نتشرف بنشر النص الكامل للخطاب القيم الذى القاه الاستاذ الشاذلى القليبى اثناء الحفل الذى أقامه لاستقباله مجمع اللغة العربية بالقاهرة يوم 23 فيفرى 1971 . وقد سبقته كلمة مساعد رئيس المجمع الاستاذ زكى مهندس وكلمة الاستاذ عبد الله قنون الذى كلفه المجمع بالقاء خطاب الاستقبال . ولا يسعنا الا ان نجدد للصديق الاستاذ الشاذلى القليبى تهانينا الحارة بانتخابه فى المجمع اللغوى بالقاهرة وهو شرف لتونس ولكافة كتابها ومثقفيها ومجال جديد ليواصل فيه خدماته الجليلة فى سبيل اللغة العربية والحضارة الاسلامية .
سيادة الرئيس حضرات السادة الاعضاء المحترمين فى هذه اللحظة التى أقف فيها امامكم ، تخالجنى جملة المشاعر ليس من الهين أن أميز بعضها من بعض ، فاحللها بما ابتغى من دقة ووضوح . ولعلها ، إذا أنا رمت احلاءها وتمحيصها ، ان تفقد هذا الطعم السخى الذى تختص به والذى هو من اعتمالها فى وحدة متماسكة متضافرة .
فلقد استمعت بمزيد التأثر للكلمة اللطيفة التى افتتح بها الجلسة سيادة الرئيس والى الكلمة الضافية التى تولى القاءها باسم المجمع الاستاذ عبد الله قنون ، وان كنت متحرجا مما اشتملت عليه فى حقى مما ليس من حقى . فاسمحوا لى بان اتوجه اليهما بجزيل الشكر وأخلص شواهد العرفان .
ولا شك أن أهم ما يفعم نفسي ، وانا احضر هذه الجلسة التى تتفضلون فيها باستقبالى ، انما هو شعور الاعتزاز بالانتساب الى هذا الجمع الجليل الذى سجل له التاريخ من الخدمات ، فى الذود عن العربية وابراز طاقتها ما جعله بحق اولى المؤسسات الثقافية فى العالم العربى .
وإنى ، ازاء هذا الاعتزاز ، لا اجد بدا من الاعتراف بانى أوجس فى نفسى نوعا من الاشفاق من مشاركتكم تحمل هذه المسؤولية الثقيلة التى تضطلعون بها عن جدارة وسعة علم .
على أنى قد يشد ازرى ، فى هذا الموقف امامكم ، انى من الذين ان تعذر عليهم ان ينقطعوا للبحث والدرس طوال حياتهم ، فعساهم لم يعدموا فرصة النضال فى سبيل احياء الثقافة العربية وتدعيم مكانتها بين الاجيال الصاعدة .
وهل لمجمعكم هذا من غاية أنبل من الحفاظ على الذاتية العربية باحياء مقوماتها وتوثيق اواصرها وتدعيم اركانها ؟
وهل حاول مخاطبكم غير ذلك ، سواء اثناء عهد التدريس او بعده لما عهد اليه بمهام فى الدولة ، ان كانت قد اقصته عن ميدان البحث والانتاج ، فقد حملته ، حقبة غير قصيرة ، مسؤولية التوجيه الثقافى فى نظام سوف يعده التاريخ بلا ريب من المع ما عرفته البلاد التونسية على مر العصور .
لذلك اعتبر ان اهم ما قمت به خلال هذين العقدين المنصرمين يتخلص فى الاسهام فى النضال الثقافى الذى هو وجه من وجوه رسالة المجمع . وفى مقدمة شواغل كل عضو من اعضائه الجلة .
لهذه الاعتبارات كلها ، اجدنى ، سيادة الرئيس ، حضرات السادة الزملاء ، معتزا ، عظيم الاعتزاز ، بهذه الدعوة الكريمة التى تفضلتم بها والتى تخولنى شرف الانضمام الى جمعكم .
ذلك انى اشعر صادق الشعور بتجاوب عميق بين ما كنت فيه من عمل وفكر فى حقل الدولة . وما رسمه المجمع لنفسه من اهداف تتلخص فى كلمات ثلاث : الحفاظ والتطوير والشمول ، اى جمع كلمة كل من يعنون بمصير اللغة العربية وثقافتها . من المشرق ومن المغرب على السواء ، لتحقيق الحفاظ والتطوير .
وانه لمن مفاخر المجمع انه لم يقصر مجال عمله على البلاد المصرية بل تخطى حدود الاوطان السياسية وأراد لرسالته اشعاعا غير مقطوع ولا ممنوع . فاحتضن من مختلف الاقطار العربية ، أعلاما اجلاء ساهموا فى تدعيمه وآزروه فى النهوض باعباء المهمة الملقاة على كاهله .
ومن بين هؤلاء رجال من المغرب العربى الكبير . ومن تونس على الاخص شخصيات من افذاذ علمائنا قاموا بدور هام فى تركيز المجمع والنهج لمساعيه الموفقة . منهم من كان قد استوطن مصر كالشيخ محمد الخضر حسين ، ومنهم من اختير لعضوية المجمع رغم بعد الشقة كالشيخ الامام الطاهر ابن عاشور
حفظه الله وامد فى انفاسه والمرحومين الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب والشيخ محمد الفاضل ابن عاشور .
ولئن كانت التقاليد المجمعية تقتضى المبادرة بالحديث عن السلف الذى دعيت الى خلافته بالمجمع فانى استأذنكم ، قبل التفرغ لذلك ، فى كلمة ارى لزاما على ان اترحم بها على روح شيخنا الفاضل الذى وافاه الاجل وهو فى عنفوان قوته الفكرية ، يكافح من اجل اعلاء شأن اللغة العربية واشعاع الثقافة الاسلامية .
ولقد كان يحتل منزلة خاصة فى تونس وفى بلاد المغرب الكبير ، اذ كان يمثل الوفاء النير للقيم الروحية فى اجلى مظاهرها ، والذود عن مقومات تراثنا الثقافى والحضارى ، مع التفتح الخصيب لتيارات الفكر الحديث وشواغل العصر ، يحدوه فى ذلك يقين المؤمن بأن ليس بين هذه وتلك تناقض فى الجوهر ولا فى الغايات .
وكان ، من جملة سلوكه ومواقفه ، يتضوع معنى اساسى : هو طلب الموافقات ، والسعى الى التاليف ، والحرص على الملاءمة بين انماط وشواغل وقيم ، يعتقد فى قرارة نفسه ان الجمع بينها ضرورى لحياة الانسان .
ولقد خبرتم تبحره فى العلوم العربية والاسلامية وهو ، مع التوغل فى جميعها ، لم يكن يتقيد بلون من الوانها . فقد كان مع الاحاطة بالعلوم الشرعية مولعا بالدراسات اللغوية والأدبية ، بشغوفا بالابحاث التاريخية ، ذا مشاركة مرموقة فى جميعها ، دون اقتصار على القديم منها ولا اغفال لاى مشرب من مشاربها . فتهيأت له بذلك ثقافة موسوعية فى غير عسف ، طريقة حية فى غير تكلف .
الى جانب هذه الثقافة التقليدية المتنوعة ، كان الشيخ الفاضل دائم السعى الى الاطلاع على الثقافات الاجنبية ، والتفتح لمقتضيات الروح العلمى الجديد والتجاوب مع مشاغل الشباب .
فلا عناصر ثقافته الاصلية بقيت لديه منفصلة بعضها عن بعض ، ولا فكره النير بقى بمعزل عن تيارات العصر ، بل انصهرت هذه وتلك حتى تألفت منها ثقافة فذة حية متحركة دوما بحكم التحاور والتفاعل بين التقليد والاجتهاد . فكان لذلك يعتبر بحق نموذجا لفئة المفكرين الذين يقومون فى تونس بحركة التوفيق بين الحفاظ والتجديد .
والى هذه الفئة ينتسب سلفنا نابه الذكر المؤرخ التونسى المرحوم حسن حسنى عبد الوهاب .
وقد كان من الاعضاء المؤسسين لهذا المجمع ، من اولئك الذين قال عنهم حضرة الامين العام الدكتور ابراهيم مدكور انهم " الرعيل الاول الذى أسهم فى بناء مجمع اللغة العربية وتشييد صرحه ، وانه " كان احد خمسة من أعلام العالم العربى وشيوخه فى الادب واللغة . . . صدر بتعيينهم مرسوم ملكى فى السادس من اكتوبر لعام 1933 ، بقوا اعضاء بالمجمع الى ان لقوا ربهم ، يمدون المجمع بفيض من واسع علمهم ويغذونه بغذاء صالح من دقيق بحثهم ".
هذا ما تفضل به السيد الامين العام فى اربعينية الفقيد المنعقدة بتونس يوم 18 حانفى 1969 ، وقد استهل به كلمته القيمة التى القاها نيابه عن المجمع وتعزية لتونس باسم هذا القطر الشقيق .
ولقد كان لهذه التحية وقعها البالغ فى اوساط المثقفين التونسيين ، اذ بين تونس ومصر اواصر اخوة وتعاطف وتقدير متأصلة فى النفوس والتاريخ . وقد كان الفقيد يعتبر مصر وطنه الثانى ، يحبه ويعتز به . ولقد سأله الملك فؤاد عن رأيه فى مصر فقال له : " سئل ابو العباس المقرى ، مصنف كتاب نفح الطيب ، عما شاهده بمصر حين زارها ، فاجاب : من لم يزر مصر لا يعرف عز الاسلام . وانا اقول بقوله ولا احيد عنه . "
ذلك ان حسين حسنى عبد الوهاب شب واكتهل فى عصر كانت فيه معظم البلاد العربية تحت السيطرة الاجنبية ، وكانت مصر اذ ذاك فى طليعة الحركة التحريرية ، قد خطت فى ميادين السياسة والثقافة خطى جعلتها محل اعتزاز العرب كافة .
فقد ولد سينة 1884 ، اى بعد انتصاب الحماية الفرنسية على تونس بنحو ثلاثة اعوام . فنشأ فى بلد مبتور السيادة . خاضع لدولة اجنبية تتولى ادارة شؤونه وتسعى بكل وسائل القهر والاغراء الى ادماجه فى القومية الفرنسيه لسانا وثقافة وحضارة .
وكان والده متخرجا من الزيتونة ولكنه تعلم الفرنسية حتى اجادها وكان موظفا فى الدولة ومولعا بالتاريخ .
وكان من الطبيعى ان يحرص الوالد على تلقين ابنه الثقافتين العربية
والفرنسية معا . فوجهه الى المدرسة الصادقية التى كانت أسست فى عهد الاصلاح قبل انتصاب الحماية بقليل .
وقد كان لهذا المعهد دور خطير جدا فى اعداد الجيل التونسى الجديد الذى اضطلع ، مع ثلة من خريجى الزيتونة ، بقيادة الحركة الوطنية والفكرية فى تونس ، فى صدر هذا القرن .
ذلك ان برامج التعليم فى المعهد الصادقى كانت ترمي الى هدفين اساسيين : فكانت تعنى بتعليم اللغة والادب مع تلقين الاعتزاز بالحضارة العربية الاسلامية وذلك على يد نخبة من اكابر شيوخ الزيتونة خاصة ، ولكن فى نفس الوقت كانت هذه البرامج تقتضى تعليم اللسان الفرنسى وجملة من العلوم والفنون الحديثة ، وهى بذلك تمكن الطلاب من ثقافة عصرية متفتحة الافاق .
فكان المعهد الصادقى اذن يجمع بين محاسن التعليم الزيتونى من حيث هو تعليم قومى اصيل ، وبين مزايا التعليم الفرنسى من حيث هو تعليم عصرى متفتح . وكان ذلك يساعد متخرجى الصادقية على الانخراط بالجامعات الفرنسية .
ولقد تابع حسن حسنى عبد الوهاب دراساته العليا بباريس بمدرسة العلوم السياسية ، كما كان يحضر دروسا ومحاضرات فى علوم شتى . ولكن ظروفا عائلية عاقته عن المواصلة . فعاد الى تونس وانخرط فى سلك الوظيف العمومية ولم يزل بها يتقلب فى مختلف المناصب السامية حتى اقعده المرض قبيل وفاته ببضع سنوات .
ولئن كانت حياة الفقيد حافلة بانواع النشاط الخاصة بمجالات الادارة والدولة ، فقد كانت ايضا مليئة بالاعمال العلمية الجليلة ، وذلك منذ ريعان شبابه . فقد كف بدروس فى التاريخ العام سنوات طويلة بمعهدين من اشهر المعاهد التونسية الحرة وحضر اغلب مؤتمرات المستشرقين ابتداء من سنة 1905 ، وكانت له بها مشاركة مرموقة . واسندت اليه رئاسة الوفد التونسى الى مؤتمر الموسيقى الشرقية الذى انعقد بالقاهرة سنة 1932 ، وخلال هذه الرحلة تمكنت علاقات مودة وتقدير بينه وبين عدد من شخصيات العصر ، فى مقدمتها الملك فؤاد . وكان يقول عنه : " وفى نظرى ان الملك فؤاد كان بلا نزاع من اجل ملوك المسلمين ومن اقواهم حبا لجمع كلمة العروبة ورغبة صادقة فى الدفاع عن الحضارة الاسلامية . . . "
وفى شىء من الاعتزاز ، يضيف قائلا : " هو الذي عيننى عضوا دائما فى مجمع اللغة العربية لاول تأسيسه آخر سنة 1932 "
وقد كان المرحوم عضوا فى مجامع علمية كثيرة . نخص بالذكر منها المجمع العلمى العربى بدمشق منذ تأسيسه ، والمجمع العلمى العراق والمجمع الفرنسى للنقائش والفنون الجميلة والمعهد التاريخي الاسبانى .
وللفقيد انتاج كثير متنوع ، متجه اغلبه الى تاريخ تونس ومظاهر الحضارة العربية الاسلامية بها . وكان ذلك منه موقفا تجاه تيارات الفرنسية التى كادت تكتسح الذاتية العربية فى بلاد المغرب وتطمس معالمها عن الاجيال التى نشأت بعد الاحتلال الفرنسى .
اما الاغراض العامة التى تناولتها مختلف ابحاثه التاريخية . سواء منها الكتب والمقالات والفصول - وهذه تمثل اغلب انتاجه - فليس ابلغ فى تحديدها مما كتبه هو نفسه فى وصف تأليفه الجامع الذي اسماه " كتاب العمر " ولم تسمح له الاقدار باتمامه قبل وفاته ، اذ يقول عنه :
" والكتاب الذى اشير اليه يتضمن كل ما يمت بصلة الى تاريخ العلم والاجتماع والادب والفن فى البلاد التونسية منذ استقرت بها طلائع النور العربى الى هذا الزمان القريب . " (1)
ويبين المؤلف مقاصده التى يرمى اليها من وراء هذه الابحاث ، فيقول : " وأرجو أن تلقى من النابتة الجديدة اقبالا يزيد به التونسيون المحدثون ارتباطا بماضيهم الخالد ، ويتلمسون فيه عونا على مستقبلهم الزاهر . فانى لا ومن اصدق الايمان بأن جذورنا المتأصلة فى تاريخ اجدادنا وثيقة الصلة بوعينا القومى الحديث . . . " (2)
ويقدر ما كان المؤرخ التونسى مغرما بالتاريخ العربى باعتباره مرآة لامجادنا الماضية ودعامة اساسية من دعائم الذاتية القومية ، كان يحرص على الاقتباس من الطرائق العلمية الجديدة لدرس هذا التاريخ واجلاء غوامضه . وقد مكنته ثقافته الفرنسية من الاطلاع عليها فى تآليف المؤرخين الغربيين ، وخاصة فى
ابحاث المستشرقين الذين عنوا بدراسة الحضارة العربية وتاريخ الشعوب الاسلامية .
ومن الجدير بالتذكير ان المؤرخ عبد الوهاب كتب الكثير من بحوثه بالفرنسية وذلك اما لتقديمها الى مؤتمرات عالمية ، واما للاسهام بها فى نشريات ومجلات اجنبية ، نخص بالذكر منها دائرة المعارف الاسلامية التى امضى العديد من فصولها .
ومن الحق ان نقول ايضا انه كان فى طليعة المؤرخين العرب المحدثين الذين اخضعوا البحث التاريخى لمعطيات الآثار ، لاستنباط ما ليس مذكورا فى الكتب أو لمكافحة المعلومات المنقولة فيها بما تشهد به النقائش والنقود ومختلف الاعراض التى تكشف عنها الحفريات .
فمن هذه الوجهة ، يمكن القول فى غير مبالغة ان عبد الوهاب خطا بالدراسات التاريخية فى تونس اشواطا وجعلها تتصف بالدقة والامانة وتهتم بالنفاذ الى المقومات الحضارية .
كما كان له فضل لا ينكر فى توجيه ما يسميه بـ " النابتة الجديدة " الى الاهتمام بالاثار والغيرة عليها باعتبارها احد المصادر الهامة لتاريخ البلاد .
وكان له تأثير غير قليل فى اوسط الباحثين الشبان ، سواء منهم الجامعيون او غيرهم . فقد كان كثير الاتصال بهم يجتمع بهم فى بيته ويساعدهم فى ابحاثهم ويطلعهم على ما جمعه من نفائس التحف والمخطوطات .
والحق يقال لقد كانت للفقيد شخصية جذابة ملكت له قلوب اصدقائه ومريديه بما اجتمع فيها من شمائل شرقية عذبة ونواح مغربية لطيفة جعلت مجالسه عنوان الامتاع والمؤانسة ومنتدى رجال الظرف والعلم .
وقد لا يكون من المبالغة فى شىء ان نقول ان تأثيره بالاتصال المباشر وبالسم وبالاشاع الشخصى لم يقل اهمية عن تأثيره بواسطة كتبه وبحوثه المنشورة .
على ان حسن حسنى عبد الوهاب ، وان غلب عليه الولوع بمادة التاريخ ، ثم يكن ذلك ليثنيه عن الاهتمام بما سواه من العلوم والفنون . فكان واسع الاطلاع على الادب واللغة . تشهد بذلك فصول له وتحقيقات لنصوص قديمة
تولى نشرها والتعريف بها ، كما تشهد على ذلك مساهمته فى مداولات المجمع . سواء منها العادية او المتعلقة بمشاكل حيوية تهم حياة اللغة ورسالتها الحضارية ومكانتها بين سائر اللغات الحية فى القرن العشرين .
ولا حرم ان كان اهتمامه باللغة من الوجهة التاريخية ، ينظر الى اللغة نظرة المؤرخ الذى يعتبرها ظاهرة تاريخية واجتماعية واجب درسها من بين جملة المظاهر الحضارية التى يعنى ببحثها واجلاء العوامل المؤثرة فيها .
وقد وقف فى هذا الصدد مواقف معروفة مدرجة فى سجلات المجمع . وكان صادرا فيها عن نظرة متحركة هي اقرب الى ما تعودناه عند سلفه ، تونسى النشأة والثقافة ، عبد الرحمن ابن خلدون - الذى كان له شأن ايضا فى هذه البلاد . فكانت نظرته الى اللغة نظرة المؤرخ المفكر الذي لا يرضى بالوقوف من الأحداث الماضية يصفها ويعللها : بل هو يسعى الى ربطها بالحاضر لاجلاء معالم الحاضر واستكشاف ملامح المستقبل . ذلك ان عبد الوهاب ، وان كانت نفسه تطفح بالإعتزاز بأمجاد العروبة والاسلام - ولربما من اجل هذا الاعتزاز لم يكن يطمئن الى ما آلت اليه العربية من ركود أضعف قدرتها على الاداء وحط نفوذها الحضارى .
وهو فى الحقيقة مشكل المشاكل ، لزام علينا ان نمعن النظر فيه لانه متصل بمنزلة الثقافة العربية بين الثقافات الغازية التى تتنازع السيطرة على العالم .
فنحن ننتمى الى لغة فذة بما تختص به من اساليب فى الاداء والابلاغ ، ، كذلك فيما انفردت به من استقرار رغم التطور والنمو اللذين لازماها منذ البدء . غير ان صورة عنها ضيقة شاعت فى بعض الاوساط من ابنائها - ومن غير ابنائها - تقول بانها لغة خطابة وترتيل . ولاشك ان الذين يأخذون بهذا الرأى يقصدون ان العربية من طبعتها عدم التقيد بالضبط والجموح عن مسالك التوضيح .
وصحيح ان اولى خصائص العربية انها لغة خطابة وترتيل ، بها نزل الكتاب المبين الذى من اسمائه القرآن و " الذكر " ، اشارة بذلك الى انه اولا وبالذات " خطاب موجه الى الناس ، يرتل ترتيلا . ولعل هذه الظاهرة الخاصة بالعربية هى التى جعلت الشعر العربى ، فى مختلف عصوره واطواره تغلب عليه أريحية الخطابة وايقاعات الترتيل .
ولكن ، لا كانت العربية لغة خطابية مثلى فانه من الحيف حصر طاقاتها فى
ذلك . وهي على كل ... لم تقصر عن القيام بالدور الجديد الذى دعيت اليه لما اصبحت لغة أمة فاتحة . عليها ان تبنى حضارة من أهم الحضارات الانسانية . فاذا هى سرعان ما تطورت الى لغة كتابة وتأليف ، ولغة ادارة وفقه وتشريع ، ولغة فلسفة وعلوم وصناعات . فاتسع مجالها وظهرت لها وجوه وطاقات جديدة ، تنقاد لأغراض ابن المقفع والجاحظ وتفى بحاجة الفارابى وابن رشد وابن خلدون ، دون ان يمس ذلك التطور بجوهرها او يمزق لحمتها .
ذلك ان اللغة على شاكلة البشر الذين يتكلمونها ، فيخضعونها لاغراضهم المختلفة وحاجاتهم المتجددة .
وانما غلب الجمود عليها فى عصور الانحطاط لما تقلصت الطاقات الفكرية وضعفت جذوة الفكر عن مواصلة العمل الحضارى الذى قوامه اجتهاد متواصل وكشف عن مغلقات الكون وسبر دائم لخفايا الانسان . فلم تعد المجتمعات العربية قادرة على ترويض لغتها اذ لم تعد قائمة بالدور الانشائى الذى كانت اضطلعت به فى ميادين الفكر والعلم .
وانما بسبب توقف هذا العمل الحضارى الخلاق حدث التقطع فى سيل اللغة ، فتجمدت الفصحى ، لغة اهل الفكر والعلم ، بينما انطلقت لغة الكلام فى مسالكها الخاصة بحكم الضرورة . ولم يزل الفتق يتسع بينهما حتى اصبح هذا البون الذي نشهده اليوم : وفى ذلك يكمن اخطر مشكل تجابهه العربية فى نهضتها الحديثة .
فنحن لا يهمنا من اللغة هذه الثنائية بين الفصحى والدارجة بقدر ما يهمنا جمود الفصحى وانفصال الدارجات عنها .
وقد تعرضت شعوب كثيرة لمثل هذا المشكل ولكنها استطاعت أن تتغلب عليه بفضل ما احتفظت به الفصحى عندهم من دور ايجابى فى مجالات الفكر والفنون الصناعية ، وبفضل ما تهيأ لهذه الشعوب ايضا منذ امد طويل من نشر واسع للتعليم باللغة التى اعتبرتها هى الفصحى .
وليس ابلغ حجة على ذلك من التطور الذى نشهده اليوم فى اغلب البلاد العربية . نتيجة انتشار التعليم ووسائل الاعلام والتثقيف .
فالتعليم يؤثر فى الفصحى من جهة وذلك بأن يدخل عليها مفاهيم وصيغا فكرية جديدة ، اذ يستعملها فى تبليغ معان وعلوم لم تكن تدرس بها ، وهو ،
من جهة اخرى ، يقرب البون بين الفصحى والدارجات لدى فئة المتعلمين ، نظرا الى ما يقع بين هذه وتلك من تفاعل .
اما الوسائل السمعية البصرية المتجهة الى الجماهير ، كالاذاعة والتلفزة والسينما ، فانها تقوم اليوم بنشر لغة فصحى مبسطة - سميت احيانا بالله الثالثة - قد اخذت تشيع بين الناس ويتضافر مفعولها مع تأثير التعليم .
لذلك نعتقد ان قضية اللغة العربية ، وما تعانيه من صعوبات فى الاداء والتبليغ فى ميادين الفكر والعلوم ، انما هى قضية حضارية ، لا قضية لغوية . والأمر فيها راجع الى موقف الشعوب العربية ، وراجع ، اولا وبالذات ، الى موقف النخبة المسيرة وصحة عزيمتها على كسب الرهان الحضارى الذى تواجهه .
فكثيرا ما يتساءل المثقفون هل العربية فى مقدورها ان تصبح من جديد لغة العلوم والفنون الصناعية . ويبدو ان السؤال ينبغى ان يكون : هل المجتمعات العربية قادرة على اعطاء اللغة العربية هذه المكانة ؟ وذلك مرتبط بقدرتها ، اى قدرة هذه المجتمعات ، على ان تنبت فئة من رجال الفكر والعلم يساهمون فى عملية الانشاء والابتكار ، عوض الاقتصار على الاستهلاك السلبى بالنقل والتقليد .
فالقضية تعود اذن فى آخر الامر الى قدرة المجتمعات العربية على الخروج من طور التخلف واللحاق بركب الحضارة الجديدة والمشاركة الايجابية فى تشييد هذه الخضارة .
وبذلك نلمس مدى التضامن المكين بين النهضة الثقافية والنهضة الحضارية التى تهم المجتمع كافة ، وهو من الاسباب الرئيسية التى من اجلها لم يكتب لما اسمى بـ " النهضة " عندنا أن ينمو ويؤتى أكله ويشع على جميع قطاعات المجتمع ، اذ تصدت النهضة للهياكل السطحية ولم تعمد الى تغيير الاوضاع الباطنة العميقة الجذور .
وليس معنى ذلك انا غير مطالبين باى عمل فى المجال الثقافى . ريثما تخرج مجتمعاتنا من التخلف . فان ذلك يكون تنصلا من المسؤولية واخلادا الى التواكل وبقدر ما نرفض القول بعجز جوهرى كامن فى احشاء اللغة العربية ، نأبى ترقب اى حل سحرى من وراء عملية الخروج من التخلف .
فالخروج من التخلف والنمو والتطور طريق شاقة طويلة ، ونضال شامل ، علينا فيه واجبات اكيدة ، عاجلة وآجلة ، نحو لغتنا وثقافتنا ومجتمعاتنا . ذلك ان النهضة عملية متضامنة الاوصال شاملة لكل القطاعات . وبناء ثقافة ما انما هو وجه من وجوه هذا النضال ، وضرب من الرهان ، ومغامرة تقتضى فحولة العزيمة الى حد التعنت دون استكانة ولا رضى بالدون .
واول واجباتنا تجديد الروح والاساليب فى تثقيف النشء وذلك بان نتجه العناية الى تلقين لغة حية مرنة صالحة لاداء معان مضبوطة . ولا بد لذلك من الاقلاع عن حشو الادمغة بالفاظ وصيغ لا تدعو الحاجة الى حفظها وكثيرا ما يسبق حفظها تصور مدلولاتها . وقليلا ما يعنى بضبط معانيها والتميز بينها وبين مترادفاتها . على هذا النحو نتمكن من اعداد آلة طيعة تمتاز بما تمتاز به اللغات العصرية من سهولة التركيب ودقة التعبير ووضوح التبليغ . ذلك ان تعليم اللغة عند الامم المتقدمة انما هو ترويض للفكر على مسالك الوضوح والدقة والضبط .
ولا شك ان لمجمع اللغة العربية دورا هاما فى الحفاظ على اللغة ، فى اوسع معانى الحفاظ وأنبلها وأبعثها على الاعتزاز ، إذا نحن اعتبرنا الحفاظ لا يقف عند مجرد الابقاء ، بل يتعداه الى ضمان الوسائل الكفيلة بان تستعيد العرب مكانتها الحضارية .
وانه ، لمن حقه المساهمة - وقد تصدى لذلك منذ تاسيسه - فى جعل العربية فى مستوى مقتضيات العصر فى كافة الميادين الحيوية .
ولئن كان من الطبيعى ، بالنسبة الى المصطلحات الحديثة ، أن يجرب طرقا مختلفة لنقلها الى العربية ، فقد وفق الى السبيل المثلى حين أعرض عن ترجمة المفردات الغربية بصورة مبدئية دون مراعاة تأكد الحاجة اليها ، ووجه عناية الى ما يتوقف عليه التعليم او تستوجبه البحوث العلمية والفنون الصناعية . ذلك انه لا فائدة ترجى من اصطلاحات لا تدعو الضرورة الى استعمالها فورا فتبقى نسيا منسيا ، ولا تكون لها اى " انتاجية " علمية ولا اجتماعية .
وفى صورة مراعاة الحاجة الماسة ، فان النظر فيما قد يكون شاع استعماله على ألسنة اهل الذكر خير من استنباط مفردات يعسر فرضها فى واقع الاستعمال . لذلك يحسن تشريك اهل الذكر من كل البلاد العربية حتى لا تستقر فى بعض البلاد الفاظ تكون مجهولة فى غيرها .
اما فى خصوص سائر الاغراض العامة ، فمن حق المجمع ان يشرف بصورة مباشرة او غير مباشرة ، على اعداد معجم يكون اداة تثقيف عام لا تؤخذ الالفاظ فيه مفردات ميتة ، بل تضبط فيه مختلف وجوه استعمالها ، مبوبة ، ومعززة بشواهد مقتبسة من اهم المراجع القديمة والحديثة .
وبذلك يتسنى مراقبة تطور اللغة وضبط مقاصدها الجديدة واصلاح ما تسرب الى تراكيبها من فساد او عجمة ، لا فى الصحافة فقط ، بل احيانا على السنة خاصة المثقفين وفى كتاباتهم ، واحيانا كثيرة ايضا فى النصوص الرسمية التى هى من وثائق الدولة .
وكثيرا ما يعزى شيوع الخطا واللحن الى ان العربية معقدة من حيث قواعدها ، غامضة من حيث كتابتها . وصحيح ان لغتنا صعبة المراس فى نحوها وصرفها ، كما ان هجاءها لا يدل دلالة واضحة على نطق الفاظها وما ينتاب الكلم من احوال داخل الجملة .
ولا شك انه من المفيد ، لا سيما فى مراحل التعليم الاولى ، تلافى هذه الانقاص حتى يسهل على المتعلمين حذقها واجتناب الرطانات التى تعلق باللسان ويصعب بعد ازالتها .
وقد اشتكى الاجانب من هذه العقبات التى تعترض سبيل من يريد تعلم العربية . وقد قيل عن الكتابة العربية ان قراءتها متوقفة على فهم المعنى ، بينما الشأن فى اللغات الاوروبية ان تكون القراءات وسيلة الى فهم المعنى وقال بعضهم ان العربية لغة نحاة فقهاء .
ولئن كانت هذه الملاحظات على جانب من الصحة ، رغم ما فيها من مبالغة مقصودة ، فانه يمكن الرد عليها بأن كتابة اليابانية مثلا على جانب غير قليل من العسر والتعقيد . ولم يمنع ذلك ابناءها من تحقيق ما هم عليه اليوم من جمع غريب بين متناقضين : المحافظة الشديدة على التراث والتقاليد ، والتقدم المذهل فى العلوم والفنون الصناعية والاقتصاد ، حتى ان بلدهم ليعتبر فى طليعة البلاد المتقدمة .
ولست اقصد من ذلك انه لا حاجة بنا الى تيسير اللغة ، بل قصدى انه لا ينبغى ان نحمل اللغة تبعة ما نشكوه اليوم من وهن وتخلف فى الميدان الثقافى والحضارى .
ومثل هذه القضايا لا يحل باجتهادات فردية . وليس لاى قطر أن يشترع
فيها بمفرده وبمعزل عن بقية الاقطار . والا انفصمت تلك اللحمة التى هى من انفس مكاسب الثقافة العربية .
وانه من حظ العربية ان كان لها هذا المجال الفسيح الذى يتمثل فى مجموعة كبيرة من الشعوب ولم يتهيأ مثله الا لقلة من اللغات الحية .
على انه ينبغى ان نصارح انفسنا بأن كسب ثقافتنا اليوم من هذا المجال الفسيح لم يكن على قدر اهمية المجموعة البشرية المنتسبة اليها .
واول سبب فى ذلك تفاوت هذه الشعوب فى النمو والطاقات الفكرية . فكان الحمل على كاهل عدد قليل . ومن الطبيعى ان يكون دور بعض الاقطار فى تغذية الثقافة أوسع مدى وأقوى فاعلية بحكم درجة نموها واوضاعها التاريخية والاجتماعية .
ومن الطبيعى ان يكون دور مصر فى طليعة هذه الجهود الرامية الى التقدم بالفكر العربى اشواطا نحو الوضوح والموضوعية والنفاذ الى قضايا الانسان الجوهرية والسيطرة على ما به المعاش فى يوم الناس هذا .
غير انه ، الى جانب هذا السبب الاول المتمثل فى تفاوت الطاقات ، يقوم سبب ثان وهو سوء تنظيم العلاقات الثقافية بين مختلف البلاد العربية .
وحبذا لو وضع المجمع فى جدول اعماله النظر فى مشروع يهدف الى اقامة سوق ثقافية مشتركة " فيتقدم به الى الحكومات المعنية لتتولى دراسة شروطه ومقتضياته ونتائجه فى المجالين الثقافى والاقتصادى .
فليس من شك ان لجميع الاقطار مغانم عاجلة ومصالح آجلة فى قيام علاقات تضبط بوضوح نظام المبادلات الثقافية بينها على قاعدة تضافر الجهود بحسب الاشتراك فى المنافع .
واذا ما تسنى لهذه السوق المشتركة ان تؤسس على مبدأ مساهمة كل قطر مساهمة فعلية وقابلة للنمو والتطور ، فى كافة ميادين الفكر والفن والعلم . وبالنسبة الى كل عمليات الانتاج والنقل والنشر ، فان الثقافة العربية تستطيع بذلك ان تحقق قفزة عظيمة نحو اللحاق بمستوى الثقافات الناهضة .

