي ، وتعلي الاشادة بها منزلته . لانه الذي امدها بالعنصر الاهم ، من العناصر التي تركبت صورتها منها .
وذلك ما يوضح ان بغداد مدينة للكندي ، على نحو قوله في الفاعلة والمنفعلة ، بانفعال لها كان الكندي مصدره وسببه ، وانها بما تلقت عن الكندي ، من انفعال ، قد كانت بغداد علة فاعلة في نشأة الحكمة الاسلامية الكاملة ، التي وان لم تبرز في الكندي قد برزت باثر الكندي . فالكندي معط لبغداد مددا لحكمتها الكاملة ، ولكنه ليس حكيمها ، ولا الاخذ منها مدد حكمته ، الا ما استفاد بأدبها من صقال لعروبته ، ومن بيئتها من نزعة الى حسن وضع الحكمة ، حتى قرب الحكمة القديمة ، من العقل الاسلامي ، على تلك الطريقة التى يصفها : بانها "سبيل قريبة ، سهلة المسالك ، غير ملتبسة المعالم" .

