لقد كان تأثر الحداد ( * ) بالوضع الذي عاشه فى مطلع هذا القرن شديدا ، فسجل أحداث عصره التى انفعل بها وعاشها ، وكان فى خضم ذاك الصراع المتواصل سواء مع الرجعية أو الاستعمار ، ودققق النظر فى الحال التى كانت عليها البلاد التونسية واستوحى العبر والعظات من الماضي القريب والبعيد وأعلنها مدوية فى وجه الاعداء وأذنابهم ميسرا سبيل النهوض بالشعب ومشيرا الى الادواء وطرق علاجها وبتر جذور السوء وقطع دابر الشر من مصادره .
إنه لم يقل الشعر تكسبا أو تملقا أو ارضاء لشهوة وانما تفجر من أعماقه سيالا هادرا من أجل التقدم والرقي ومن أجل تحريك الهمم واستنهاضها قصد اليقظة والنهضة الحق .
انه مارس واقع أمته منذ سنيه الاولى من حياته القصيرة الامد وتفطن الى ما ينخر كيان الشعب من مصائب ونكبات ومحن زادت على وضعه السئ سوءا وعلى حاله المريضة مرضا مزمنا مقيتا .
إنه وإن أنكر البعض شاعريته ومدى طول باعه فى باب القريض الا أننا نشير منذ البداية الى أن شعر الحداد لم يدرس دراسة معمقة وبقى الكثير مكتفين بترديد ما وقعت ملاحظته من جانب واحد والاقتناع مسبقا بعدم شاعرية الحداد حتى ذهب البعض كالسيدين محمد المرزوقي والجيلاني بن الحاج يحيى فى
- كتابهما الى اعتبار شعره الوجدانى " مههلا ، خاليا من العاطفة المتدفقة والصور الشعرية البارعة " .
إن كل قصيد يجب أن يوضع تحت محك الدرس والتمعن فى أبعاده وأغواره ، مع وجوب الموضوعية فى التحليل بدون تسرع والحكم بالاهواء والمشارب ويكفى بيت واحد ليصبح بما اكتنز من معان وعبر وحكمة نبراسا وعبرة بل وسبيلا لشهرة صاحبه وخلوده والامثال بمثل ما أشرنا كثيرة لا تحصى
إن ما دفعني الى التبسط في هذا الجانب هو حماسى الشديد وغيرتى المخلصة من أجل الدفاع عن حق مهضوم ورغبتى فى أخذ الامور مأخذ جد وصدق بلا تهور واندفاع أو خلفيات مقصودة بل بالاعتماد على البحث المتزن والنظرة الفاحصه والتحليل العميق فيزول بذلك ما علق ببعض الافهام وتتحرر الافكار من التحجر والتعصب المقيت
واذا كان للبعض أن يصدر الاحكام على علاتها ولم يستشهد بدليل فكيف لنا أن نسايره ونقتفى خطاه فيما قال ولاحظ ؟ وخشيتي الكبرى هى أن تبقى مثل هذه المواقف متصلة بالسند ومتواصلة بالانتقال من جيل الى آخر . .
يقول زين العابدين السنوسى
" فى معاني صديقنا السيد الحداد ما يغنيه عن الديباجة وهو غير مكثر من النظم ولكنه يطرق المواضيع الشعبية البحت ، ولا غرو فهو صاحب كتاب " العمال " ( 1 ) .
ومن هنا يمكن ان ننطلق بادىء ذى بدء الى الحديث عن أهم الاغراض التى عالجها الحداد فى شعره ونشير اليها فى عجالة لا تبسيط ، فمن حيث الرثاء كتب قصيدا واحدا فى والده الذى افتقده فى عز شبابه أعني سنة 1919 وهو لا يزال طالبا وضمنه ثمانية وثلاثين بيتا كلها تنضح بشعور فياض واحساس دافق دليلا على تلك المحبة الشديدة لأبيه وما وجد فيه من رعاية وعطف وحنان وتوجيه بل وعلاقة ودية الى حد الصداقة :
فقدت حبيبا فى الحياة وطالما ملئت سرورا منه وطالما
وعشت زمانا فى ظلال نعيمه ولكنها الايام انكى وآلما
إنه شعر بمدى الرزء الذى أصابه وبفقده لأعز انسان عليه ففاضت قريحته بهذه الشكوى وهذا التحسر :
أيا ايها الدهر الذي أنت فاجعي بمن كان لى كل الوجود وأعظما
لقد سمتني خسفا واذرفت ادمعى وأذويت أزهارا وما كنت راحما
ولكنه يؤكد فى نهاية القصيد على أن الامر لله وحده وانه لا راد لمشيئة العلي القدير وحكمه :
قضى الله ما يقضى فما أنت صانع فلا تعقب الاحزان الا التندما
فيا رب صبرا إن صدرى ضيق حزين كئيب يستحق الترحما
وهكذا تأكد للشاعر وانه لا رجاء فى اليأس وان على الانسان الصبر والتسلح بسلاح الامل ودخول ساحة الحياة بنفس مؤمنة كل الايمان وأصدقه
كانت هذه القصيدة من أول نتاجه الشعرى تاريخا فى الزمن حيث لم نظفر بقصيد قبل هذا التاريخ اللهم ان كانت للشاعر محاولات أولى لم يرض عنها فأعدمها
- أما الغرض الثاني ونقصد به الوجدانى فانه بامعان النظر في القصائد التى تنتمى اليه نلاحظ حصرها فى أحد عشر قصيدا تقريبا وفي أحدها وهو معنون ب " خيبتى فى صديق " ذكره لهذا الجفاء المفاجئ ممن كان يأمل منه صدقا وعهدا وقد كان فى أول الزمالة خير خل ورفيق :
كان لى فى الحياة خل وفي أصطفيه لخلتى وودادي
هو سري ومنيتى فى حياتى وسلوى ان عاودتني العوادى
حرف الدهر سيره فجفانى وعدى صحبتى سداد
ما حسبت الزمان يظهر هذا والليالي يبدين سر العباد
لقد أودع الحداد ضمن هذه النفحات مدى تعلقه بصديقه وقد أخلص فى رفقته وأولاه كل أسراره وأصيب فجأة بذلك التحول المفاجئ وهذا التحريف
فى السيرة والعلاقة والارتباط الاخوي لكنه تأكد فى النهاية وأن الزمن كفيل بكشف أسرار العباد وأغراضهم
لقد كان الحداد يؤمل في هذا الصديق الوفاء الدائم والاخلاص للمبادئ أو على الاقل الحفاظ على رباط الزمالة والعمل المشترك ولكن هيهات فقد كان النفور لاسباب شخصية بحتة ومن الطرف المقابل فقط لكن وفى نهاية المطاف يؤكد الشاعر على ن للامر فائدة لمستقبل أيامه والاعتبار بالدروس منها قصد السير فى السبيل الاقوم والامثل :
قد حمدت الزمان لما هدانى وأرانى طرف الهوى والرشاد
إن تقلب الايام وتضارب أحوالها مع العباد أيضا جعلت من الحداد ينظر الى الحياة نظرة ملؤها الاستعداد والدرس والاستنتاج بل وأيضا الاعتبار منها فى حكمة وتبصر وروية والسعى من أجل ازالة الغشاوة عن الابصار ووجوب التحول من الانانية الضيقة الى الشعور العام والتكاتف والمحبة بين الجميع فى أروع صور التناغم الجماعى والتجاوب الانسانى المخلص
ويؤكد الحداد على تلك الكثرة الكثيرة من الجموع ولكن قل من كان فى مستوى رسالة الانسان الكبرى فى هذا الكون
كثرة كالرمال عدا ولكن ما بها ان سبرت عقل سليم ( 2 )
- ولاحظ فى عمق وتبصر بأن هذه الكثرة لا تبعد عن السوائم فى عيشها اكتفائها باللذيذ من أطايب الحياة
إنما تلك أكلة وشراب ولباس منمق التنظيم ( 3 )
- لقد انتابت الشاعر أحاسيس مبهمة نتيجة هذه الحياة التى ذاق فيها الامرين ونتيجة ما لاحظ فى خضمها من تقلبات ومحن ومصائب حتى نقم على هذا الحزن المقيم :
الى أين هذا الحزن يمتد ساحبا علي من السقم المبدد اسحبا
على م فؤدى خافق من أضلع تراسلها نار المصائب أشهبا ( 4 )
- ويمضى به الشعور بالألم الى حد القنوط فيقول
سئمت وجودى والوجود بأسره وصرت أعد الموت خلا محببا ( 5 )
ولكنه يستدرك في النهاية بأن على الانسان البحث عن حول وقوة لمواجهة ما يمكن أن يكون حكما باتا وقضاء مبرما فارادة الانسان كفيلة بهذا وأكثر بالصبر والمثابرة :
قضاء فلا حول نرد به القضا ولا مهجة بالصبر تلقي النوائبا ( 6 )
وبحبا الحداد حياته في ضنك وصراع معها ويسهر الليالي معتبرا بأحوالها :
وليل طويل كاد يعدم فجره يعوم من الظلماء في لجة البحر
يضيق به صدرى وتهمد جثتى وتصعد أنفاسى لهيبا من الجمر ( 7 )
لكنه يبارح مضجعه ويخرج متنسما نسائم الحرية والانطلاق مندفعا الى لمطلق والامل ويصبر سنا النور من البدر المضئ رمز التفاؤل والحياة :
فبينا انا فى الظلمتين محير اطل على البدر في حسنه يسري ( 8 )
- ويعيش الحداد حيرته الوجودية ككل كائن حساس فى خضم هذا الكون يتأثر بهذه المؤثرات المتتالية والمتعاقبة من جميع الاوجه والنواحى وتختلط عليه السبل فلا يدري مبدأها ومنتهاها :
وناقضت نفسها عندى الحقائق لا أرى يقينا ولا ما يوضح الطرقا ت ( 9 )
قد عشت عشرين حولا ما عرفت بها
الا الضئيل من التخريف والخلقا
- ويمضى الشاعر في أيامه وقد بدأ فى سبر احوال البشر فلم يجد منهم الا التعصب والاعتداد بالرأى فى صلف وتحجر
هذا ينادى دليل الحق فى جهتى وذا يقول من الاسلام قد مرقا ( 10 )
- إنه ناقم أشد النقمة على من يتخذ الباطل ديدنه وسبيل الشر منحاه جاعلا من الدنيا مطية لاغراضه الشخصية :
الكل يجرى مع الدنيا كما ذهبت وما لباب الهدى من منهم طرقا ( 11 )
- إن الحداد يتأثر أشد ما يكون التأثر للنغم المطرب وللحن الشجى وإنه لفي كل ذلك يندمج كلية فى الصوت اللذيذ الباعث على النخوة والحياة والشعور بالسمو الانسانى الحق وقد أودع شعره سطورا رائعة معبرة عن هذا التعلق والهيام بكل ما يدغدغ حس الانسان وشعوره ويحرك فيه الروح للاتصال بالعالم العلوى :
والسر فى الانغام أن تحكى الصدى للسامعين
فهي الحياة خبيئة فى صرخة أو فى أنين ( 12 )
- أجل ان في الصرخة أو فى الانين دليل الشعور الانسانى ووجوب الاحساس بما فى نفوس الآخرين من ألم ممض ولوعة وأسى
إن النغم مهما كان مصدره هو أبلغ من أن تحد قيمته وأكثر بلاغة وروعة مما يخط الكاتبون وسواء أكان الصوت منبعثا من قصف عود أو رياح هوج فكلها :
ما كل ذا الا صدى الأ نغام فى الروح الأمين
هى منطق الدنيا الذي يسمو على اللفظ المبين ( 13 )
- ويعتبر أن كل نغمة وصوت صادرين من هذا الوجود سر هذا الكون ومكنونه الخفي
هى مضمر الكون الذي ما زال كالكنز الدفين
هى نبع آمال الحياة وهز روح الكامل ( 14 )
- ويتأكد من أن الانغام وسيلة لتحريك السواكن والاندفاع نحو الحياة الأفضل :
تدعو العزائم للنزا ل برفض عيش الواهنين
القانعين بما يكون ا لخاضعين لما يشين
فتهب فى وجه الردى فى ثورة للثائرين ( 15 )
- ويرى بأن المنغم الباعث على الشعور بالحمية ونزع رداء التواكل والانهزام هو السبيل الامثل لبقاء الشخصية المتكاملة :
هذا الذي نحتاجه فى رفع كابوس مهين
أما البكاء فقد كفا نا ما بكينا فى السنين .
ودواؤنا في نغمة هي صيحة في الذاهلين
تحيى الارادة فى النفو س فتنضوى للعالمين ( 16 )
ولا بأس فى هذا الموقف للحداد من النغم بأن نشير الى ما كان لرفيقه النقيب محمد على من ميل الى الانغام والطرب الى الموسيقى الباعثة للتجدد في الانفس والارواح ، يقول الحداد فى عرض حديثه عن أخلاق محمد على :
يحب الموسيقى حبا جما ودائما اثر اتمام عمل مهم يقترح الاحتفال بها فى سهرات الليل ولقد كان ذلك اثر اعتصاب الرصيف وعند رجوع الخميرى من منفاه وفى مساء يوم 8 جانفى 1925 بعد انفضاض اجتماع فندق الحرير وفي ليال أخرى ، وكان يقول : ان لذة الموسيقى بعد تعب الانسان تفض عليه سرورا ينسيه التعب ويجدد نشاطه لاستئناف عمله ونحن فى بلادنا اما محرومون منها أو نعتبرها لهوا وفسقا يضيع الفضيلة ويبعث على الفساد ولقد كان يفضل الموسيقى لما فيها من النشاط والقوة على الغناء العربي القديم ويقول : " إنه باقتصارنا على الغناء القديم يولد فينا برقته عاطفة التوجع بالآلام والشكوى منها بيد أننا فى وقت نحتاج فيه الى طرب يثير فينا النخوة والحمية ويبعثنا على اقتحام الاعمال الصعبة " ( 17 )
- لقد كان مزاج الرفيقين رقيقا وحادا في نفس الحين اذ هما روحان حلت بدنا وقد عاشا هموم شعبهما بنفس الاخلاص والتفانى والبذل والعطاء .
- إن الحداد فى اصغائه حتى لصوت ناعورة البئر يتخذ من ذاك الصوت فلسفة للحياة واعتبارا منها :
أناعورة البئر زيدى انينا وصبي دموعا كفيض المطر
فأنت بنجواك تحيين روضا فتشرق ازهاره كالدرر
وأما أنا فأنينى ودمعي مع الدهر ما لهما من أثر ( 18 )
- إنه يدرك ادراكا محسوسا بأن لهذا الوجود نظما عجيبا ويرى أن فى فجر الحياة ابتسامة وأملا
ينفخ الروح في الصخور ويذكى ثورة الشعر فى رنين النواح
يستثير الآلام يرتاد فيها نشوة الروح في وصال الكفاح
فعل هذا الوجود نظم عجيب يلهم الشاعرين أسمى المعانى
ثورة في محبة وسكون فى حياة وصبوة فى مبانى ( 19 )
- ويبقى الحداد في أمله ولا ييأس وينظم قصيدا بعنوان " الرجاء " يضمنه نقمته على العاجزين الخاذلين ويعتبر الامل قوام الحياة وصيرورتها
لك ما عشت يا رجانى صلاتى يتجلى فيها لى الله نورا ( 20 )
- وحينما يشاهد البدر طالعا فى سماه
لحت يا بدر فاختفى منك يأسي وتبدى الرجاء بعد الغروب
كم قلوب تذوب فيك شعورا فاض كالنور فى الفضاء الرحيب
وقلوب تلهو بنورك لكن تكره النور إن بدا فى العيوب ( 21 )
- ويعاطفة جياشة وشعور فياض وذوبان فى صوفية مطلقة وايمان صادق متين يتمسك الحداد بعروة الله الوثقى حيث لا يرى نصيرا غيره ولا أمل فى سواه وانه هو خالق الاكوان والمتصرف الأعلى والأوحد فيها وانه هو النور واليقين والمبدي والمعيد :
فانت سنا روحي وانت يقينها وخمرة انسي إذ بقيت وحيدا
عذابي وبؤسى فى سبيلك جنة أغنى بها شعري إليك نشيدا ( 22 )
- ويبقى الغرضان المتعلقان بالجانب الوطني والجانب الاجتماعى لنشير بأن الحداد وقد عاش الثلث الاول من هذا القرن قد تأثر أيما تأثر بالحال التي كانت عليها البلاد التونسية ، وطبيعي أن يضمن شعره صرخات مدوية قصد استنهاض الهمم ووضع الاصبع على الداء الذى كان ينخر كيان الامة فتألم للوضع وصدح بشعر يعكس أوضاع البلاد وتقلب الظروف والاحوال فيها ومصورا فى ثناياه مواقف المستعمر ، طمعه وجشعه ونهمه ، إضافة الى تكالب البعض من الاذناب والرجعية من أجل المنفعة الشخصية ولا يهمهم مصير شعب كامل حيث الادواء تنهشه من كل جانب وقد زكوا الغاصب فزكاهم وأغدق عليهم الرتب والرواتب على حساب دم الشهداء والمؤمنين مضافا الى هذا كله ما ران على الانفس من التخاذل والاستكانة والرضى بالدون واعتبار كل ينزل قضاء وقدرا فلا ترى الايدى الا مكتوفة ولا تسمع الا قوله : " كل هذا مقدر فى الأزل " !
ولم يرض الحداد بهذا الجمود وهذا الموت البطئ واعتبر أن الحل يكمن فى الارادة والعزيمة وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . وعلى هذا المبدأ سار فى منهاجه القويم الامثل فكان أكثر شعره فى هذا المنحى يدعو إلى الاخذ بالعلوم الصحيحة ووجوب الاخذ بالاسباب التى من شأنها أن تكون وسيلة للرقى والتقدم واعتبار ان ليس كل الماضى فيه فائدة بل فيه ما ينف وهو الأحرى بالابقاء وفيه المضر وهو الاجدر بالهدم والزوال . ففي شعره الاجتماعى ما يثير الحمية ويدفع النفس الى طريق التحرر مع البذل والفداء
لا نسأم العيش للأوطان نرفعها . ما دام فينا شعاع الروح في الخلد
فنطعن الظلم جبارين عن ثقة ونكسر القيد والاغلال من مسد ( 23 )
- وقبل مواصلة العرض فى هذا الجانب نلاحظ بأن جزءا من شعره قد خصصه للاهتمام بمشاكل مجتمعه وأحصيت القصائد المعنية بالغرض فبلغت أربعة عشر قصيدا أى حازت أكثر اهتمامه ونظرته ودعوته .
- فالعلم فى نظره هو أس النجاح وهو الوسيلة الاقوم للبناء وللمستقبل
هيا الى العلم نسعى يا بني وطني فالعلم أس نجاح المرء فى العمل
لكنما الجهل أخفى عن بصائرنا نهج الخلاص فأسرعنا الى الملل ( 24 )
الى أن يقول وقد تأكد من أن الجهل أصل الداء ومنبع الارزاء :
لو كان علم لما داسوا لنا وطنا وساد فينا طعام الغرب بالحيل
لو كان علم لأحيى من مزارعنا ما كان يزهر فى آبائنا الاول
لو كان علم لما ماتت صناعتنا وخاب فى التجر مسعانا على عجل ( 25 )
الى أن يقول :
فأرسلوا لبلاد العلم نشأتكم من بعد تزويدها واسعوا بلا كلل
وابنوا المدارس تبنوا أس مجدكم فالله قد خط فوز العلم في الأزل ( 26 )
- أما النهضة الحق وأما السير فى طريق الرشاد والخروج الى عالم النور فهذا ما سعى اليه الحداد وقد استفز قومه كى ينفضوا غبار السنين الخوالى ويأخذوا الحياة مأخذ جد ويستيقظوا اليقظة الكبرى :
طال بنا النوم فهيا انهضوا نحو المعالي ايها الهجع
نمنا على الامر وطابت لنا معيشة الذل فلا نجزع ( 25 )
الى أن يقول :
ترى يعود الانس يا تونس وتهدأ النفس ولا تفزع
ويخصب العيش ونلقي المنى ودولة العز لنا ترجع ( 26 )
- ويمضى الحداد فى نصحه لقومه باخلاص لا ينتهى فهو العارف بأصل الداء وموضعه وان الخلاص فى الاتحاد والتضامن ولا إصغاء لقول آخر غيره
يا قومي استمعوا للنصح يبذله أخ لكم همه الاخلاص للوطن
إن شئتم أن تنالوا الفوز فاتحدوا فنحن بين نيوب الجهل والوهن
ضعف نقاسيه من أمراض كبوتنا حكم يسير بنا للهول والمحن ( 27 )
- وتحيط بالشعب الآفات من كل صوب وجانب ويحاول العمال ضرب بل وقصم ظهر الاستعمار فيقف المتخاذلون ضد المبادئ والقيم ويتبرؤون من اعمال المصلحين البررة وفي مقدمتهم الشهيد محمد على
وكانوا مع الاعداء في كسر وحدة بها هدد العمال من جائرا
جرائم سموها اتحاد طوائف ولكنه منهم ابان السرائرا
فلم نجن من ذا غير خزي اذلنا جميعا وراس القوم ظل مكابرا
- ويتفطن الحداد الى من يتخذ الدين مطية لتحقيق اهوائه ويقف حجر عثرة فى طريق الاصلاح ونهضة الشعب
رأوا باسم دين المصطفى أن يتاجروا وخافوا على الاسلام ان يتناثرا .
تعاليت يا دين النبي محمد عن الختل أو من كان للختل ناصرا
ولكن قوما قد أرادوا بطونهم فنادوا بها دينا أضل المسايرا
قياسك كم نذل تقنع فارتقى وكم بك من إفك تعالى مفاخرا ( 28 )
- ولكن الحداد لم ييأس وأمل من شعبه الكثير واعتبر انه لا بد أن يأتي يوم فتتحرر العقول وتتبلور الافهام ويختم الموقف بقوله :
ولكنني مهما يكن لست يائسا فلا بد للافهام أن تتبلورا
وإن كان حتما ان يطول انتظارنا فلا بد حتما أن نجد ونصبرا ( 29 )
انه يرى وان العمل أيضا هو أس من أسس الحياة وانه لا فوز الا به وعليه يعتمد :
نسير كل الدنا للمجد تبلغه وشعبنا لم يقم كالناس مذ عثرا
مجد الحياة نتاج البذل فى عمل يشيد في الدهر صرحا يأخذ النظرا ( 30 )
- ويعيش الحداد أوضاع شعبه المتردى فى الاستكانة والخنوع فيبحث عمن يقف للاصلاح والبناء ويأمل فى الشباب وفي العقول النيرة :
أين صحف البلاد أين شباب يرفع الشعب عالية كالجبال
ما أرى فى البلاد غير جبان أو غبي أو عامل فى النكال
آه ما أخبث الضمير وأقسى آه لو كان ثلة من رجال ( 31 )
الى أن يقول :
من أنادي واخيبتى واغتمامى مات شعبى فى ظلمة الانبهام
خدعته الاوهام فانقاد فيها لحياة تجره في الرغام ( 32 )
- وأما الغرض الوطني والذى حوى قرابة الاربع قصائد وهي من درر ما جادت به قريحة الشاعر فاننا نظفر فى طياتها برغبته الملحة كي ينفض الشعب عن نفسه ما علق به من الاوهام والصمود فى وجه كل دخيل واعتبار ان لا عز ولا كرامة للانسان اذا بقى مصفدا فى الاغلال مكبلا بقيود الرق والعبودية
انه أرادها ثورة عارمة على المستعمر الغاشم وانعتاقا كليا من جبروته وحكمه الارعن ، وتكسيرا للسلاسل التى أدمت ذاتيته وكيانه ، إنه واجه الظالم المستبد فى شجاعة نادرة وخاطبه مباشرة بلا خوف أو تخاذل وخاطب شعبه فى أنفة وكبرياء داعيا إياه الى عدم الانخداع بما يروج له أو بما يذيب شيخصيته فى بوتقة المحتل بتعلة التجنس والخروج عن الملة والجماعة وما أروعها مواقف وقفها الشاعر مدافعا مستميتا وقد ضرب فى كل منحى نثرا وشعرا . فبالاضافة ، الى ما دبج يراعه نثرا فى الدفاع عن الذاتية بمقاله الشهير " التجنيس نكث للعهد " ( 33 ) نظفر بهذه الصرخة المدوية شعرا وقد حذر شعبه من الخدعة والوقوع فى الفخ المنصوب
افق ايها الشعب المهان فقد أتوا إليك بتجنيس لعلك تخدع
وأيد لهم بالحس انك ماجد وإن كنت في بؤس فجنسك ارفع ( 34 )
- إن تحليل مواقف الحداد من قضايا أمته يتطلب الوقوف طويلا وإن ما أشرنا اليه فى هذه البسطة الموجزة من حيث الجانب الشعرى وتفاعل الشاعر بقضايا أمته ليجعلنا نقر بأن الطاهر الحداد كان وفيا كأشد ما يكون الوفاء حتى تفجرت قريحته بما يقارب عن الالف ومائتى بيت من الشعر الموزون المقفي معتمدا أكثر البحور استعمالا كالطويل والخفيف والبسيط والسريع والرجز والمتقارب وعلى كل فلا تهم القوالب والاشكال بقدر ما يهمنا منها محتواها ومضمونها وما انطوت عليه من متفجرات الشعور الصادق الامين المعبر عن شواغل النفس وهمومها والمصور للبيئة التى عاشها هذا المصلح الشهيد الذى لم يبخل بلحظة من حياته من أجل الخير للغير والمصلحة للجميع وتكفى خواطره ( 35 ) دليلا على ذلك فهي أقرب الى النحت المختصر المنبعث من اعماق النفس والروح والتى سجلت كل انفعالات الحداد آراء ومواقف والحديث عنها غير هذا المجال .

