الاستاذ البشير بن سلامة :
هل ان ما يحتاج الساحة العربية اليوم من نكبات وهزائم له صلة بهزيمة الفكر العربي وبكلمة أوضح وأدق يمكن لنا أن نقول : هل ان كل ما قام به العرب منذ بدء النهضة لم يثمر الثمرة المرجوة ؟ فهل هذا صحيح أم هو تجن على الفكر العربي وعلى الجهود العربية التى عملت على الخروج من السطو الاستعمارى ؟
الدكتور غالي شكري :
الواقع هناك هزيمة ويمكن لنا ان نسميها هزيمة الهزائم . هي الهزيمة الشاملة والحذرية . ولكى نكون صادقين ولو مرة واحدة مع شعوبنا لا بد لنا من الاعتراف بهذه الهزيمة المروعة التى بدأت حسب ظني عام 1967 وتوجت بشكل فادح وفظيع فى يونيو . فالاحداث التى وقعت فى لبنان أو ما سمي بالحرب الخامسة ليست مجرد أحداث عسكرية وانما تمثل حدثا فكريا جسم هذه الهزيمة . انها ليست هزيمة عسكرية وانما هى هزيمة حضارية شاملة هذه الهزيمة وجدت قبل 67 ولكن 67 أفسح لها المجال . وللاسف إننا لم نغتنم فرصة 15 سنة لتقصى أسباب هذه الهزيمة لنعمل على تجاوزها . ولكى نكون موضوعين اكثر نقول إنها هزيمة الفكر أو هزيمة النظم العربية المعاصر وهي أيضا هزيمة للتيارات السائدة فى الفكر العربى المعاصر . لكن لا يمكن لنا أن نتهم الفكر العربي وتحمله مسؤولية هذه الهزيمة بل ونحمل المسؤولية الانظمة العربية السائدة . فالفكر العربى هو مصطلح عام جدا يحتمل أشياء عديدة ، فهناك أفكار لم تتح لها فرصة الظهور فهذه الافكار لم تهزم وانما كبتت ، وهناك أفكار قبرت وأخرى لم يفصح عنها أصحابها والسبب فى ذلك هو غياب الديموقراطية فى الأنظمة العربية .
ومن الحقائق أيضا ان هنالك فوضى فظيعة فيما يمكن تسميته بفكر الشعب . فهل أن فكر الشعب هو الفكر الذي تحمله منظمات سياسية معينة ؟ هل هو فكر أفراد معينين ؟ أم هو فكر الفلاح ؟ الذي لم يستطع أحد أن يعبر عن مهما كتب حوله من الروايات والقصص والاشعار ؟ الواقع ان فكر الشعب لا نستطيع أن نضع أيدينا عليه تماما لان هناك فكرا سائدا منذ مجيء الناصرية وهو ما يسمى بالفكر القومى العربى
الاستاذ البشير بن سلامة :
هل ان هذه التيارات التى سنتحدث عنها هى نتيجة النهضه ؟ كما لابد لنا ان نتساءل أيضا : هل إن هذه النهضة لم تترعرع فى شئ من الديمقراطية خاصة أنك ذكرت أن غياب الديموقراطية هو أحد الاسباب التى أوجدت هذه الهزيمة ؛ هل أن هذه التيارات التى ظهرت اثر الحرب العالمية الثانية لم توجد الابام الاولى للنهضة وطيلة النصف الاول من القرن العشرين ؟ فاذا اعتقدنا ان هذه النهضة بلغت أوجها وآتت أكلها فلماذا أفرزت هذه التيارات التى حكمنا على أكثرها بالافلاس ؟
الدكتور غالي شكري :
في الواقع حين ذكرت الناصرية انما قصدت بالضبط آخر مراحل ما يسمى بالنهضة أو بالمعادلة التى وضعها المفكرون العرب منذ القرن الماضى كرفاعة الطهطاوى وخبر الدين التونسي ومحمد عبده وبعض المسيحيين اللبنانيين كبطرس البستاني وغيرهم على مدى 150 سنة . هذه المعادلة تتكون مما يسمى بالتراث والعصر أو الاصالة والمعاصرة أو الاسلام والغرب الى غيرها من التسميات
الاستاذ البشير بن سلامة :
يعنى : الاصالة والتفتح
الدكتور غالي شكري
بالضبط . المقصود منها التوفيق بين الماضى التليد الخاص بالعرب وبالسلمين والجديد الموجود فى الحضارة الغربية . والواقع ان هذا التوفيق نصفه بأنه توفيق كمي ، وتوفيق ساكن يعنى ليس تركيبيا ، فلم يحدث اى تركيب على الاطلاق .
ما هي العلاقة بين الاسلام والغرب ؟ ما هى العلاقة بين التراث والعصر ؟ هذه الاسئلة لم تحدث اطلاقا وانما حدث نوع من المصالحة بين ما نتصوره انه ذاتنا القومية وبين حضارة في الغرب والمقصود بهذه الحضارة الغربية الجانب التكنولوجي لوح فقط . هذه المصالحة تتمثل فى تحضير الاسلام لتقبل التكنولوجيا الغربية . وهذه المعادلة سقطت عدة مرات فى تاريخنا خلال المائة وخمسين سنة . لكن كان سقوطها نهائيا فى المرحلة الناصرية ذات الصوت القومى
العربى القائل بأن هناك غربا وهناك تراثا . وهذه المعادلة سقطت أيضا سنة I967 سقوطا كاملا . والحقيقة أن فى انفصال مصر وسوريا دليلا على أن هناك عناصر تركيبية فى المعادلة غير موجودة ولم يقع اكتشافها .
الاستاذ البشير بن سلامة :
كيف سقطت هذه المعادلة فى المرة الاولى ؟
الدكتور غالي شكري :
حدث السقوط الاول مبكرا جدا وبالضبط فى دولة محمد علي يعنى سنة I840 . لم تكن غاية محمد علي تحديث مصر فقط بل أراد تحديث دولة عربية متكونة من مصر وسوريا ولبنان والحجاز الخ . بالتالى حدث هذا السقوط ، ثم دخلنا فى مرحلة عصيبة جدا انتهت باحتلال مصر وتونس سنة I881 واثر ذلك احتل المشرق والمغرب فتغيرت المعادلة . لماذا سقطت هذه المعادلة ؟ لانها لم تكن معادلة تركيبية . كانت معادلة كمية توفيقية ساكنة لم يكن فيها أى جدل على الاطلاق .
ما هو الاسلام ؟ ما هو التراث ؟ لم يجب الرواد اجابة تفصيلية عن هذه النقطة . ثم أن هؤلاء الرواد لم يستطيعوا أن يعطوا لنا أيضا مفهوم الغرب : هل مجرد الطائرة والسيارة الخ ..؟ أم هل هو بلزاك وايميل زولا وديستوفسكى وشيسبير وغيرهم ؟
الدكتور الطاهر لبيب :
فى السؤال الذى طرحه الاستاذ البشير بن سلامة أثار فيه قضايا أساسية وخاصة قضية المعادلة التى تحتاج الى تعميق ونقاش . هاته المعادلة التى تحتاج الى نقاش هى العلاقة بين النهضة والهزيمة اذ لاحظت ان هناك مقارنة وربطا بينهما وباختصار يمكن أن يقال بأن هناك نهضة مهزومة . فلا بد لنا من تحديد مفهوم النهضة والى تحديد مفهوم الهزيمة . أما رأيى فى هذا الموضوع فهو :
أولا النهضة : اعتقد أنه من الصعب الحديث عن النهضة بشكل عام لان هذه النهضة والتى قد تكون فكرية قد لا تكون بالضرورة نهضة اجتماعية سياسية . وأعتقد أن النهضة العربية كانت بداية سقوط المجتمع العربى ان تجربة محمد علي كانت فاشلة لانها نشأت فى ارهاصات الامبريالية العالمية بمعناها العام الاقتصادى والثقافى والفكرى والسياسى الى غير ذلك . ففى رأيى أن النهضة لا يمكن أن تكون شاملة ، هناك نهضة فكرية هذا مما لا شك
فيه اذ تبلورت مقولات كثيرة قد نعجب أحيانا أنها لا تزال الى اليوم وما زلنا نرددها الى اليوم ، ومن هذه الوجهة فان الفكر العربى فى مجمله لم يتجاوز الفكر النهضوى أو على الاقل لم يتجاوز الجانب الطوبائى أى الجانب الذى يحلم به والذى كان موجودا عند رواد النهضة ، فعلى سبيل المثال عندما اقرآ لشلبى شميل فأجد أن ما قاله فى بداية هذا القرن لا يزال موجودا الى اليوم وما زلنا نردده بصيغ مختلفة ولكن ما زالت المأساة العربية موجودة بهذا الشكل تقريبا . فالذى أريد أن أصل اليه هو أن فى النهضة مستويات . ففى المستوى الفكرى أعتقد أن النهضة العربية ما زالت مشروعا لم ينجز وأنا شخصيا ككل مثقف لست مستعدا للتخلى عن الفكر النهضوى ولو عبر أزمات ، وهذا الفكر النهضوى هو تراكمات من الجهد الفكرى ومن المقولات ومن الاشكاليات من الاطروحات والحلول فكل هذه المظاهر الفكرية لم تنجز تاريخيا لظروف خارجة عن الفكر - وهذا أيضا فى حاجة إلى مناقشة - لان الاشكاليه ليست اشكالية فكرية بحت بل هى اشكالية اجتماعية وبالتالى يمكن لنا طرح هذا السؤال : هل وازن النهضة الفكرية نهضة اجتماعية وسياسية ؟ وبصراحة انا لا أعتقد ذلك رغم أن الوطن العربى فى هذه الفترات تحرر بكامله من الاستعمار . لكن هذه النهضة ولوجود معادلات مختلفة من نوع المعاصرة والاصالة ومن نوع التحديث الى غيرها من المعادلات أقحمت المجتمع العربى فى نظام عالمى فأصبح من المستحيل عليه انجاز مشاريع اجتماعية وسياسية توازى أو تناسب الفكر أو النهضة الفكرية .
ومن جملة أخطاء النهضة أيضا - وهذا له انعكاسات اجتماعية - أنها أعطت للفكر الغربى بعدا كونيا وجعلت أصحاب المشاريع يعتقدون بأن التحديث على الطريقة الغربية هو تحديث صالح بالضرورة لهذه المجتمعات . اذن هذا مجرد احتراز حول مفهوم النهضة . أما مفهوم الهزيمة فيجب أن نحترز فيه أيضا لان مفهوم الهزيمة يغطى عادة أسباب الهزيمة وما وراء الهزيمة ولان مفهوم الهزيمة مفهوم ظرفى أساسا عسكرى سياسى ويغطى ما هو بنيوى أى يغطى الهزيمة البنيوية ولذلك أنا أوافق تماما الدكتور غالي شكري عندما يقول بأن الهزيمة موجودة قبل 67 ، وكما قلت منذ حين : إن بذور الهزيمة موجودة فى النهضة نفسها . فالنهضة العربية منذ بدايتها كانت نهضة مهزومة اجتماعيا سياسيا . وكما ذكرت أيضا : إن الهزيمة تخلط مفهوم الهزيمة تخلط بين ما هو مهزوم وبين ما هو منتصر ، فهناك فكر مهزوم وفكر انهزامى تنصره الهزيمة ولكن هناك أيضا فكرا منتصرا . نحن العرب نحاول أن نستفيد من الهزيمة
لكن مشكلتنا أننا لا نستفيد لا من الهزيمة ولا من الانتصارات . ولكن بالرغم من أن سنة 67 تمثل هزيمة نكراء لكننا لا ننسى أن سنة 67 انتجت فكرا عربيا متقدما وأن آخر قلعة من قلعات هذا الفكر هو الفكر الفلسطينى نفسه الذى أنتج ابداعا وتحليلا نظريا ومقولات وصيغا جديدة فى التحليل وفى الرؤية التى كانت هى أيضا تابعة للهزيمة . فلا يمكن - وخاصة للمثقفين - أن تستغل الهزيمة وايديولوجيا الهزيمة لاتهام كل الفكر العربى وكل التيارات الفكرية العربية التى منها من تنبأ بالهزيمة ومنها من حلل الهزيمة ومنها من خرج من الهزيمة ومنها من اضطهد وسط الهزيمة .
فكرة أخيرة فيما يخص الهزيمة والفكر العربى المهزوم : ان الفكر العربى المهزوم والذى نتحدث عنه اليوم ليس بالضرورة انهزاميا ، فهناك فكر متقدم ولكنه هزم سنة 67 وأعتقد أنه هزم أكثر فى سنة 73 . فأنا أعتقد أن سنة 73 رغم ما فيها من انتصارات عسكرية وسياسية هى سنة هزم فيها الفكر العربى اذ أنه ضرب باسم الانتصار .
الاستاذ البشير بن سلامة :
أعتقد - كما قلتم - أن الهزيمة موجودة من الاول فى النهضة لأن - كما قال الدكتور طاهر لبيب - زعماء النهضة لم يكن رائدهم الا التفكير والفكر النظرى الذى لا يعتمد على الواقع أما كل ما يتعلق بالجوانب الاخرى للنهضة الشاملة التكنولوجيا والاجتماعية وغيرها لم يكن له أى تأثير كبير على الجمهور لان هذه النهضة فى الواقع هى نهضة نخبوية . فالنهضة العربية ليست نهضة شاملة . واذا قارنا بين النهضة العربية والنهضة اليابانية نجد أن النهضة اليابانية هى نهضة شاملة لانها لم تتعلق بمفهوم التفكير والفكر السياسى فقط الذى ليس له تأثير كبير على المجتمع . فالنهضة اليابانية هى أساسا نهضة تتعلق بتغيير المجتمع حتى يلتحق بركب الحضارة الغربية . فالانسان اليابانى كان مهيئا لهذا التغيير بخلاف الانسان العربى ، كما أن اليابانى كان مستعدا لاعتناق ما وجد فى الغرب مع ما له من ثقافة وحضارة تقليدية حافظ عليها منذ أمد بعيد . أما النهضة العربية فلم تكن منذ البداية نهضة شاملة بأتم معنى الكلمة بل هى نهضة نظرية كما قال الدكتور طاهر لبيب وهى تحاول جاهدة ايجاد شئ جديد تضيفه الى النهضة العالمية فهى اذن نهضة منقوصة لانها تتعلق بالنظر فقط ولا تتعلق بكل النواحى الاخرى ثم هى نهضة طموح جدا الى أبعد الحدود لانها تريد أن تنحذق ما حذقه الغرب من أسباب القوة والمناعة المادية . لهذا كله تعتبر من
الاول مهزومة وغير قادرة لانها لا تنبنى على شئ واقعى كما انبنت فيما بعد القوة التى نجدها عند اليابان اليوم : القوة الاقتصادية القوة الصناعيه القوة المادية والى جانب هذه القوى حقق اليابان نهضة فكرية كبيرة وبالتالى فان النهضة اليابانية هى نهضة شاملة فهى موفقة . أما من ناحية أخرى فان وهذه النهضة التى عرقلتها الحركات الاستعمارية وعرقلها الاستعمار عندما انتصب عل الشعوب العربية فى أواخر القرن التاسع عشر هو الذىي ربما غير وجهة هذه النهضة شيئا ما ، فجهود كل الشعوب العربية اتجهت الى التحرر السياسى والى الكفاح ضد الاستعمار . ان هذا التحرر السياسى انبنى على أفكار وعل توجه الجماهير الى التعمق فى الشخصية العربية الاسلامية التشبث بها . ان هاته الجماهير لم تكافح الاستعمار من أجل الحرية المطلقه بل من أجل الحفاظ على شخصيتها . وكل الحركات سواء كانت فى مصر او فى تونس أو فى الجزائر أو المغرب دافعت عن شخصيتها أى انها فى الواقع تنظر إلى الماضى رغم أنها تتجه الى المستقبل . وهذا نفسه أدخل شيئا من الاضطراب على هذه النهضة . فهذه الحالة اذن هى التى كانت أرضية لكل ما ظهر من هزائم .
الدكتور غالي شكري :
إن هذه التحديدات البليغة لكلمة النهضة والسقوط أو الهزيمة هى تحديدات لا شك فى أهميتها ، وبالتالى أنا أرى أن كلمة النهضة فى سياق تاريخنا العربى الحديث مقصود بها فى الحقيقة نشأة مجتمع برجوازى حديث على النسق الاوربى .
هناك تفكير بمعنى نهضة (Renaissance) بالمعنى الاوربى ، لم يكن مقصودا على الإطلاق أحياء كالاحياء الذى حدث فى الغرب وانما كان خاصة نشأة مجتمع برجوازى حديث . ففى النهضة الاولى أو المرحلة الاولى من النهضة ان شئنا الدقة وهى مرحلة محمد علي لم تكن هناك بورجوازية ولم يكن هناك مجتمع بورجوازى على الاطلاق ، ولذلك حدث تناقض بين فكر نهضوى قادم عن طريق رفاعة الطهطاوى أو خير الدين التونسى وبين حاكم اسمه محمد علي . فى حقيقة الامر هذا الفكر النهضوى لا علاقة له من قريب أو من بعيد بفكرة الثورة الفرنسية التى أتى بها رفاعة الطهطاوى وانما هو حاكم أوتوقراطى فى مجتمع تيوقراطى ، أى مجتمع نسيج العلاقات الاجتماعية فيه مزيج من العلاقات الاقطاعية وعل صعيد القيم ، القيم السلفية ، فالحاكم كان حاكما أو تقراطيا
بشكل مطلق أى ديكتاتور ، ولا علاقة له بالفكر الذى أتى به أحد موظفيه وهو رفاعة الطهطاوى ولا علاقة للمجتمع أيضا بهذا الفكر القادم من الغرب ، البورجوازية نشأت بعد ذلك بعشرات السنين ، وبالدقة ظهرت البورجوازية فى مرحلة السقوط أى فى مرحلة نهاية محمد علي ، أى سنة I840 ، وهنا أريد أن أشير الى نقطتين يمكن أن نختلف فيهما مع التحديد الجيد المطروح : الفكرة الاولى هى أن نجاح محمد علي كان نجاحا وهميا وامبراطوريا يعنى عندما فكر فى وحدة عربية ، أراد أن يؤسس امبراطورية مركزها مصر وشتان ما بين هذه الفكرة وفكرة الوحدة العربية .
الاستاذ البشير بن سلامة :
مثل الامبراطوريات الاخرى التى سبقت .
الدكتور غالي شكري :
بالضبط وبالتالى كان لا بد من السقوط . الفكرة الثانية : ان محمد علي أخذ كل الارض من كل المالكين وسمى ذلك فى التاريخ انه اشتراكية ، انه أول من طبق الاشتراكية فى العالم العربى ، فهذا غير صحيح فهناك فرق بين الاشتراكية وبين اقطاع الدولة اذ أن الدولة أخذت هذه الارض وهى التى تتصرف فيها ، وهذا اقطاع مثل الرأسمالية فى الدولة تماما ، لم تكن هناك بورجوازية فى ذلك الوقت وانما البورجوازية نشأت بعد سقوط تجربة محمد علي وتداخل الغرب السياسى والاقتصادى فى شؤوننا . فى هذا المناخ التاريخى ولدت البورجوازيات العربية وهى بورجوازيات ممسوخة ولا ينبغى أن نطلق عليها كلمة بورجوازية فى الحقيقة ، وانما نحن نطلق عليها تجوزا هذا المصطلح لاننا مازلنا منسحقين أمام الثقافة الغربية ومصطلحاتها . فالبرجوازية المصرية نشأت من اقطاع أراد أن يستغل بعض موارد الارض فى التجارة ، أى انه بالدقة حاول أن يتبرجز ولكنه هو نفس الشخص ونفس الطبقة وبالتالى حملت معها كل القيم الاقطاعية وما كان من المستحيل أن تكون لها قيم بورجوازية . الشطر الآخر هو عملاء الاستيراد والتصدير هذا هو الجزء الآخر من تكوين ما يسمى الآن بالبورجوازية سواء فى مصر أو فى الوطن العربى ، أى انها بورجوازية ولدت على اكتاف الاحتكارات الاجنبية الاستعمارية وفى حضن الاقطاع يعنى أنها أتت نتيجة زواج غير شرعى بين طرفين لا يمكن أن تظهر منها بورجوازية كالبورجوازيات الاوربية العظيمة التى عملت
النهضة والثورة الفرنسية فهذا لم يحدث عندنا ان ميلاد البرجوازيات عندنا ترافق مع قوة وفتوة بورجوازية أوربا المكتشفة المخترعة لاشياء لم تكن موجودة من قبل كاكتشاف كروية الارض أو البخار أو غيرهما ، هذه الاكتشافات هى التى خلقت قيما اجتماعية جديدة وعلاقات اجتماعية جديدة اسمها البورجوازية الاوربية واضطرت ان تواجه الكنيسة والعقيدة المسيحية لان هذه العقيدة لم تعد قادرة على تفسير المكتشفات العلمية الحديثة .
البرجوازية المصرية برجوازية بائسة وتعسة منذ البداية ونشأة النهضة هى نشأة هذه البورجوازية عندما وجد فكر الطهطاوى خلال الفترة العلوية لم يكن لهذا الفكر اى علاقة بالمجتمع اطلاقا لكن بعد ذلك أصبح لهذا الفكر فى مجتمع جديد وبينه طبقية اجتماعية جديدة ، لكن فى الحقيقة انه على صعيد الفكر المحض نهضتنا من I50 سنة هى نهضة النقل سواء النقل عن السلف الصالح أو عن الغرب ولم تكن نهضة الابداع وهذا فرق نوعى بيننا وبين النهضة الاوربية ، فرواد النهضة لم يبدعوا فماذا قالوا ؟ قالوا الاسلام النقي الصافى الخالى من خرافات عصور الانحطاط ، هذا ليس شيئا جديدا هذا موجود ونقله الينا شبلى شميل وسلامة موسى وبطرس البستانى وناصيف اليازجى . نقلونا الى الغرب وقالوا لنا : هناك اشتراكية وهناك ماركسية وهناك تكنولوجيا وهناك نظرية التطور وتحرر المرأة فقلنا نحن كذلك ، وبالتالى المعادلة النهضوية هى معادلة هذه البورجوازية الممسوخة ، هذه المعادلة هى نتيجة زواج شئ منقول سواء عن الماضى أو عن الغرب . ويقصد بكلمة الغرب فقط نقل الغرب تكنولوجيا من تحديث الآلة وتحديث المصنع وتحديث الارض وغيرها ، أما تحديث العلاقات الاجتماعية فلم يحدث والى الآن سوف تجد فى اكثر المجتمعات العربية تطورا للعلاقات الاجتماعية مختلفة وبدائية ولا علاقة لها بالآلة العلاقة بين العامل والآلة التى يشتغل عليها هى علاقة توفيقية تماما يعنى حرفته توظيف هذه الآلة للانتاج فقط لكن ما هو الفكر الذى هو وراء هذه الآلة التى هى ليست مجرد حديد وصفيح وكهرباء وانما هى فكر ، هى تجسيد لفكر وهى تجسيد لعلاقات اجتماعية غير موجودة فى بلادنا . لم تكن تجربة محمد على بداية الارتباط بالاستعمار لا بالعكس .. إن محمد علي هزم لانه أراد الاستقلال ، ولكنه أى استقلال ؟ هو استقلال هذه الامبراطورية التى حاول ان يضم اليها الاستانة نفسها فوصل فى فتوحاته الى اليونان . فكانت غاية محمد على الاستقلال عن أوربا وعن رجل أوربا المريض ولكنه ضرب فى محاولته وتلك بالضبط محاولة عبد الناصر بعد I50 سنة . السياق التاريخى محترم نحترمه وان فيه أشياء
جديدة الى آخره . فعبد الناصر مختلف تماما عن محمد علي ولكن هناك أوجه عديدة للشبه . ومن المفيد أن نقول : إن آخر حلقات المعادلة النهضويه كانت الحلقة الناصرية التى أريد فيها بناء وحدة عربية ، لكن اية وحدة عربية ان وحدة عربية بدون ديمقراطية مستحيلة ، وتركيزى على الديمقراطية هو نتيجة غيابها من الاصل منذ بداية النهضة . فلم يحدث تحديث للمجتمع وانما وجدت لافتات ليبيرالية فقط بدون مجتمع ليبرالى حقيقى ، والطريف فى الموضوع ان الاستعمار الذى يعلمنا فى المدارس والجامعات ما هى الليبراليه فهو لا يسمح بهذه الليبيرالية فى بلادنا كذلك الاقطاع والبورجوازية لا يسمحان بذلك لان هذه الليبيرالية لا تفيد المجتمع الذى نعيش فيه .
الاستاذ البشير بن سلامة :
فكرة الربط بين محمد على وما كان يتوق اليه وبين عبد الناصر هى نفس الفكرة التى خطرت ببالى فى الواقع ما كان يرومه محمد علي هو نوع من الخلافة العربية وليست الاسلامية ولكن مفهوم الخلافة موجود ومغروس فى اذهان العرب والمسلمين وهذا يجرنا الى القول بأن قبل عبد الناصر الملك فاروق نفسه أراد أن يرجع هذه الخلافة ، اذن الحلقة موجودة منذ عهد محمد على ثم الملك فاروق . وهذا الامر يحتاج ربما الى تحليل والى زيادة توضيح بالنسبة لعبد الناصر ، لان الامر فى الواقع يختلف تماما . لكن هذا الامر هو الذى يجرنا إلى القول بأن الفكر العربى هو فكر مرتبط بالسلفية كثيرا ان فكرة الخلافة والوحدة العربية هى مرتبطة ايضا فى ذهنه بشئ واحد يكاد يكون شيئا واحدا .
الدكتور غالي شكري :
لم أقصد فى الحقيقة فكرة الخلافة بالمعنى التقليدى وانما قصدت أول شبه بين التجربة المصرية والتجربة العلوية فى الطموح الى الاستقلال بهذا المجتمع العربى عن الغرب . ولذلك ضرب عبد الناصر من سنة ٥٦ الى غاية 67 ولكن بناؤه لهذه الوحدة العربية لم يبق غير ثلاث سنوات أى وحدة مصر وسوريا فلماذا ؟ لسببين رئيسيين ، السبب الاول : هو غياب الديمقراطية وهذا عنصر مستمر من محمد على لغاية عبد الناصر رغم الفوارق الكمية بين كل عهد وآخر . السبب الثانى : ان القوة الصانعة لهذه الوحدة هى القوى البورجوازية التى ليست لها أية مصلحة فى قيام وحدة عربية . الصحيح ان
القوة الاجتماعية المرشحة لانجاز الوحدة هى الجماهير الشعبية العربيه وبما أن الديمقراطية غائبة سقط البناء ، وليس الوحدة العربية بين مصر وسوريا فقط وانما حتى داخل مصر نفسها لان اقطاع الدوله ايام محمد على اصبح من شيئا نسميه رأسمالية الدولة ، نسميها الاشتراكية القومية فهى شعارات فقط والممارسة اقليمية تماما . ولذلك أنا أرجع للكلام الذى تفضل به زميلى الدكتور طاهر لبيب وهو كلام هام جدا عن فكرة الهزيمة ومجتمع الهزيمة , فى الواقع ان الاشتراكية لم تهزم سنة 67 لانه لم تكن هناك اشتراكية , الديمقراطية لم تهزم سنة 67 ، القومية لم تهزم سنة 67 لانه لم تكن هناك قومية بالمعنى الصحيح ، لم تكن هناك ديمقراطية على الاطلاق فسقط البناء .
ومع ذلك فان الشارع الشعبى تصور أن الاشتراكية هى التى هزمت وان القومية العربية هى التى هزمت فكان البديل أمرين ، التيار الاسلامى المتطرف الموجود فى مصر منذ زمان ولكنه تطور سنة 68 ، علت اصوات التيار الاسلامى المتطرف والتيار الليبرالى . والواقع ان التيارين وجدا مناخا خصبا جدا فى العشر سنوات الاخيرة لكن فى الحقيقة هذا ليس مقصورا على مصر وانما هذا موجود فى كل البلاد العربية التيار الاسلامى المتطرف والتيار اليبرالى , ولكن للاسف ان التيار الليبرالى مرتبط فى ذهن الكثيرين بالنمط الاقتصادى يعنى مجتمع انفتاحى تصاحبه الليبرالية وهذا صحيح من الناحية النظرية فعلا لكن من الناحية الواقعية نجح هذا فى مصر ، ففى مصر مجتمع انفتاحى اقتصادى بمعنى التبعية المطلقة للاحتكارات الغربية ولكن لا تمثل الديمقراطية على الاطلاق مما أدى فى النهاية الى الفاجعة التى يسميها " هيكل " بالمأة الاغريقية ، يعنى أن الديكتاتورية المروعة أدت الى الارهاب المضاد فحدث ما تعرفون . ان ازدهار التيار الاسلامى المتطرف والتيار الليبرالى ليس حلا انما هو تعبير عن ازمة ، تعبير عن الازمة اكثر منه حل لازمه . الديمقراطية يجب أن ترتبط بأصحاب الحق والمصلحة وهم الاغلبية الساحقه من الشعب صنع القرار السياسى ورقابة تنفيذه ، أما فى أيام السادات فلم تكن هناك ديمقراطية وانما مجرد لافتات . وبالنسبة للتيار الاسلامى ولا شك اننا كلنا ننتكى للحضارة العربية الاسلامية لا يمكن تحويل الاسلام الى سلاح سياسى ضد الخصوم وارجاعنا الى انماط لا علاقة لها بالاسلام وانما لها علاقة بعصور انحطاط المسلمين .
فى ندوة اخرى كان البحث يدور فيها حول ما يسمى الطريق السادس بين الطريقين العاملين وكان أكثر المدعويبن غالبيتهم العظمى تهاجم بحدة الاتجاه
الماركسى والاتجاه الليبرالى ، فطلب منى التعليق وانا أريد أن أكرر ما قلته فى هذه الندوة ان نحن نبحث أو نهاجم أفكارا لم تطبق فى واقعنا على الاطلاق ولا نناقش الجراثيم الحقيقية الموجودة فى واقعنا نحن نناقش الماركسية فأين هو المجتمع العربى الماركسى ، نحن نهاجم الليبرالية أين هو المجتمع العربى الليبرالى حتى نهاجمه فى ضوء الواقع وليس فى ضوء تهيئات أو اختلافات نظرية . علينا ان نبحث اسرار واقعنا الذى هو ليس بماركسى وليس بليرالى . واقعنا ما هو بالضبط ؟ : هو مجموعة أنساق فكرية غير متبلورة ، الافكار التى تستطيع اذا أتيح لها الانتشار الجماهيرى مغيرة ومقهورة ومضروبة باستمرار .
أصبح أى فكر جديد يخيف وكأنه مقدس من المقدسات ، أصبح كل شئ من المقدسات لا يمس ، لا التراث يمس ولا حتى الحضارة الغربية المتجسمة أحيانا فى عادات وقيم يومية تمس واقعنا هو واقع غربى وليس واقعا عربيا ، واقع مستلب وهذا الاستلاب هو الذى يؤدى حقيقة الى الهزائم والى ما نسميه بالغياب المطلق والجذرى لارضية الديمقراطية التى بدونها لا نستطيع ان نصل الى نقطة جديدة من أجل نهضة جديدة أنا لا أوافق اطلاقا على أن مشروع النهضه لم ينجز انه أنجز كما فهموه . ان القوى الاجتماعية التى أشرت إليها فى اثناء حديثى والتى آمنت بما يسمى النهضة انجزت أقصى ما تستطيع , هذه هى نهضتهم . نحن بحاجة الى ثورة ثقافية جديدة ولا أقصد بهذا التعبير المصطلحات الشائعة كما هو الحال فى الصين مثلا ولكن فعلا نحن بحاجة الى ثورة ثقافية جديدة وكلمة ثقافية هنا تعنى الربط المتين بين الفكر والمجتمع وردم الهوة بين النخبة وبين الجماهير .
الدكتور طاهر لبيب :
يبدو لى أن المقوله الاساسية تتعلق بالربط بين النهضة والهزيمة . وأريد أن أرجع الى هذه الفكرة ، عندما قلت بأن النهضة العربية كانت تحمل بذور تناقض رئيسى بين المشاريع النهضوية الفكرية والاجتماعية والممارسة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الى غير لك ، فأنا قصيدت ان النهضة العربية و ازت ظروفا تاريخية معروفة ، وازت التوسع الامبريالى ، وهنا الامبريالية بمعناها العلمى الحديث يعنى هى الرأسمالية الاحتكارية ليس الاستعمار فقط مما جعل المشاريع الفكرية للنهضة العربية من المستحيل موضاعيا ان تنجز ، هذا رأيى . ماذا أقصد ؟ أعطيت انت مثال للبورجوازيات وهذا صحيح وهذا يؤكد ما ذهبت اليه من ان المشروع النهضوى لم ينجز فى مستوى الممارسه السياسية والاقتصادية والاجتماعية لسبب بسيطهم هو أن
دخول المجتمع العربى فى النظام العالمى الذى كانت ميزته الاساسية التوسع الامبريالى الاستعمارى جعل من الصعب بل من المستحيل على القوى الاجتماعية الاقتصادية والسياسية التابعة بذاك الشكل ان تنجز مشاريع شاملة بالمعنى الشامل لا فقط تحرر سياسى أو فكرى وانما مشروع متكامل من نوع مشروع محمد علي وانى اعتقد أنه اذا لم يكتب لتجربة محمد علي أن تتواصل بعده وأن تصبح مضاهية أو مماثلة لتجربة اليابان فلأن تجربة محمد على كما قلت فى تدخلى الاول جاءت فى ظروف الارهاصات الامبريالية والتوسع واستعمل بمعنى العلمى للكلمة كظاهرة عالمية وكما قلت انت فعلا فان الامبريالية العالمية ممثلة في ذاك الوقت فى الانقليز لما رأى ان تجربة محمد علي ستكون فعلا نهضة تحديثية عربية وانها ستكون أمبراطورية من النوع الذى ذكرت ، ضربتها الامبربالية العالمية ممثلة مرة أخرى فى الانقليز قبل أن تقصم ظهر هذه التجربة على الساحة العربية بمشروع اسرائيل . اليابان كان شيئا آخر - هنا أريد أن أجيب ( الاستاذ بن سلامة ) أنا أعتقد أن تجربة اليابان لا يمكن اعادتها ، لا يمكن اعادتها فى الوضع العربى لسبب بسيط هو ان تجربة اليابان أى تحديث اليابان تصنيع اليابان أساسا والذى كان مجتمعا فلاحيا واقطاعيا نفسه بشكل سريع كان ذلك ممكنا لانه كان سابقا او كان بمعزل عن تدخل القوى الغربية ويعنى بدقة التدخل الامبريالى الغربى ، صلة اليابان بالغرب كانت بسيطة فى وسط القرن السادس عشر يعنى قبل أن تكون هناك ظاهرة اسمها الامبرالية فى التاريخ ، على سبيل المثال اذكر بأنه فى بداية القرن التاسع عشر لم تكن الا هولندا لها صلة ديبلوماسية باليابان ,
على سبيل المثال أيضا أذكر بأن فى أواسط القرن التاسع عشر قامت ثورة كبيرة فى اليابان لاسقاط مشروع انفتاح اليابان على الغرب لانه كانت هناك مبادرات من النظام يعنى فى اليابان للتعاون تجاريا الى غير ذلك مع الغرب وفعلا كانت البواخر الهولندية والبرتغالية والاسبانية والفرنسية فى الموانئ اليابانية وتكونت نوع من التجارة والتعاملات مع الغرب فوقفت قوى كبيرة فى اليابان تحتج على هذا واسقطت مشروع التعامل مع الغرب يعنى اسقطت مشروع التبعية للغرب . وفى I882 أنشأت اليابان بعد بنك اليابان فى أواخر القرن التاسع عشر هذه ايضا ظاهرة اخرى ، فى أواخر القرن التاسع عشر اصبح اليابان قوة هو نفسه امبريالى ، اصبح قوة توسعية واحتل كوريا واحتل الصين ودخل فى بداية القرن العشرين فى المعركة المعروفة مع روسيا الى غير ذلك أصبح هو نفسه قوة توسعية ، وبالتالى نستطيع أن نقول بأنه عكسا المشروع محمد على ، تجربة اليابان وسر نجاح اليابان فى تنميه يرجع الى
الطريقة التى توخاها والسر أيضا هو ان اليابان لم يكن بعد تحت وطأة التوسع الغربى الاستعمارى والامبريالى بالشكل الجديد ( وهذا يعنى ) ، ان التناقض الرئيسى فى رأيى بين المجتمع العربى والامبريالية العالمية هو نناقض بدأ فى عملية النهضة بدأ فى فترة النهضة ولكنه تناقض ما يزال قائما ولن يحل بعد . هذا ما أردت أن الفت اليه الانتباه وهو ان النهضة الفكرية التى فكريا ( وليسمح لى صديقى الدكتور غالي ) لم تنجز بعد الفكر النهضوى فيه الديمقراطية وفيه الاشتراكية وفيه العدالة الاجتماعية وفيه عدة قضايا ,
صحيح انه مستورد من الغرب لكن جاءت بقيم كثيرة و هذه القيم لم تنجز بعد أى لم يصبح لها مقابل فى الممارسة الاجتماعية . هذا فكريا لكن موضوعيا وبنيويا إذا اخذنا بعين الاعتبار المجتمع بنية المجتمع متكاملة لم يكن من الممكن للقوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية نظرا الى التدخل الاجنبى ان تستقل وان تكون عندها مشاريع مستقلة وهذا ما يفسر ايضا ضعف البورجوازيات العربية ايضا ومن جملتها ليست البورجوازيات العربية لم تنجز ثورة بورجوازية ، فيا حبذا لم تنجز ثورة بورجوازية فى البلاد العربية فيها القيم وفيها ما جاءت به بورجوازيات اخرى ولكن كانت تابعة وبقيت عبر فترة النهضة تابعة وليس لا من صالح ولا باستطاعة القوى الامبريالية العالمية ان تسمح لهذه التجارب العربية بأن تستقل وان تقدم مشاريع بديلة وهذا ما يفسر ضرب عبد الناصر . ضرب محمد علي ثم ضرب عبد الناصر ، وربما المقارنة بمحمد علي وعبد الناصر فيها نوع من التجوز ، تجربة عبد الناصر رغم كل الاخطاء التى ارتكبت رغم كل الاخطاء التى وجدت فيها تعتبر تجربة ,
فى هذا المنظور من وجهة منظور التخلص من التبعية وتكوين مشروع وطنى مستقل نسبيا فى الظروف العالمية المتاحة تعتبر تجربة عبد الناصر متقدمة وهذا ما يفسر انه أول من ضرب وهذا شئ ليس من غريب الصدفة ، ان أول من ضرب على الساحة العربية هو عبد الناصر فى البلد الذى فيه أكثر تقاليد سياسية وأكثر تقاليد فى الديمقراطية رغم كل الاخطاء لكن فيه تجربة وفيه تعدد أحزاب . والنكسة الناصرية هى فعلا كان تفطنا من طرف الامبريالية العالمية الى أن تجربة عبد الناصر كانت تجربة يعنى متقدمة وربما اجرأ مما يجب فى الظرف العربى ، وأنا لا استبعد أن أى تجربة فى البلاد العربية سيكون عندها هذا الاتجاه . انى انظر الى عبد الناصر من منظور وطنى يعنى منظور مصرى لانه انسان جاء الى مجتمع مصرى وأراد أن يتحرر وأن يكون اقتصاد نسبيا مستقلا وثقافة وطنية وثقافة جماهيرية وتحديد ملكية الى غير ذلك يعنى مشاريع عبد الناصر لا يمكن ضربها هكذا . وفى رأيى لا يمكن
مقارنة عبد الناصر بمحمد علي خاصة وأنك ذكرت مواصفاته التى لا ينطبق على عبد الناصر .
الدكتور غالي شكري :
ما هى هذه المواصفات التى ذكرتها والتى لا تنطبق على عبد الناصر ؟
الدكتور طاهر لبيب :
معاداة الامبريالية ، الامبريالية غير موجودة فى عهد محمد علي ، وأشرت إلى أن مفهوم الامبراطورية العربية يختلف عن مفهوم الوحدة العربية عند عبد الناصر أيضا وهذا أهم ، والعوامل العالمية والعلاقات الدولية أيضا فى عهد محمد علي وعبد الناصر مختلفة ثم انجازات عبد الناصر سياسيا على الصعيد الدولى أنها مختلفة يعنى هناك أشياء فى رأيى . ان اندماج البلاد العربية فى النظام العالمى الجديد خلق تناقضا أساسيا بين المصلحة العربية والمصلحة الامبريالية التى نشاهدها اليوم متبلورة بشكل أصبح يعرفه حتى الانسان الذى لا يعرف القراءة والكتابة ... التناقض الاساسى هو الآن بين العرب والامبريالية الامريكية مثلا فى القضية الفلسطينية اصبح شيئا واضح جدا , ان هذا التناقض موجود فى النهضة وانه فى المستقبل لا يمكن فى رأيى أن تطرح مشكلة الثقافة والابداع والثقافة الوطنية والتعريب وطريقه اللباس لان الامبريالية هى ظاهرة تتدخل فى كل شئ ، الامبرياليه هى ظاهرة تخترق كل النسيج الاجتماعى ، تجعلك عاجزا عن التعريب . أنا اعتقد أن كل بلد عربى فىه أناس نزهاء وفى جهاز الدولة أناس نزهاء من أجل التعريب من أجل بناء ثقافة وطنية من أجل فيلم عربى من أجل كتاب عربى لكن هناك عجز موضوعى ، هذا العجز الموضوعى يعنى أساسه الهيمنة الغربية على البلاد العربية ، فهذه قضيتنا . فكيف يمكن أن تطرح قضية الابداع الفكرى أو قضية انشاء ثقافة وطنية بمعزل عن هذا السياق العام وهذا التناقض الاساسى الذى هو بين العرب كأمة يمكن لها أن تنهض ولها قدرات مهولة تهدر الآن وبين عدو أساسى له مصالح اقتصادية وفكرية وسياسية والذى يسمى الامبريالية وهذا خيط اذن ممتد من النهضة الى الآن . وهذا ما جعلنى أقول : إن المشروع لم ينجز .
الاستاذ البشير بن سلامة :
تبلورت الآن و ذكرت الكلمة ، كلمة الامبريالية وبطبيعة الحال ان النهضة العربية وان الشعوب العربية والانظمة العربية اصطدمت بالغرب
واصطدمت بما نسميه بالامريالية اصطدمت أولا بالاستعمار ثم فيما بعد بالامبريالية ، هذه حقيقة وهذه الحقيقة هى التى يعرفها رجال النهضة وكل التيارات التى ظهرت حتى بعد الحرب العالمية الثانية والاتجاهات الايديولوجية والفكرية وهى تواجه هذه الامبريالية . لكن ضعفها هو انها ترضى بها ولكن تضعها فى معادلاتها فهى المظهر الوحيد الذى تبنته كل هذه التيارات و كل هذه الاتجاهات . انها تتحدى فقط . ومن هنا يأتى ما نسميه بهزيمة الفكر العربى وانا اتشبت بهذه الكلمة لان التحدى فقط ومواجهة الامبريالية فى اتجاهاتها المتعددة الفكرية والمادية وغيرها هو الذى جر العرب الى هذه النكبات والى هذه النكسات ، ان الامبريالية اذا تحدثنا عنها من ناحية القوة المادية والقوة الفكرية والقوة الايدولوجية ليست موجودة فى أمريكا فقط أو فى أوربا بل هى أيضا موجودة الآن فى مكان آخر والذى هو فى واقع الامر يتحدى ولكن بصورة أخرى الغرب ، الذي أوجد نوعا من الفلسفة الفكرية نسميها الماركسية وهى وليدة المجتمع الغربى لكنها هى التى تقاوم هذا المجتمع الذى خلقت منه ، فهذه المجتمعات هى تتحدى بصورة أخرى وبصورة قوية هذا الامبريالية وهذه القوة التى تريد أن تهيمن . نحن العرب نتحدى بالكلام وتنتحدى بالمظاهر ربما الجماهيرية الكبيرة ، نتحدى بتفكير كان موجودا في المجتمع العربى الاسلامى القديم وهى الامكانية الوحيدة فالخوارج النكار مثل الذين ينكرون كل القيم ، كل ما هو موجود وكل المذاهب والفرق وكل الملل . فهم موجودون الآن عندنا فى العالم العربى . لكن البديل ليس هو التحدى ، ليس هو التشبث بالماضى وبالسلف ، وليس هو انكار كل شئ ومحاولة البحث عن بديل لهذا بطرق فوضوية وعشوائية وللاسف هى موجودة ببعض البلدان العربية . اذن فالموضوع ليس هو فى وجود هيمنة وفى وجود الامبريالية ظاهرة ومعروفة لكن هو فى موقف العرب ، موقف العرب من هذه الامبريالية . ان الموقف الذى اتخذه العرب من هذه الامبريالية هو الذى جر الهزيمة . هذا هو الاساس ، اذن نحن انهزمنا فكريا وايديولوجيا ؟ ، ما العمل كيف يمكن ان نعالج المشاكل ؟ ، كيف يمكن ان نتعامل مع هذه القوى التى نسميها امبريالية أو نسميها شيئا آخر وهى موجودة وهى ماثلة وهى متداخلة فى المجتمعات ,
هل نتعامل معها أو هل نبقى نتحداها كما تحديناها طيلة ثلاثين أو أربعين سنة ؟ ما العمل ؟ هذا هو الموضوع وهو موضوع خطير ، اذن هو موضوع أنظمة الحكم ، موضوع جماهيرى الى غير ذلك ، لكن فى واقع الامر كيف ؟ هذا هو السؤال الخطير . اذن هذا هو الموضوع . ماذا نفعل امام هذه الهزائم ، امام القناع الذي سقط عن كل التيارات وعن كل ما كانت تعلقه الجماهير العربية من آمال
فى هؤلاء الذين تحدوا الغرب وأعطوا امكانيات وبريقا من الامل لنهضة عربية شاملة وهم فى الواقع فسحوا المجال للتطرف الدينى من جهة الموسوم بالسلفية الطافحة من قرون الانحطاط والصراع الطائفى وللذهبى وفتحوا الطريق للتطرف اليسارى والنابع من الفكر الغربى الحديث وكلا التيارين سيغرقان البلدان العربية والاسلامية فى الحروب والدماء ويسهلون بالتالى على الامبريالية مهما كانت ! زيادة التشفى واستغلال الفوضى المنجرة عن ذلك والامعان فى بث أسباب التأخر فى مجتمعاتنا .
الدكتور غالي شكري :
فى الحقيقة بدأت كلامى فى موضوع النهضة بأن الناصرية كانت آخر حلقة و أرقى حلقة سقطت ، ولم أكن فى هذا التعبير اقصد اطلاقا كما تعلم تماما لتقليل من الناصرية ولا منجزاتها ولكن يبدو لى من خلال حديثك ان المرحلة العلوية تنال منك تقيبما أقل من المرحلة المصرية . فى الحقيقة عندما تقول : المرحلة المصرية آخر وأرقى مرحلة فى النهضة ونقارن بينها وبين محمد علي انما نمتدحها ، فالامبريالية كانت وصلت بجيوشها الى القاهرة ، فمحمد علي فعلا ليس محررا فقط وانما هو مؤسس الدولة الحديثة فى مصر ، وابراهيم باشا وهو لا يقل خطورة عنه رغم انه ابنه هو الرجل الذى ركب حصانه وقال : لن أتوقف الا عند آخر رقعة تتكلم العربية ، محمد علي هو الذى عمل التحديث الجذرى فى مصر والذى لا يزال باقيا وليس عبد الناصر الا أكثر من امتداد متواضع للتقليد العريق الذى ارساه محمد علي ، أى شئ ترونه مهما فى مصر هو من اصالة محمد علي ، والحقيقة عندما نقول : ان الناصرية سقطت كمرحلة أخيرة من مراحل النهضة لا نقصد عبد الناصر شخصيا ولا الدولة المصرية وانما نقصد هذا النمط فى نظام الحكم والذى فى رأيى ما زال باقيا فى بعض الاقطار العربية وما زال موجودا . والجواب على سؤالك وهو السؤال الرئيسى يعنى ماذا نفعل ؟ انا أنطلق من النهضة ، مشروع النهضة وهذه نقطة الخلاف الوحيدة مع الدكتور طاهر لبيب أما بقية الكلام فأنا موافق عليه وانما فعلا النهضة هى نهضتكم وليست نهضتنا ، هى نهضة تلك البورجوازيات الممسوخة أشباه البورجوازيات التى نمت من الاحتكارات الاجنبية الامبريالية والاقطاع وبالتالى ، النهضة نهضتكم وهذا يعنى اقصى ما يستطيعون ان يصلوا اليه وسنة 25 و 26 هامتان فى النهضة بالنسبة لمصر وهى كما تعلمون محاكمة الشيخ على عبد الرازق على كتابه الاسلام وأصول الحكم ومحاكمة طه حسين
على كتابه فى الشعر الجاهلى هم ابناء البورجوازية نعم واقصى شئ عملوه انهم كتبوا هذه الكتابات ، واقصى شئ عملته البورجوازية انها صدرت الكتابين فقط لكن هذا كان اقصى عطاء لهذه الطبقة وهذا النظام . وتلك النهضه هى نهضة البورجوازية وقد انتهت ولكن القضية ما هى النهضة البديلة ؟ هذا السؤال ، يمكن أن يكون هناك عذر فى القرن الماضى ولغاية منتصف القرن العشرين للنهضة البورجوازية ان الطبقات الاجتماعية المرشحة لتثوير النهضة واقامة نهضة حديدة لم تكن فى المستوى الذى يؤهلها لذلك ، ففى الحقيقة حين يقول كما قال رواد النهضة التراث والعصر ، نحن ننكر عليهم انهم لم يوفقوا الى الجدل والى تركيب هذا التراث وذلك العصر ، نحن ننكر عليهم هذا ولكن ماذا نفهم نحن الآن من هذا التعبير ، ؟ هل هو تعبير خاطئ تماما أم انه تعبير يجب ان يتضمن محتويات جديدة ، مثلا قضية التراث ، قضية التراث عند النهضة هى كما قلت من قبل : الاسلام الصافى النقى ، النص القرآنى الاصلى الينبوع الغاء أو شطب كل عصور الانحطاط هذا الفهم للتراث هو فهم جزئى ومبتور و ناقص إلى حد كبير فالتراث فى الحقيقة له ثلاثة أوجه فى تقديرى ، له وجه انسانى عام ، له وجه قومى ، له وجه اجتماعى . قصدت بالوجه الاول وهو الوجه الانسانى العام : ان تراثى ليس فقط ما كتبه أبو العلاء المعرى والفارابى وابن خلدون ، وانما كل ابداع فى التراث الانسانى العام هو ملكى . هذه مقدمة ونقطة بداية لاى تفكير جديد فى التراث ، اذا لم اجعل الوجه الانسانى للتراث وجها أصيلا من تراثى فانا على خطأ فالحضارة العربية الاسلامية كانت اولا حوارا مع التراث الانسانى حتى القرآن ، حتى القرآن كان حوارا مع الحضارات السابقة ، حوارا مع المسيحية ، حوارا مع اليهودية ، فالفلاسفة المسلمون وعلماء الكلام تحاوروا مع ارسطو ومع افلاطون ومع الفلسفة الهندية ومع كل الفلسفات ، إذن لم يكن هذا الوجه الانسانى للتراث حاضرا فى صميم تراثى فعندما أقول للطفل : التراث والعصر ، يفهم ان كلمة التراث لا تعنى فقط الاسلام وانما تعنى كل التراث الانسانى حينذاك يبدأ تفكير من نوع جديد ، هذا هو الوجه الانساني باختصار ، الوجه القومى اى انا عربى بين شعوب انسانية مختلفة لى طابعى ، هذا الطابع لا استمده من عصور الظلام الاسلامية وانما استمده من الحضارة العربية الاسلامية في أوج ازدهارها وأحاول اكتشاف قوانينها .
ما هى قوانين هذه الحضارة وكيف تطورت ؟ قوانينها العلمية المضمرة فى الحركة الاجتماعية للتاريخ وليس مجرد ما اقرأ نصا لابن خلدون فما هى القوانين التى أتفهمها من كتابته التاريخ والمقدمة . ان الحضارة العربية الاسلامية تعطيني وجها قوميا ، هو جزء لا يتجزأ من تراثى . يتكون هذا الوجه لا من نصوص جزئية
أو من عبادات أو من غيرها فقط وانما يتكون من عدة اشياء سوف نجدها فى أهم ما كتب في تراثنا العربى الاسلامى : العقلانية ، الحرية ، الحوار مع الاخر ، المنظور التاريخى ليس شيئا ميتافيزيقيا خارجا عن سياق التاريخ فعندما اخذ هذه الاركان الاربعة الاساسية من الحضارة العربية الاسلامية أقول التراث : هذا هو التراث لكن ليس التراث هو المعنى الدارج ، أو المعنى الذى استخدمة النهضويون ، الوجه الثالث : الوجه الاجتماعى للتراث ، ليس كل ما وصلنا من الماضي هو تراث . ففى الامثال الشعبية عندنا فى مصر آلاف من الامثال التى تحرض على العبودية وعلى الاستغلال وعلى مظاهر منحرفه فى السلوك الانسانى ، هذا تراث ولكن هل هذا هو التراث الذى اقصده عندما أتكلم هنا عن الوجه الاجتماعى للتراث ؟ والى جانبها هناك امثال شعبيه اخرى عديده تحرض على النقيض ، لماذا ؟ لانه كان هناك صراع اجتماعى فى تلك المجتمعات التى أخذ عنها ما أسميه تراثا ومن هنا فالوجه الاجتماعى والوجه القومى والوجه الانسانى للتراث هو ما يشكل أو يجب أن يكون قوالب جديدة لصياغة ما ادعوه بالتراث . كلمة العصر : انا ابقى على هذه الكلمة وليس تفضلا مني وانما لانى أعيش فى هذا العصر نقول الحضارة الغربية وهى كلمه فيها تجاور شديد هى حضارة عربية بقدر ما اضاف اليها الغرب فقط ، ولكن هى حضارة انسانية فى البداية والنهاية هى وريثة أعرق الحضارات ، هى وريثة الحضارة الصينية هى وريثة الحضارة المصرية القديمة ، الحضارة اليونانية ، الحضارة الغربية المعاصرة هى أيضا وريئة الحضارة العربية الاسلامية نفسها فربما كانت هناك فكرة عند ابن سينا او البيرونى او غيرهما ، هذه الفكرة نحن لم نلتفت اليها لاننا ربما نكون قد تخلفنا عنها بحكم دخولنا تحت الهيمنه العثمانية والسلطنة ، ولكن الغرب أخذ هذه الفكرة وطورها وعمل منها شيئا جديدا ، إذن هناك حضارة انسانية مركزها الجغرافى لاسباب عديدة جدا هو الغرب ، ولكن لا يعنى ان الغرب لم يضف الغرب اضاف ، ولكن فى النهاية هذا السياق الحضارى هو سباق شاركت فيه كل الشعوب بما فيه أنا نحن شركاء أصيلون فى تكوين هذه الحضارة ولا ينبغى تجزئتها حتى لو تصبح هى الامريالية وحدها ، التى هى أعلى مرحلة فى تطور الاستعمار الغربى فى مجال الاقتصاد والسياسة والحضارة الغربية فيها اشياء لا حصر لها وأنا أحب أن استخدم تعبير الحضارة فى الغرب ، لان الحضارة الغربية هى جزء من الحضارة الانسانية الحديثة ، ربما احد هذه اللوحة التى امامي التى رسمها فنان تونسى يمكن أن يكون فيها فى اللون او فى الخط او فى التعبير او الظلال او فى الضوء أشياء دون ان يشعر الفنان فى لا وعيه أنها مأخوذة من حضارات اخرى بعيدة
وعميقة ، وهذا نفس الشئ بالنسبة للفنان الغربى فى الموسيقى فى الفن التشكيلى فى الادب . يمكن أن نجد قصيدة بعض عناصرها يمت الى افريقيا وبعض العناصر الاخرى يمت الى آسيا الى آخره فنحن شركاء أصليون فى هذه الحضارة وهى بمعنى ما حضارتنا . أقول هذا الكلام حتى لا يكون هناك مركب النقص وعقدة التفوق الغربى علينا . نحن شركاء فى هذه الحضارة ومن حقنا التفاعل معها التفاعل الابداعى وليس التفاعل النقلى كما فعل رواد النهضة الاولى التفاعل الابداعى بمعنى أن أدخل مرحلة العطاء ومرحلة الاضافة ولا أكون مجرد مستهلك للجوانب المادية أركب الطيارة والسيارة وعندى الثلاجة والسخان وأشياء من هذا القبيل . نحن أمة مستهلكة للحضارة وليست أمة منتجة ، ان مرحلة العطاء ومرحلة الانتاج مشروطة . فى خاتمة المطاف تفضل الدكتور طاهر لبيب بالقول : ان القطع مع الاستعمار الغربى فى الميدان الاقتصادى والاجتماعى والسياسى يدخلنا مرحلة حضارية جديدة وهذه هى الحقيقة . نحن لسنا فى حاجة الى نهضة جديدة وانما نحن فى حاجة الى ثورة ثقافية شاملة يبقى فيها الابداع منطلق من هذا التصور الذى قدمته للتراث : الوجه الانسانى الوجه القومى الوجه الاجتماعى وهذا التصور الذى قدمته للعصر ومفهوم العصر وهو ليس مفهوم الغرب بمعناه الاستعمارى فقط وانما هناك سياق حضارى طويل جدا مركب جدا معقد جدا ، لا بد من أن أتفاعل معه بمنتهى الحرية . ان التراث بهذا المعنى والعصر بهذا المعنى الذى أقدمه ليس مجرد أفكار نظرية وانما يحتاج إلى تكوين اجتماعى جديد وتصور من جديد . فالوحدة القومية لا تبقى مجرد شعارات والاشتراكية لا تبقى مجرد رأسمالية الدولة والديمقراطية لا تبقى مجرد ادعاء أو ليبرالية غريبة مثل ليبرالية الطوائف فى لبنان التى أدت بهم الى المأساة التى نعرفها .
الدكتور الطاهر لبيب :
فيما يخص السؤال الخطير ما العمل وكيف ؟ فى الواقع يصعب على الانسان أن يعطى حلا والسؤال مطروح منذ زمان وقام على التحاليل السابقة يعنى على التناقض بين المصلحة مصلحة العالم الثالث بصفة عامة ومصلحة المجتمع العربى بوجه خاص وبين المصالح الامبريالية العالمية . يعني هذا التساؤل هل بالامكان ان تنجز المجتمعات التابعة المقهورة اقصد بذلك الموجودة فى نظام عالمى غير عادل هى باستطاعة هذه المجتمعات موضوعيا ان تنجز مشاريعها فى اطار هذه التبعية ؟ هذا سؤال مطروح منذ زمان طويل والاجابة عنه اقرب الى لا منه وهذا مصدر المشكلة وهذا ما يفسر ان هناك
وجهتى نظر سائدتان فى التحاليل ، هناك وجهة نظر تقول : بانه لا حل لبلدان العالم الثالث عموما وللمجتمع العربى خصوصا لا حل لها الا بالتخلص من الشعبية أى بشكل واضح بالقطيعة مع النظام الرأسمالى الذى يبتز خيراتها والذى يراقبها ولا يسمح لها بطريقة أو بأخرى بالنهوض وهذا ما يفسر ان البلدان المتخلفة تزداد تخلفا . هذه قضية وهذا الطرح نوقش كثيرا ولا يزال يناقش هناك حل آخر يطرح الآن ما العمل داخل اطار التبعية وثمة مجموعة كبيرة من المفكرين حتى من العرب تقول : بانه عوضا عن طرح البديل الصدمى ، بديل القطيعة الكاملة مع الغرب نحاول ان نقدم مشاريع مرحلية داخل اطار التبعية المفروضة التى ليست باستطاعة هذه الدول ان تتجاوزها دون دفع ثمن باهض لا سيما وان التجارب السائدة كان ثمنها باهضا من نوع القطيعة ولكن على حساب الديمقراطية مع تكريس الدكتاتورية ، سياسية رفع الشعارات سياسية تعسفية واضطهادية باسم الاشتراكية أو باسم مشروع بديل , هذه القضية ، وبالتالى يبقى دائما هذان الطرحان الموجدان إذا استثنينا طبعا الطرح الذى يقول هناك امكانية تنمية الى غير ذلك . انا يتهيأ لى أن تجربة المجتمع العربى مختلفة ايضا وحتى فى الواقع كان بالامكان مناقشة ايضا مضمون المجتمع العربى لانها انظمة مختلفة سياسيا واقتصاديا وفكريا وان كان تجمعهم اشياء هو ان تجربتهم تبين كما قلت قبل حين ان المصالح العربية وحرب لبنان والقضية الفلسطينية بينت هذا بما لا مجال للشك فيه . المصالح العربية ومصالح القوى الكبرى والمصالح الامبريالية الاقتصاد والساسية وغير ذلك مصالح متناقضة وانه من الصعب فعلا حل هذا المشكل مشكل النهضة يعنى ان التنمية صعبة فى كلتا الحالتين سواء فى القطيعة أو او فى البحث عن حل داخل اطار التبعية يعنى فى كلتا الحالتين مهما كان الطر فانه من الصعب على المجتمعات العربية ان تنمو ، ان تنمى نفسها تنمية ذات قائمة على قدرتها الذاتية ، على قدرتها الفكرية والمادية ان تنهض هذا النهوض أو فى تنمى نفسها بدون ايجاد صيغة جديدة فى التعامل مع هذه الامبريالية العالمية . كل حل يتجاوز هذا التناقض بين المصالح العربية والمصالح الاجنبية هو مقبول ، كيف الوصول الى ما هو طبيعة هذا الحل هنا يبدو لى ان تجربة الفكر العربى تبين انه يجب التخلى عن الترسيمات التحليلية الجاهزة مهما كان مصدرها هذه الفكرة اصبحت اليوم واضحة يعترف بها اليمين كما يعترف بها اليسار العربى لان اليسار العربى نفسه تبين له ان كثيرا من تحاليله هى نحاليل كانت فوق الواقع وكانت تسبح وكانت تتعامل مع مقولات عامة مغرية ولكنها لا صلة لها بالواقع . لكن فى المستوى الفكرى كما تبين ايضا تجربة
المجتمع العربى ان البحث عن حل لا يمكن ان يكون بدون حد ادنى من الديمقراطية ، الديمقراطية الفكرية ، الديمقراطية السياسية أولا وحرية الفكر أى حد ادنى من الفكر - الذى يسمح حتى للانظمة العربية نفسها ان يستغل الطاقات الموجودة والتى هى مهمشة الآن أو مهمشة ذاتيا . هناك مثقفون بهمشون أنفسهم ذاتيا بالتخلى عن الساحة . تواصل فى المجتمع العربى فقدان الحد الادنى من الديمقراطية الفكرية والسياسية عندما نتحدث فى الواقع عن الديمقراطية فاننا نأخذها بالمعنى السياسى ولكن هناك ديمقراطية اجتماعية وهى أهم من الديمقراطية السياسية وثمة أيضا الديمقراطية بين المثقفين انفسهم ، فاذن هناك حل كما قلت ، هذا الحل لا يكون الا فى مشروع اجتماعى سياسى ثقافى وبالتالى كله حضارى يعنى نحو التخلص شيئا فشيئا من هذه الهيمنة الغربية ، وهذا هو الشئ الوحيد البديل الذى يسمح لاى نظام عربى بأن ينشئ ثقافة وطنية وبأن يبدع أهله وهو أهم شئ ، لان غياب الديمقراطية - وليست مسألة سياسية فقط - غياب الديمقراطية معناه حرمان المجتمع العربى من توظيف الطاقات الجماهيرية مثلا ولا يستغرب ان الجماهير أحيانا تبقى تنظر نتفرج الى بعض الأنظمة وهى تتهاوى لانها لا تعتبر انها معنية بالامر ولانها لم تشرك ، يعنى لم يقع تشريكها لم تشارك لا فى بلورة المشاريع ولا فى نشر الافكار الى غير ذلك فبغياب الديمقراطية لا اعتقد ان الفكر العربى يمكن أن يبدع .
الدكتور غالي شكري :
عندما تقول لا بد من فسح المجالات للديمقراطية فانت توجه خطابك لاولي الامر أليس كذلك ؟ نحن نبحث منذ البداية عن بديل ، سؤال السيد البشير ما هو الحل ؟ كلمة ما هو الحل ليس فى اطار مجتمع الهزيمة نحن انهزمنا كذلك وليس حكامنا فقط . أنت أشرت الى نقطة بالغة الاهمية وهى الديمقراطية التى لا تمارس فى البيت التى لا تمارس بيني وبين ابنى او ابنتى ، الديمقراطية لا تمارس داخل منظمات المعارضة فى الوطن العربى كله ، كل مثقف نتيجة مجتمع الهزيمة ، يعتبر نفسه هو الفكر هو البداية والنهاية هو الالف والياء يعنى دكتاتور صريح وبالتالى فكرة الحوار منعدمة حتى بين المثقفين . نحن أبناء هذا الجيل عاصرنا ابشع ألوان الهزيمة خلال العشرين سنة التى مرت أو خمسة وعشرين سنة أو ثلاثين سنة ، وبالتالى لا استطيع أن نتصور أن الجيل الذى ننتمي اليه - مع تفاوت فى الاعمار - قادر على ان يعطى فى المستوى
الاجتماعى ، لا استطيع أن اتصور انه قادر على العطاء فى المرحله القادمه ، فتجتمع البديل يحتاج إلى جيل جديد يستطيع أن ينهض بهزيمة صورية و كل ما نسطيع أن نعطيه له هو خلاصة التجربة الماضية فقط ، اما إذا تصورنا ان الحيل الذى انتمى اليه انا شخصيا هو جيل الهزيمة فنحن خاطئون ، نحن لسنا من صناع هذه الهزيمة نحن من ضحاياها ولكن نحن ابناء هذه الهزيمة اي مدى نستطيع ان نخترق الجدار كالمعجزة أو كالمستحيل ، انا لاحظت من خلال الكلمات الاخيرة للدكتور طاهر أنه يوجه خطابه لكى تكون هناك ديمقراطية هذا اقصى ما يستطيع ان يقوله وهذا يعنى اننا لا نملك غير طلب ولكن ليس هذا هو المجتمع البديل المجتمع البديل هو شئ مختلف تماما .
الاستاذ البشير بن سلامة :
أريد أن أختم الجولة الاولى هذه لحديثنا عن هذا الموضوع الخطير وأوجه سؤالا ربما سنحيب عنه فى المرة القادمة ، هو انه فى واقع الامر نحن نتحدث عن النهضة وتتحدث عن ثورة ثقافية ، وتتحدث عن امبريالية وهيمنة وتبعية وما هو البديل لكل هذا ، ولكن يبقى سؤال آخر : ماذا نريد نحن بالتحديد ؟ ماذا تزيد جماهيرنا ؟ هل أن كل هذه المفاهيم وكل هذه الافكار التى لها جذور قديمة منذ عدة قرون أو هى وليدة العقود الحالية هل أن هذا فله يهمها ، وهذه الجماهير لا أقول الجماهير غير المثقفة ، أقول الجماهير المثقفة ، جماهير الطلاب الموجودين الآن فى جامعاتنا فى كلياتنا ، ماذا يريدون ؟ هذا سؤال نطرحه .

