طلب منى الاستاذ عبد القدوس الانصارى صاحب مجلة المنهل ورئيس تحريرها كلمة ينشرها فى منهله الاغر فما وسعنى الا ان اجيب رغبته تقديرا لجهوده الطيبة ولمجهوده الادبى الخالص الذي يستحق الثناء والتنويه بمزايا هذه المجلة الفتية التى تسابق عمرها بما تظهره للقراء في صفحاتها المليئة بالمفيد والرائ من المقالات العامرة بالفكرة الجيدة والاسلوب الرصين ، ولئن جاءت كلمتى هذه مقتضبة الا انى اعتقد ان فيها الكفاية من العبرة والنصح للشباب الذى ارجو ان يهيئ نفسه للمستقبل بالعلم المفيد والاخلاق الفاضلة والاعمال المجيدة الخالدة
لا يصلح آخر هذه الامة الا بما صلح به أولها
لقد شع النور المحمدى من هذه البلاد المقدسة ، البلاد التى اختارها الله دون غيرها من البلاد لتكون مصدر النور ومنبثق الهدى بالقرآن الكريم والسنة السمحة ، حتى سرى هذا النور الى ان بلغ الخافقين وعم المشرقين فى مدة لا تتتجاوز القرن ، وما ذلك غير سر إعجاز القران الكريم مصدر هذا النور والهدى والذى فيه شفاء للناس وهدى ورحمة للعالمين ، ولانه فى تعاليمه يصلح لكل زمان ومكان ، فكان المسلمون الاولون يفقهون هذه التعاليم ويعملون . بها فما فتحوا بلدا أواتصلوا بغيرهم من الامم سواء كان ذلك الاتصال بالفتوح والارتحال حتى يبثوا هذه التعاليم وينشروا هذه الدعوة بالاسلام واعتناق الدين الحنيف ، وكان المسلمون انفسهم ، خير مثل صادق لاتباع هذه التعاليم والسير على منهاجها بالصدق والاخلاص ، فكانت الدعوة خالصة لله لا تحتاج إلى
تنميق ، أو تزويق ، اوتدجيل ومن من الناس يسمع بها ، اويرى صدق اثرها فى القائمين بها والداعين لها ولا يعتنقها ! ؟
هكذا كان المسلمون ، وهكذا يجب ان يكون عليه المسلمون اليوم وفى الغد ، لان الدعوة الى الدين واتباع السنة لا تقوم بالاقوال مالم تكن واضحة فى الأعمال والافعال الجليلة ثابتة قوية في شخصية المسلم يعمل بها اولا ثم يدعوها ثانيا ، وان من ابرز هذه الصفات وهذه الاعمال وان كانت لا تحصى السلام والمحبة والأيثار والرحمة ، والرأفة والتواضع ، والتضحية ، والصدق والنصح والشجاعة والصبر والعزة والعزيمة والعفة والامانة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع عن الدين والمحارم ، والاستعداد للعدو وغير ذلك من مكارم الاخلاق والافعال
وأيما مسلم دعا الى الله والدين الحنيف والتمسك بما امرالله ونبذ مانهى عنه وهو غير كف لهذه الدعوة كان يعتوره النقص فى اخلاقه واعماله لا يسمع منه ولا ينصت له وربما كانت دعوته سببا فى اصرار بعض الناس على التمادى فى المعصية وارتكاب ما نهى عنه عناد او اصرارا لهذا الداعية الغاش المخادع .
ولقد كان من اهم اسباب ضعف الدعوة الاسلامية نقل الخلافة او الملك الى خارج الجزيرة واختلاط المسلمين بكثير من الاجناس المتباينة ، ومعاشرة تلك الاجناس ، ومشاكلتهم فى كثير من العادات السيئة كالترف ، والتبذخ والأسراف ، وماتجر هذه الصفات من عواقب هى اشد سوء على الاسلام والمسلمين كضعف الدين ، وعدم المبالاة بالمحرمات ، حتى اخذ ذلك الشعاع يتضاءل شيئا فشيئا فصار كثير من المسلمين برتكبون مخالفة الدين علنا ففشت فيهم سيئات الاخلاق ، ومفسدات العادات كالتناكر ، والبغضاء ، والقطيعة والتنابذ بالالقاب ، والغلظة وحب الآثرة ، والغش والحقد والحسد ، والنميمة والكذب والجبن والذلة والمسكنة والنفاق والظلم ، والاغتصاب ، والتبذير والبذخ والاسراف ، حتى اختلفوا وصاروا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون فتركوا الدفاع عن النفس والعرض والمال ، فذهبت ريحهم ، وتداعت عليهم
الامم لا عن قلة فى عددهم بل لانهم اصبحوا غثاء كغثاء السيل . كما انذر بذلك عليه الصلاة والسلام نعم خبا ذلك النور وضعف قرونا طوالا ، وان كان يظهر احيانا ليؤدى رسالته ثم يخبو تارة اخرى . ولما كان الله جلت قدرته هو الذي انزل الذكر وكفل حفظه ابقى الجزيرة معقلا للدين ومارزا للاسلام ، الى حين تقوم قومتها الثانية لأداء الرسالة واسماع صوت الحق الى العالم اجمع ، فانا نأمل ان شاء الله ان يكون هذا الزمن هو الزمن الذي اختاره الله لنهوض الجزيرة وقيامها لاداء رسالتها العالية تحت رعاية جامع كلمة العرب صاحب الجلالة الملك المعظم " عبد العزيز الاول " وانا نتفاءل بالخير وقد ظهرت اليوم فى العرب بوادر الاحساس بالنهوض والمسؤولية والشعور باليقظة بين سائر الشعوب الحية . واني اهيب برجالات هذا البلد المقدس وشبابه ان يكونوا خير مثل ، فى اطهر بلد ، واحسن قدوة فى اكرم امة ، فأن العالم أجمع ينظر اليهم بعين الا كبار والاجلال فيرقب فيهم كل نبل وكل امر جميل فى الاعمال والاخلاق " فيجب ان يتحلوا بمكارم الاخلاق ويتخلوا عن رذائل الاعمال والصفات ، وان يتمسكوا بالدين ويقتدوا بسنة خير المرسلين ، وبذلك يفوزون فى الدارين كما قال تعالى " كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " . " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله الآية ) وان تتولو يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا امثالكم (

