-2-
١ - الحسبة
كان مما عنى به الامام رحمه الله من الوسائل الفعالة لتدعيم النشاط الديني فى الحجاز ، مشروع ) الحسبة ( . والحسبة فى مجالاتها الواسعة تعطى لرجالها حق السلطة التنفيذية فى حدود معينة كي يتمكنوا من البت فيما يعرض لهم ومما هو فى نطاق صلاحياتهم بصورة مستعجلة تعيد الحق الى نصابه . وقد عرضت لهذا البحث بالتفصيل فى مقال سابق منشور فى مجلة الحج بعنوان : ) الحسبة فى الاسلام ( استوعبت فيه كل ما ذكره المحققون فى هذا الباب
أقول : عني الامام بهذه الناحية ، اذ كانت عصب الدين ومحوره ، وعليها يترتب الفلاح والنجاح ، فأصدر أمره الكريم بعد التفاهم مع أولي الحل والعقد من أهل البلاد بضرورة تكوين جماعة لهذا الغرض مهمتها الدلالة والارشاد . وتوجيه الناس بالحسنى الى ما فيه المصلحة دينا ودنيا . والأخذ على يد السفيه فى عقوبات محدودة معينة وقد كان فعلا تشكيل الهيئة المومأ اليها من شخصيات مشهود لها بالنزاهة والاخلاص وبعد النظر والكفاءة العلمية، وقامت بواجبها خيرقيام، إلا أن الامام رحمه الله؛ رغب فى تعاون أكثر شمولا ، وتناصح أوسع مدى بحيث يتعاون الاهلون ورجال الحسبة على درء المفاسد ، وحفز الهمم ، لتعشق الفضائل واعطاء دروس عملية فى ذلك يخلق فى
النفوس الوازع وتدفع بها الى الخير، فعقد اجتماعا مع علية القوم وسراتهم واصحاب الحل والعقد من كبار الموظفين والعلماء فى غضون شهر المحرم عام الخمسة والخمسين قرئ فيه على الجميع منشور جاء فيه
( .. ويجب أن ننظر فى مسألة الامر بالمعروف والنهى عن المنكر تنفيذا لأمرالله وحفظا له . يجب أن ننظف أنفسنا من الادران ونطهرها من كل الامور المخالفة وندنو الى ما يرضى الله ونخاف عقوبته اذ ليست هناك عقوبة أشد من عقوبة الدين
هذه البلاد يجب أن تكون قدوة صالحة للمسلمين فى كل عمل من أعمالها . . فنحن نطلب المساعدة فى هذا الشان منكم ومن الاهلين ، نريد ان تكونوا اعوانا للحكومة فى هذا الامر ، لانه اذا كان الجميع اتفقوا على درء المفاسد ، سهل العمل . أما اذا كانت اجبارية صعب حلها وطال أمرها وان المساعدة التى نطلبها هى أولا : مساعدة الاهالى . ثانيا : ترتيب طريقة لدرء المفاسد والحيلولة دون الفساد لنتمكن من اقامة الشرع الشريف .. فاذا عملنا هذا قمنا باللازم ، وهذا أهم ما يجب العناية به ، لان الدنيا اذا كثرت خيراتها والدين أهمل فلا فائدة ترجى منها بل هذا أساس البلاء، أما إذا عمر الدين ونفذت أوامره واجتنبت محارمه صلحت الدنيا
( فأنا أرجو أن تفكروا فى طاعة الله ومخافته واتباع سنة رسوله، وأرجو أن تهتموا بالامر اهتماما شديدا . فبأصلاح هذه المسألة يصلح كل شيء )
ثم قار القرار على تشكيل هيئة أخرى تدعي هيئة الامناء ينتخب أعضاؤها من كافة محلات مكة تتعاون مع هيئة الامر بالمعروف فى تنفيذ رغبة الامام ، ونجحت الفكرة حيث أصبح التعاون مبذولا من قبل هيئة الامناء عن وازع نفسي وغيرة على الدين وانتصار لمحارم الله .
٢ - القضاء
أما الخطوة الثانية التى خطاها الامام تدعيما لنشاط الحركة فهى العناية بأمر القضاء حيث أمر بتشكيل هيئة مراقبة القضاء فى عام الاربعة والأربعين برئاسة الشيخ عبد الله
ابن بلهيد رحمه الله ؛ كما أمر بتشكيل المحكمة الكبرى من رئيس وثلاثة أعضاء وموظفين كتابيين اختص قسم منهم بكتابة الفتوى، فانتظمت بذلك المعاملات الشرعية، وتوحدت طريقة الاحكام اذ جعل المذهب الحنبلى هو مدار الحكم والمرجع فى تدقيق القضايا فقضى بذلك على الفوضى والتفرقه والطرق الملتوية التى كان يعمد اليها بعض ارباب القضايا والمحامين فيطول أمد المحاكمة وتتشعب القضايا وتتعقد
ثم فى الاجتماع الذى عقده الامام ونوهت عنه آنفا عرض لموضوع اصلاح القضاء وطلب اتخاذ قرارات حاسمة تقضي على البقية من التلاعب الذي ينجم عنه تطويل القضايا واستغراق مدد طويلة فى المرافعات مما يلحق الضرر بارباب الحقوق وجاء فى المنشور المار ذكره ما يأتى :
(ثم هناك مسألة أخرى تهمنى كثيرا لأنها من أسس الدين ومصالح المسلمين وهي مسألة القضاء )الحكم الشرعى( فأنى أرى أمورا تحدث، يخجل منها الانسان ( هنا لك التعطيل والتقصير الواقع بسبب كثرة الاختلافات فى الدعاوى . فنحن نطلب النظر فى هذه الامور وحلها . . وبينكم من هو من أهل الدين ؛ ومن أهل الرأى، واذا أردتم أن نزيد كم من أهل العلم فاطلبوا
( فى المحكمة قضايا مضت عليها سنتان أو ثلاث وهى واقفة معطلة . وهذا أمر مشكل، ومن رأيى انتخاب هيئة من العلماء للنظر فى هذه القضايا والبت فى أمرها بتا نهائيا . . ثم مسألة الشهود والقدح فيهم . . وهذا واقع واشتكى منه القضاة ، وهذا أمر مشكل، فالانسان الذي يصنع القبيح ويثبت عليه ذلك يقام عليه الحد . وكذلك ينظر فى القدح الذى يقال . . فأذا صح أقيم الحد على المقدوح فيه، واذا لم يثبت يجازى المفتري، والحقيقة أن الكثير من الدعاوى تأخر أمره لهذا السبب
( هذه الامور فى الحقيقة هى من أساس الدين فاذا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر واصلحنا المحاكم هانت الامور واستقامت الاحوال)
٣ - الامامة
الخطوة الثالثة لهذا النشاط الدينى، توحيد الأمامة فى المسجد الحرام، فلقد كان لكل مقام من المقامات الأربعة المسماة باسماء الائمة رحمهم الله جملة من الائمة. وتقام لكل صلاة أربع جماعات متعاقبة عدى المغرب فتقام له جماعتان.. وبدهي أن ذلك مظهر للفرقة عدى أنه حافز للتعصب المذهبي، إذ إن كل مذهب يفضل ان يؤدي الفريضة خلف الأمام المنصوب المنتسب لمذهبه. فقضى الامام على هذه الظاهرة بتوحيد الامامة، فكنت اذا دخلت المسجد الحرام يثلج صدرك أن ترى مظهر الوحدة الأسلامية متجليا فى توحيد الجماعة خلف امام واحد مما يعيد الى ذهنك ماضى الأسلام المجيد فى أزهى عصور السلف رضوان الله عليهم اجمعين، وقد أخذ سماحة رئيس القضاة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ على عاتقه مهمة الاضطلاع بأعباء الأمامة والخطابة فى المسجد الحرام ردحا من الزمان بمعاونة الشيخ حمد الخطيب أحد علماء نجد الأفاضل رحمه الله، الى ان قر قرار الأمام على استقدام فضيلة امام الحرم السابق الشيخ عبد الظاهر بن أبى السمح رحمه الله، لما شهر به من سعة العلم والدعوة السلفية فى ارض الكنانة ولحسن ادائه لتلاوة كتاب الله وتجويده ورخامة صوته وكل ذلك مما يتطلبه مركز الامامة الخطير، وثمة هدف آخر لاختيار فضيلة ابى السمح للأمامة وهو التدليل الفعلي من قبل الأمام للناس جميعا أن عباد الله فى هذا الدين سواء، وانه )اي الأمام( لا يتعصب لفريق دون آخر، فمن اعتقد عقيدة السلف الصالح ودعا اليها وعمل بمقتضى دعوته فهو القريب منه والحبيب اليه لا تبعده جنسيته او يؤخره نسبه، فالمصري والسوداني والحجازي والنجدى واليمنى وغيرهم من الاجناس كل اولئك فى نظره سواسية كأسنان المشط اذا صلحوا وحسن معتقدهم وطابت دعوتهم وكثيرا ما صرح رحمه الله للملأ فى مجالسه العامة بهذا الشعور الذى يحمله للناس جميعا وهذا المبدأ الذى يحتضنه
٤ - التدريس
الخطوة الربعة فى هذه السبيل عناية الامام بالتدريس فى المسجد الحرام ، وأمره بتشكيل هيئة لمراقبة التدريس وتوجيهه واعطاء الرخص للمدرسين وتعيينهم والاشراف عليهم وضبط دوامهم وتقرير كتب التدريس وغير ذلك مما له علاقة بهذا الموضوع
ويرأس هذه الهيئة رئيس هيئة مراقبة القضاء أى رئيس القضاة اذ كان لقبه اذ ذاك "رئيس هيئة مراقبة القضاء والمدرسين". وقد نظمت هذه الخطوة سير التدريس فى المسجد الحرام وهيمن بها المسؤولون على اتجاهاته وتمكنوا من تقرير الصالح، ورفض الغث والتافه
وعني الامام فى هذه الناحية ايضا بأمر المطوفين اذ كانوا السواد الاعظم بين المجموع، وهم اكثر احتكا كا من غيرهم بالحجاج وفود بيت الله، أى إنهم أنموذج لسكان بلد الله الحرام، ومن حق هذا الأنموذج أن يكون مثاليا بنسبة ما يحمل من مسؤلية الدعاية للبلد واهله فأمر الأمام بتعيين نخبة من مدرسى الحرم لتثقيف المطوفين وتوجيههم التوجيه الصالح وتدريسهم العقيدة وشيئا من علوم الدين وخاصة ما له صلة بمهمتهم، أقصد المناسك، ونجحت هذه الخطوة أيما نجاح، وبدت آثارها ملحوظة فى مواسم الحج، حيث كان المطوفون يوجهون الحجاج توجيها مؤسسا على العلم والمعرفة
٥ - التعليم
الخطوة الخامسة لهذا النشاط اصلاح حال التعليم فى المدارس . . وبدأ الأمام هذه الخطوة بزياراته الشخصية للمدارس الاهلية وحتى الكتاتيب البدائية فى مقراتها المتواضعة، ليتعرف بنفسه مدى النشاط التعليمي واقبال الطلبة على العلم، وليضع على ضوء ذلك منهج الأصلاح. وقد تفضل رحمه الله، فمنح الطلبة والهيئات التعليمية بعموم المدارس هبات سخية من دراهم وارزاق كان لها الاثر الطيب فى نفوس المعلمين والمتعلمين . . وعندما تشكل أول مجلس للشورى بمكة كان من اهدافه النظر فى شؤون
التعليم، تنفيذا لرغبة الأمام .. ثم أمر بتشكيل مديرية للمعارف تحمل على عاتقها مسؤولية التعليم وتضع له البرامج اللازمة وتتدرج به قدما، فافتتحت المديرية منذ عام الاربعة والأربعين جملة من المدارس الحكومية فى مكة كما افتتحت ايضا المعهد العلمى اول مرة عام الخمسة والأربعين تحت ادارة الأستاذ بهجة البيطار وبمعاونة فريق من الأساتذة السوريين، غير ان الاقبال على هذا المعهد بادئ ذى بدء كبيرا شان كل مشروع فى اوله وبمضى الأيام وتشجيع الأمام فى تقرير معاونات مالية للطلبة أصبح الاقبال عليه عظيما وجنت البلاد ثمرته حيث تخرج منه فريق من المتعلمين ساهموا فى توجيه الحركة العلمية ونشطت حركة التأليف المدرسي لسد حاجة المدارس الأولية من الكتب السهلة البسيطة فى العقيدة والعلوم العربية وغيرها فكان الطالب الصغير لا يعاني مجهودا كبيرا فى تعرف اساليب الكتب التى بين يديه اذ كانت فى مستواه بعيدة عن التعقيد والاصطلاحات العميقة ولم يمض على تأسيس المعارف ربع قرن حتى كانت المدارس مبثوثة فى عموم الحجاز بل فى سائر انحاء المملكة حواضرها وقراها. أولية وقروية وثانوية، وارتفع التعليم الى درجة عالية وخاصة فى الناحية الدينية فأصبحت كلية الشريعة بمكة ودار التوحيد بالطائف . تخرج القضاة المرشدين بما سد فراغا فى هذه الناحية. وشهدت البلاد جموعا من الأساتذة المصريين
طيبين وابتعثت البعوث الى الخارج للتزود من حياض العلم محاولة فى اصلاح التعليم وانعاش مشروعه
وتتقدم به الى الا مام ، اشواطا بعيدة
ولم يكن النشاط الديني قاصرا على حواضر المدن في الحجاز بل لقد شمل البادية فى نطاق واسع حيث كان الأمام يوالى بعث طلبة العلم فى كل القرى بتعليم البادية مبادئ الدين وأركانه وحثهم على أداء الشعائر بصورة منظمة . . ولقد كان الجهل بأمور الدين الأولية فى البادية متفشيا لأبعد مدى ، فهداهم الله بهذه المحاولة وطرق الأرشاد الحصيفة ، واخرجهم من غمرة الجهل الدامس الى نور العلم واليقين
بهذه الخطوات الموفقة نجحت حركة الأصلاح وبهذا النشاط الديني الغامر تبدل
الحال وحسن المآل فنشأ جيل مصطبغ بهذه الصبغة الدينية الصالحة وتوالى الكفاح ضد اى منازع يناهض هذا النشاط ، وضد اية دعوة مبطلة فاشلة تقوم فى وجهه وتنازعه وذلك اثر من اثار الامام الطيبة فى هذه البلاد، وتلك يد سابغة سجلها له التاريخ بمداد من نور فى صفحات الخالدين
نسأل الله تعالى ان يجزيه عليها جزاء المحسنين. ويمد سليله الملك المصلح " سعودا " بمزيد الفضل وجزيل النفحات وعظيم النعمة كي يسير على المنهج، ويترسم الخطى ، ففيه العزاء، وعليه بعد الله تعقد الآمال .

