في كل يوم لصاحب المنهل نشاط جديد وابتكار في دنيا الصحافة وتفنن في الاساليب التى يجتذب بها القراء ويكسب بها اصدقاء ينهلون من منهله . .
فقبل شهور خلت طلع علينا بعدد ممتاز للقصة طالعنا فيه باروع القصص الادبي المتزن الذي يجمع بين المتعة الادبية والتقويم ، ثم اردفه بعدد ممتاز آخر بمناسبة مضى عشرين عاما على جهاد المنهل
وشقه الطريق امام رواد العلم والادب والمعرفة ، ولم يقف نشاط الاستاذ عبدالقدوس عند هذا الحد بل تابع حركة النهوض التى يوجهها مولانا المليك بسديد رأيه وصائب حكمته ، تابع حركة النهوض ورغب فى ان يسهم فيها بعدد ممتاز خاص
بالشعر والشعراء واثرهما في تقدم المملكة من الناحيتين الثقافية والاجتماعية وجه الى الكتابة فيه الدعوة لجمهرة من حملة الاقلام والشعراء ورجالات العلم وقادة الرأي ليسجل بين دفتيه كلما يتصل بهذا الموضوع ليكون كما قال الاستاذ عبدالقدوس وعلى حد تعبيره " تاريخا وضاءا للشعر الحديث في بلادنا . .
ولقد خصني كعادته بموضوع يتناسب والنزعة الدينية المهيمنة على نفسي ورغب في ان تكون كتابتى في
موضوع ( نظرات الدين الى الوان الشعر ( والحق ان للدين نظرات ونظرات في الوان الشعر واتجاهاته ومناحية ، فليس كل الشعر يبيحه وليس كل الشعر يحظره ويؤاخذ
عليه وان الكتابة فى موضوع كهذا تتقاضاني الالماع بتقدمة موجزة عن اغراض الشعر والوانه وملابساته والظروف التى كانت توحى به وتشجع عليه اخلص منها الى موضوع المقال .
فالشعر كما عرفه المحققون من الادباء هو الكلام الفصيح الموزون المقفي . وقد يضرب إلى الخيال ليعبر عن الوان من صوره البديعة ، وقد يعبر عن الحقائق من غير مدخل للخيال كأبيات الحكم والمواعظ والامثال . .
اما اغراضه فكثيرة متنوعة - فمن اغراضه مثلا المديح وقل ان يخلو عصر من العصور الا وفيه مادح وممدوح اللهم الا في فترة الانتقال القصيرة التى هاجر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة وشغلت شاعرية الصحابة عنه بالقرآن ومحكم آياته ومتانة لفظه وبديع نظمه ثم انطلقت السنتهم بالشعر في مدائح الدين والرسول صلى الله عليه وسلم كما انطلقت السنة الجاهليين من المشركين بالطعن على الدين وهجو الرسول واصحابه . .
ويقابل المديح شعر الهجاء فبدلا
من ان يصف الشاعر محاسن الممدوح وفضائل اخلاقه وكرم محتده ينشر مثالبه ويعدد معايبه ويشكك في حقيقة أمره . .
ومن اغراضه ايضا الرثاء ودافعه الحافز عليه شعور بوقع المصيبة وعاطفة تجيش بالكلوم الدفينة ولن يخلو الزمان على كره من فواجع وآلام هى فى امس الحاجة الى تصويرها بالشعر والتعبير عنها . .
ومن اغراضه ايضا الاعتذار وهو لون من الشعر يجمع الى التنصل من الذنب ، الاستعطاف واستمالة القلوب
ومن اغراضه ايضا الحماسة والفخر وهما ابرز صفات العربى فقد نشا على التمدح بمفاخر الآباء واحسابهم وعريق مجدهم وحسن بلائهم وعلى تصويره للشجاعة في اثوابه وصدقه في لقاء عدوه الى غير ذلك . .
ومن اغراضه ايضا الوصف - وطبيعة العربى الانطلاق والحرية والشعر الوصفي مادته الانطلاق والحرية فاندفع العرب ينظمون في هذا اللون من الشعر ويحلقون به فى اجواء واسعة وخيال خصيب حيث كانوا يصفون كل ما تقع عليه اعينهم من حيوان ونبات وسهول وجبال ومواقع حربية وغارات وثارات وما الى ذلك ، وبدهى ان يشمل ذلك المرأة وجمالها ومبلغ الافتتان بها ووصف محاسنها الى ان خرج بهم ذلك الى التغزل والتشبيب بالنساء وذكر الغرائز الجنسية والتحدث عن التهاب العاطفة بشكل يغرى بالاثم بل هو الاثم مقنعا . .
ومن اغراضه ايضا . . المثل
والحكمة وهو ندرة فى الشعر يأتي به الشعراء في غضون شعرهم فيكون كما مثل له بالملح في الطعام . .
من هذه الالماعة يتضح ان الشعر شأنه شأن غيره من الموضوعات ذات الالوان المتغايرة والاوجه المختلفة التى يجتمع فيها الخير والشر والحق والباطل ، فشعر الهجاء مثلا الذي يعتمد على الطعن وتعداد المثالب وقلب المحاسن الى مساوىء إذا اتخذ اداة للطعن على أعداء الاسلام والتشهير بهم وتعداد مثالبهم والتنفير منهم وتعييرهم بالنقائص فوجهة نظر الدين فيه الجواز وعدم الحظر منه بل بالعكس
التشجيع عليه يؤيد ذلك سماح رسول الله صلى الله عليه وسلم لشعراء الاسلام بهجو قريش بل تحريضهم على ذلك عندما آذت قريش رسول الله بهجائه واصحابه . عن عائشة رضي الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ) اهجوا قريشا فانه اشد عليهم من رشق النبل ( وقالت ايضا : سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول لحسان : ) وان روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن رسول الله ( وقالت ايضا : ) سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( هجاهم حسان فشفى واشفى ) وحدثت ايضا رضي الله عنها : ) ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضع لحسان منبرا فى المسجد يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينافح ( .
اما إذا كان الهجاء يتناول اعراض المسلمين ويقذف البريئين ويطعن في الصالحين ويكشف عورات المتسترين
ويتطاول على الخلائق بالسباب وهجر القول فان الدين يقف منه موقف الرادع الزاجر يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم لمن وجده ينشد شعرا : ( لأن يمتلئ احدكم قيحا خير له من ان يمتلئ شعرا ( وسئلت عائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم بسائغ عنده الشعر ؟ فقالت كان ابغض الحديث اليه - ولقد حبس امير المؤمنين عمر بن الخطاب الحطيئة لما هجا الزبرقان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اطلقه عندما استشفع اليه بشعر واشترى منه اعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم . .
وشعر الوصف ان وقف عند حد الوصف المباح كوصف الشجاعة والأقدام والبسالة في الحروب ووصف الكون بمناظره الخلابة ووصف الحدائق الغناء والقصور الشامخة والأئمة العادلين وما اليه فلم يعد ذلك في نظر الدين تقرير الواقع وليس على الشاعر فيه من بأس او جناح .
اما ان تجاوز هذا الى ما يسمى فى عرف العصر بالادب المكشوف وكان هدفه التغزل بالنساء ووصف محاسنهن وايام لقائهن وليالي السمر معهن وما الى ذلك مما يغرى بالاثم ويدفع الى الخطيئة ويلهب الغرائز كشعر عمر ابن ابي ربيعة الذي قال عنه العلماء ما دخل العواتق في خدورهن شئ أضر عليهن من شعر ابن ابي ربيعة ولقد شغف بشعره المغنون واولع به القيان والندماء وضجر منه الزهاد والصالحون وضاق به الخليفة الاموي عمر بن عبدالعزيز ونفي ابن ابي ربيعة
الى منفي بني امية باحدى جزر البحر الاحمر ولم يعد من منفاه الا بعد أن اقسم ايمانا مغلظة انه لا يعود الى صبواته وانه سوف يخلص لله فى توبته . . ومن هذا القسم ايضا شعر ابي نواس ووصفياته القذرة للخمر
والدنان والليالي الحمراء وغير ذلك مما يطول شرحه وتعداده ، ومنه ايضا بعض الموشحات الاندلسية التى تصف المردان وقدودهم الممشوقة واقومتهم اللدنة ووجناتهم الملتهبة وغير ذلك من
الاوصاف التى كان وصف النساء بها اليق والفتنة بها في المردان ارتكاس وشذوذ قبيح ، ومنه ايضا شعر هذه الاغاني الرخيصة التى تذيعها بعض محطات الاذاعة وهي تصور الاثم والتحلل لابعد مدى . .
كل ذلك وأمثاله مما يشجع على الرذيلة لا ينظر اليه الدين الا نظره الى الجريمة والحوب الكبير ولقد نقل التاريخ حادثة امير المؤمنين مع احد عماله وعزله له عن عمله عندما بلغه عنه انه نظم الابيات التالية وعدها قدحا فى عدالته يؤاخذ عليه :
ألا هل أتى الحسناء ان خليلها .... بميسان يسقي من زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين فربة .... ورقاصة تحدو على كل مبسم
فان كنت ندماني فبالأكبر اسقني .... ولا تسقني بالاصغر المتلئم
لعل امير المؤمنين يسوءه .... تنادمنا بالجوسق المنهدم
فقال امير المؤمنين عمر : أى والله يسوءنى ذلك ومن لقيه فليخبره اني
قد عزلته ! ولما قدم على الخليفة بكته بهذا الشعر فقال العامل معتذرا : والله يا امير المؤمنين ما شربتها قط وما ذاك الشعر الا شئ طفح على لسانى ، فقال عمر : اظن ذلك ولكن والله لا تعمل لى عملا وقد قلت ما قلت ! . . .
وشعر الاعتذار والرثاء ان لم يغل الشاعر في الاول فيرفع المعتذر اليه فوق منزلته ويستكين ويخضع له خضوع المملوك للمالك . .
وان لم يبلغ الشاعر الثاني درجة التسخط على الاقدار والتبرم لاهتصار المنون لسيد زمانه ووحيد أوانه وان لم يبالغ الشاعر في تعداد محاسن الميت ومحامده لدرجة تخرجه عن نطاق البشرية وتجعله في صفوف الملائكة ان لم يكن ذلك الغلو في الاول
وهذه المجازفة في الثاني فان الدين لا يقف في سبيلهما حجر عثار فثمة ثروة هائلة من ابيات الاعتذار نذكر منها ابيات كعب بن زهير في قصيدته اللامية التى سار بخبرها الركبان والتي كان من اثرها ان خلع الرسول الكريم عليه بردته منها قوله :
انبئت ان رسول الله أوعدنى .... والعفو عند رسول الله مامول
مهلا هداك الذى أعطاك نافلة ال .... قرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم .... أذنب ان كرت في الأقاويل
اما ابيات المراثى فحدث عن كثرتها ووفرتها . ولقد كان اعظم رثاء في اعظم رزء منيت به الجماعة الاسلامية الا وهو الرزء بموت الهادى منقذ البشرية بهداية الله من الظلمات الى النور عليه
الصلاة والسلام وقام برثائه كثرة من الصحابة رضوان الله عليهم منهم حسان رضى الله عنه في غير قصيدة واحدة منها قصيدته اللامية التى يقول فيها :
لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة .... عشية علوه الرى لا يوسد
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم .... وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
يبكون من تبكى السموات يومه .... ومن قد بكته الارض فالناس أكمد
وهل عدلت يوما رزية هالك .... رزية يوم مات فيه محمد
اما المديح وشعره فالقول فيه واسع مديد ونظرة الدين اليه تختلف باختلاف اساليبه ومبلغ درجة الممدوح ومطابقة المدح لصورة الحق والواقع ، فثمة شعر المناجاة الموجه إلى البارى جل وعلا فليس عليه من ماخذ الا اذا خرج الشاعر به عن الوارد في اسماء الله وصفاته فهى توقيفية ولا يجوز ان يطلق على الله من الاسماء والصفات الا ما سمي وما وصف به نفسه .
وثمة مدائح في رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المثل الكامل فى المحامد وكريم الخلال ، وكل مدح فيه فهو دون ما يستحقه الا ان الغلو فى مدحه لدرجة الارتفاع به إلى مقام الألوهية محظور شرعا بل هو الشرك المناهض لعقيدة التوحيد وذلك كقول من يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله :
فان من جودك الدنيا وصرنها .... ومن علومك علم اللوح والقلم
وثمة مدائح في سائر الناس من ملوك وامراء ورؤساء وارباب فضل وجود وغيرهم . فالمدائح لهؤلاء وامثالهم لا يشجع عليها الدين الا اذا طابقت الحقيقة والواقع ومع ذلك يفرض فيها الاحتراز ولا يجيز فيها اطلاقا القول على عواهنه ، يؤيد ذلك
ما ورد في الحديث عن ابى بكر رضي الله عنه قال : أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( ويلك قطعت عنق اخيك ثلاثا من كان منكم مادحا لا محالة فليقل احسب فلانا والله حسيبه ان كان يرى انه كذلك ولا يزكى على الله احد . . متفق عليه (
ولمسلم عن المقداد ان رجلا جعل يمدح عثمان فجثا المقداد على ركبتيه وجعل يحثو في وجهه التراب فقال له عثمان ما شأنك ؟ قال : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ) إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب ( وفي المسند عن معاوية مرفوعا : ) اياكم والمدح فانه الذبح ( .
اما شعر المثل والحكمة فقد اتخذ طابعا خاصا ومنحى هو فى نظر الدين من خير ما ينتهجه الشعراء إذ قصر اوزانه ودرج لفظه على القول السديد الراشد ومن ثم كان مطابقا للحق وتصوير الواقع ، الا ترى وانت تقرأ ابيات أبي العتاهية :
واعلم بأن سهام الموت قاصدة .... لكل مدرع منا ومترس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها .... ان السفينة لا تجرى على اليبس
ألا ترى انه قد صور فيها الواقع ووجه الانظار الى حق لا مندوحة عن
وقوعه . . والى أبيات النابغة :
المرء يأمل ان يعيش وطول عيش قد يضره
تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مره
كم شامت بي ان هلكت وقائل لله دره
والى قول زهير :
ومن هاب اسباب المنايا ينلنه .... ولو نال اسباب السماء بسلم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه .... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ....
... وان خالها تخفى على الناس تعلم الى غير ذلك من ابيات الحكمة التى تأتي في غضون قصائد الشعراء فيصيبون فيها المحز ويصورون فيها الحقيقة فان الدين ينظر اليها نظره الى كل سداد ورشاد لم يشب بباطل
بقى ان نعرض لقول الله تبارك وتعالى فى شأن الرسول صلى الله عليه وسلم : ) وما علمناه الشعر وما ينبغى له ( وقوله في الشعراء : ) والشعراء يتبعهم الغاوون ( اذ ان سياق الآيتين يشعر بالذم وتنقص هذا اللون من الكلام والغض من أهله أما الاية الاولى فهي في معرض الرد على المشركين في قولهم : ان القرآن
شعر ، وان محمدا شاعر ، فاكذبهم الله بقوله : ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتعلم الشعر وليس من طبعه ذلك فلا يحسنه ولا تقتضيه جبلته ، ولذلك صحت الاخبار ان الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يحفظ بيتا على وزن منتظم وان انشده غيره ولم يتمه . وتمثل مرة بقول الشاعر :
( كفي الشيب والاسلام للمر ، ناهيا ) فقال : ) كفى بالاسلام والشيب للمرء ناهيا ( فقال له ابو بكر انما هو كذا وأعاد البيت على وضعه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الكل سواء ، ومنه يعلم ان النبي صلى الله عليه وسلم تمثل بالشعر وان لم يكن يأتي به على
وضعه . وعن عائشة رضى الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراب الامر تمثل بقول طرفة : ) وياتيك بالاخبار من لم تزود ( فكان يقول : ) ويأتيك من لم تزود بالاخبار ( وثبت في الصحيح انه صلى الله عليه وسلم كان يشارك اصحابه يوم الخندق في ترديد ابيات عبدالله ابن رواحة يقولها تبعا لهم وهي :
لاهم لولاك لما اهتدينا .... ولا تصدقنا ولا صلينا
فانزلن سكينة علينا .... وثبت الاقدام ان لاقينا
ان الألى لقد بغوا علينا .... اذا ارادوا فتنة أبينا
وكان صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بقوله ) ابينا ( . . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم انه كان يرتجز يوم حنين وهو راكب بغلته يقدم بها نحو العدو ويقول :
انا النبي لا كذب .... انا ابن عبدالمطلب
لكن قيل في ذلك انه وقع على لسانه اتفاقا من غير قصد لوزن شعر اما الآية الاخرى فحسبنا ما بسطه المحققون في تفسيرها وسبب نزولها قال الله تعالى : ( والشعراء يتبعهم
الغاوون ( قال البغوى قال اهل التفسير : اراد شعراء الكفار الذين كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلموا بالكذب والباطل واجتمع اليهم غواة من قومهم يستمعون اشعارهم ويروون عنهم وذلك قوله تعالى : ) والشعراء يتبعهم الغاوون (
) ألم تر انهم فى كل واد يهيمون ( قال ابن عباس رضي الله عنهما : في كل لغو يخوضون وقال قتادة : يمدحون بالباطل ويستمعون ويهجون بالباطل ، فالوادى مثل لفنون الكلام كما يقال : انا في واد وانت في واد ) وانهم يقولون مالا يفعلون ( اى
يكذبون في شعرهم يقولون فعلنا وفعلنا وهم كذبة ثم استثني الله من الشعراء من آمن وعمل صالحا قال تعالى : ) الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعدما ظلموا ( قيل لما نزل قوله تعالى : ) والشعراء يتبعهم الغاوون (
جاء حسان بن ثابت وعبدالله بن رواحة وكعب بن مالك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون قالوا : قد علم الله حين انزل هذه الآية انا شعراء فتلا النبي صلى الله عليه وسلم : ) الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات (
قال : انتم ) وذكروا الله كثيرا ( قال : انتم ) وانتصروا من بعدما ظلموا ( قال : انتم . . وقيل ايضا في قوله تعالى : ) وذكروا الله كثيرا ( اى لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله ) وانتصروا من بعد ما ظلموا ( انتصروا من المشركين لانهم بداوا بالهجاء قال ابن كثير هذا الاستثناء ، يدخل فيه شعراء الانصار وغيرهم . ومن هذا التفسير
ومن بسطنا ايضا في الموضوع يتضح هدف الآيتين . ولنختم البحث بكلمة للسيدة عائشة رضي عنها وبقول فى الشعر للعلامة ابن كثير هما كالدعامة لصحة اتجاهنا . .
قالت السيدة عائشة رضي الله عنها : الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح . وقال ابن كثير عند تفسير قول الله تبارك وتعالي : ) وما علمناه الشعر وما ينبغي له ( :
على ان الشعر فيه ما هو مشروع وهو هجاء المشركين الذي كان يتعاطاه شعراء الاسلام كحسان بن ثابت رضي الله عنه وكعب بن مالك وعبدالله بن رواحة وامثالهم واضرابهم رضي الله
عنهم اجمعين ، ومنه ما فيه حكم ومواعظ وآداب كما يوجد في شعر جماعة من الجاهلية ومنهم امية بن ابي الصلت الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) آمن شعره
وكفر قلبه ( وقد انشد بعض الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم مائة بيت يقول صلى الله عليه وسلم عقب كل بيت ) هيه ( يعنى يستطعمه فيزيده . . وقد روى ابو داود من حديث ابن كعب وبريدة بن الحصيب وعبدالله بن عباس رضي الله عنهم : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ) ان من البيان سحرا وان من الشعر حكما (

