سيادة رئيس الجمهورية
سيدى رئيس المؤتمر
حضرات الاعضاء
سيداتى - سادتى
باسم الوفد التونسى الى هذا المؤتمر ، وباسم ادباء تونس ، احيى ادباء العروبة الوافدين من المغرب والمشرق العربيين الى بلاد العراق الشقيقة، تجمعنا لغة الضاد واسرة الادب ، ومساعى العروبة وآمالها المشتركة .
واسمحوا لى بهذه المناسبة السعيدة ان ارفع عبارات الشكر الجزيل والامتنان البالغ الى سيادة رئيس الجمهورية السيد المشير الركن عبد السلام محمد عارف الذي اتاح للادب العربى هذه الفرصة الثمينة ، اذ شرف هذه الجلسة الافتتاحية بحضوره الكريم ، وتفضل بان القى بهذه المناسبة ذلك الخطاب الرائع الذى يصلح بحق ان يكون دستورا للادباء العرب ، ونبراسا للناشئة العربية ، كما اتوجه بجزيل الثناء للحكومة العراقية ، عما اسدته من كريم الحفاوة للمؤتمرين الادباء العرب .
سيداتى سادتى :
ان هذا المؤتمر ليزيد تعارف ادباء العرب اتصالا ، ولحمتهم وثوقا ، وتوصيات مؤتمراتهم السابقة فاعلية ونجاعة . ولقد عبر منذ حين اعضاء الهيئة التحضيرية عن ابتهاجهم باقتبال اعضاء المؤتمر بارض العراق الشقيقة فنقول لهم : اننا نشاطرهم عواطفهم الاخوية ونطلب اليهم ان يبلغوا شعب العراق الابى ما نشعر به من اعتزاز وفخر بانعقاد هذا المؤتمر ببغداد ، لان وجودنا فى عاصمة الرشيد والمأمون يشعر القلوب والاذهان ذكرى الحضارة العربية التى نشأت وترعرعت فى مصرى والعراق ، البصرة والكوفة ، ثم ازدهرت فى بغداد الخالدة حتى اصبحت لزمانها حضارة العالم ، مدة قرون
انتشارا وعمقا ، واصالة . وهذه الذكريات المجيدة لتحمل العرب مسؤوليات جساما بقدر ما تشعرهم عزة وفخرا.
منذ انعقاد المؤتمر السابق بالكويت سنة ( 1958 ) اكتمل صرح الحرية بالمغرب العربى بتحقق استقلال الجزائر العربية الشقيقة ، بعد كفاح مرير وبطولة نادرة ، وتضحيات جسام ، فسجل بذلك العرب انتصارا باهرا ، عزز صفوف الشعوب المضطهدة ، واحيا فى النفوس معانى الحق ودواعى نصرته، وبعث على الايمان بان المشاكل الاستعمارية القائمة فى جزء من الاراضى العربية العزيزة او فى غيرها من بقاع العالم ستأخذ حتما طريقها الى الحل السريع المشرف .
سيداتى سادتى :
سيدرس مؤتمركم هذا ، خلال دورته الخامسة ، موضوع " دور الادب فى معركة التحرير والبناء فى الوطن العربى " . ومثل هذا الموضوع يدل دلال واضحة على شعور العرب شعورا قويا بالمشاكل التى تواجه قادة الفكر والمسؤولين ، خاصة فيما يتعلق بالخروج من التخلف الاقتصادى والاجتماعى . فالتحرير السياسى لا يلتمس كغاية فى حد ذاتها بل باعتباره الوسيلة الضرورية التى بدونها لا يتم ايما اصلاح ديموقراطى صحيح يهدف الى توفير التقدم الاقتصادى والاجتماعى والثقافى لمجموع الامة .
فعملية البناء هذه ، مهما ظهرت للنظرة العجلى باعتبار نتائجها المرجوة مادية صرفا ، فانها تستبطن مثلا اعلى ، وحياة روحية زاخرة ، وشروطا عقلية واضحة ، لا بد ان تتوفر مسبقا لتتولاها بالرعاية وتضمن لها شرف المنزلة واسباب النجاح . فمثل هذه المحاولات التوجيهية للبناء والتشييد هى فى اصلها غيرة انسانية قوية وتشدد خلقى متين وعاطفة سامية جياشة ، حتى تفوز القوى النابعة من الشعب باوفر نصيب من مرافق الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتطورة ، ومن ثم فى الحياة البشرية على الاطلاق .
ولا يكفى ، لضمان النجاح فى معركة الخروج من التخلف ، توفير مقدرات التنمية ، ووضع المخططات المحكمة ، ما لم تتوفر الارادة الجماعية والحماس المتأجج الشامل ، مع الشعور الواضح بالحاجيات والاهداف وما يتطلبه الوعى الجماعي من تطور فى المشاعر والعقليات والعواطف .
والادباء العرب المجتمعون فى هذه القاعة ، ومن يمثلون فى مختلف الاقطار العربية قد شاطروا الشعب العربي حلوه ومره وانهم لطالما غضبوا للشعب ونافحوا فى سبل استرجاع حقوقه السليبة ابان المعارك التحريرية ، وما اكثرها منذ نصف قرن . وهم ابناء الشعب الصادقون وقادة الفكر الامناء فلا
بفوتهم ما لهذا " الجهاد الاكبر " بالغ الاهمية فى تحقيق مصير افضل للامة العربية وما يتطلبه النجاح من تطور جذرى فى المفاهيم والسلوك .
الا ان التحول بالمجتمع المتخلف ، من اقتصاده التقليدى الى الاقتصاد الصناعى ، مع الحرص على الاسراع بقطع المراحل ، لا يخلو من ادخال الضيم والاضطراب والتفويض على النظم الصالحة المتأصلة والثقافات الاصيلة الموروثة ، والعادات الاجتماعية الكريمة . ومن واجب الادباء العرب ان يجنبوا الشعوب العربية هذا التدهور الذى لم تسلم منه المجتمعات الصناعية المزدهرة اقتصاديا فاعتبره قادة الفكر النزهاء فى الغرب وبالا على القيم الخالدة لكل حضارة .
اما جانب اليسر بالنسبة للادباء العرب ، فى هذا المسعى الجليل والعمل الجبار ، فهو ان الحضارة العربية كما ورثناها عن عصورها الذهبية ، تشتمل على ما لهذه الحضارة الصناعية السائدة فى العالم من عناصر القوة من حيث تجانس الحياة الروحية ومتانة الفكرة العلمية وخصوبة الوسائل الصناعية .
ويتمثل جانب العسر فى العادات التى ورثناها عن عصور الانحطاط من جهة وما فى المدينة الصناعية من مظاهر التحلل والتفكك من جهة اخرى . الا ان هذه الادواء لا تعدو ان تكون بمثابة " الطفيليات " التى ينبغى ازاحتها بتوفير الغذاء الروحى الكفيل بازالتها . وهذا العمل الانشائى يقوم على الابتكار والخلق كما يقوم على التحليل والمراقبة والتجربة . ومدار النجاح على الوعى والاخلاص والشجاعة الادبية . وان الحضارات مهما كانت حيوبتها ، يصيبها كلال العادات ، فتتضاءل حيوية القلوب والعقول والارواح . ومما يشرف ادباء العرب منذ قرن تقريبا انهم تصدوا لاثار الحضارة العربية الموروثة ، ينفضون عنها ما تراكم من غبار ولعل الوقت قد حان لنجني ثمار هذه المساعى الموصولة . بقى ذلكم الزيف الذى يندد به مفكرو الغرب المخلصون وادباؤه الملهمون مما يجب تداركه بالمراجعة والتطعيم .
وفى هذا المقام يحق التذكير بما قام به من نظامية بغداد ابو حامد الغزالى الذي سمت همته الى احياء علوم الدين على قداستها ، فاصبح لعشرات الاجيال مرشدا الى صدق النية وسمو المقصد والخلق الكريم .
فلتكن هذه السنة الجريئة شعارنا مع الرجاء ان يكون للمؤتمر الخامس للادباء العرب كامل النجاح والتوفيق .
