اتسعت رقعة " الحكم الاسلامى ، أيما اتساع ، وغدا له كيان عظيم فى العالم . ثم فكر المسلمون فى الشؤون التجارية تفكيرا جديا ، فسافرت قوافل الى الصين ، وملايـ وسماطرة . وجلبوا منها النباتات الطبية ، والاعشاب والعقاقير اللازمة لصناعة المستحضرات والادوية ، واضافوا الى الطب الاسلامى وصفات الشربات القوية والمصفية للدم وعرق اللحم المقطر ، والمعاجين المقوية ، والأدوية التى يدخل فى تركيبها خلاصة الذهب واللؤلؤ . . والتى تعيد الى الجسم قوته ونضارته وحيويته .
واهتم المسلمون - فى ذلك العهد الزاهر - بعلم الكيمياء بجانب اهتمامهم بعلم الطب . واستطاعوا تركيب أدوية كثيرة تركيبا كيمائيا منها " الطوطيا الزرقاء " و . . هيراكسيس ، . الطوطيا البيضاء ، " والمروخ الموسوي ، ومركبات السنا وغيرها ، وكانوا يصفون لمرضاهم ، فى كثير من الحالات ، العنبر ، والكافور ، والقرنفل والزئبق ، والصندل ، وعقاقير أخرى لا تسعفنى الذاكرة بسردها فى هذا المقال .
ولم تقتصر جهود المسلمين على اكتشافات الادوية والنباتات . . بل تعدت الى ابعد من ذلك بكثير . . فقد اقاموا مستشفيات فى بغداد ، ودمشق ، والقاهرة كانت بمثابة معاهد لتدريس الطب تحت اشراف اساتذة فطاحل نبغوا فيه ، وأشاعوا هذا الفن بين بني قومه .
وها هى أمامنا المساهد الاسلامية التى أنشئت فى اسبانيا فى العهدين ، الاموى والعباسي ، لا زالت آثارها تحبر ألباب رجال الطب الغريبين الذين يقفون مدهوشين امام ذلك النبوغ العربي ، والفطنة العربية ، والجهود الجبارة التى بذلوها في عصر لم يكن فيه ، من الامكانيات " الصناعية ما يساعدهم على التوغل في " اغوار " البحث والاستقصاء بقدر ما هى موجودة فى هذا العصر ، عصر الآلة والكهرباء !
ويمكننى ان اجاهر هنا بأن نظام الطب اليوناني الذى راج وشاع فى عصر ارسطو وافلاطون ، أى من عام ٥٠٠ الى ٢٠٠٠ قبل ميلاد المسيح ، لم يكن إلا عشر معشار "الطب الاسلامى " الذى كان قد انتشر فى الممالك الأسلامية بين عام ٩٠٠ و ١٢٠٠ م فقد نهض الطب أقصد - الطب الأسلامى- نهضة ملموسة فى ذلك الوقت اعترفت بها كتب التاريخ . بصفة خاصة ، هذا الموضوع .
وقد ذكر المستر كمستن مدرس تاريخ الظب فى احدى الجامعات السويسرية فى كتابه الذى وضعه فى عام ١٩٢٦ باسم " تعريف عن تاريخ الطب " ما نصه : " كان يقال الى عهد قريب ان العرب كانوا مقلدين للأغريق ، وانهم سعوا فى وضع العراقيل فى سبيل نهضة الطب ولكن الواقع غير ذلك فأن العرب عملوا المستحيل لأنهاض " فن الطب " وأشاعته في افاق العالم فى ذلك الحين . إن العرب لم يحفظوا تراث اليونان العلمى والأدبي من الاندثار فحسب . . بل سعوا لخلق ذوق علمى لاستساغة ما وضعه اليونانيون من المعرفة والعلم فى مؤلفاتهم وكتبهم ولتحبيب علومهم وتقريبها الى اذهان الناس بعد ان قاموا بتقريب جانب كبير من تراثهم العلمى . ولو ان العرب اكتفوا بجمع كتب الأغريق العلمية ونقلها الى الغرب لقد كان كافيا لفخرهم واعتزازهم بهذا العمل المجيد ، ولكنهم فعلوا اكثر من ذلك فقد وضعوا تصانيف علمية ، ومؤلفات طبية ، وكتبا أدبية وتازخية " : هذا ما يقوله أحد الغربيين لأثبات حقيقة علمية حتى لا يهضم حق العرب فى مضمار العلم ، وفسحة التاريخ .
وعندما مات الاسكندر اليوناني فى سنة ٣٢٣ قبل الميلاد حدث تغيير كبير في السياسة كان له أثر واضح فى اضمحلال العلوم والفنون عند اليونان . . فقد ظهرت آثار " التأخر " واضحة بعد ذلك
اما المسلمون فقد بلغوا ذروة المجد العلمى منذ عام ٧٥٠ م وتربعوا على عرش " النهضة العلمية " من ذلك التاريخ وبعبارة اخرى أوجدوا " روح الأنعاش " فى " هيكل " المعرفة بعد الف سنة من وفاة الاسكندر . وبعد أن حدثت تطورات خطيرة وانقلابات . تاريخية على هذا الكوكب المستدير خلال تلك المدة الطويلة كان من آثارها أن أوشكت آثار الأمم الاخرى وعلومها على الانزواء والاختفاء
وهناك كتاب على آخر . وضعه المستر " فراسنجتن " أطلق عليه : " علوم الأغريق ماذا ندرك منها" ، وقد اثبت فيه أنه لولا جهود العرب في القرن الثامن الميلادى لنشر التراث العلمى - وبالأخص الأغريقي - لكنا اليوم فى متاهة عجيبة مغمورة فى خيرة من امرنا . . وان العرب لهم الفضل الاكبر فيما وصل إليه الغرب من التقدم والتحضر في هذا العصر عن طريق تلك المؤلفات العلمية القيمة التى ترجمها وفحصها ونقحها البحاثة العرب الأماجد وقدموها " هدية فاخرة " للانسانية جمعاء . ولكن العرب كان أسبق من غيره الى الاستفادة بتلك الهدية استمادة تامة جعلته فى المقدمة - يتبع -

