الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

نظرات فى الاسس الفكرية للاشتراكية الدستورية

Share

ان اهداف الرسالة التحريرية التى اضطلع بها الحزب منذ نشاته ، والتى ظهرت جلية بعد ثورة 1952 الحاسمة فى مؤتمره الاول بعد الاستقلال فى سنة 1955 ، هى اهداف الرسالة الاشتراكية ، وتقتضى هذه الرسالة تطور الامور الى اوضاع تصبح معها اجهزة الانتاج ووسائله ملكية اجتماعية مسخرة لسد حاجات البشر . وما زالت معالم الاشتراكية الدستورية التى اقرها مؤتمر المصير المنعقد ببنزرت فى ما بين 19 و 22 اكتوبر 1964 كمذهب وطريقة للنمو الاقتصادى والتقدم الاجتماعى تتضح شيئا فشيئا . فالاشتراكية ليست جملة من التعاليم الجامدة ، بل هى " بحث وطلب " ما زال يواصل القيام بها قادة الحزب ومختلف تشكيلاته لمعالجة الواقع التونسى والتوفيق بين متناقضاته وخلق اوضاع جديدة افضل . وهى " خلق مستمر " قصد " القضاء على الاستغلال ، ونشر الرفاهية الشاملة ، وتمكين القوى الشعبية من النفوذ الاجتماعى والاقتصادى والسياسى " بوسائل لا تهم فى حد ذاتها بل لا يراعى فيها الا فاعليتها ونجاعتها " ) 1 ( .

الا انه فى الامكان من الان ، بعد مؤتمر بنزرت ، والمجلس القومى المنعقد يومى 21 و 22 ماى 1965 بمناسبة دراسة المخطط الرباعي ، والملتقى القومى المنتظم يومي 10 و 11 سبتمبر 1965 للتنسيق بين القطاعات الاقتصادية ، محاولة ضبط الاسس الفكرية التى اخذت الاشتراكية الدستورية تسير عليها خطوة بعد اخرى .

والملاحظ قبل كل شىء ان معظم هذه الاسس ليست دخيلة على الحزب ، بل هى متأصلة فيه ، ويرجع عهدها الى السنوات الاولى من بعثه على يد رائده المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة ، ومن اهمها اعتبار ان التخلف هو الذى مهد

للاستعمار ، ولذا فان الكفاح لاسترجاع السيادة لا بد ان يعقبه كفاح آخر من اجل الرفاهية والازدهار والمناعة . وان العاملين الاساسيين اللذين مهدا للنجاح فى المعركة التحريرية هما اللذان يجب مراعاتهما لبناء الاشتراكية وتحقيق الرفاهية العامة والازدهار الشامل . وهذان العاملان هما غرس الشعور بالكرامة واستعمال الراى والعقل قصد بلوغ الغاية المنشودة

وفى هذا الصدد يقول المجاهد الاكبر :

. . كما غرسنا فى النفوس ، اثناء الكفاح الشعور بجرح الكرامة من جراء الحكم الاجنبى ، يجب ان يصل المواطن الى ادراك ان كرامته البشرية يجرحها الرضا بحالة العيش المزرية والوضع الشبيه يوضع السوائم "

ويضيف قوله فى خصوص دور العقل والراى واتباع سياسة التنظيم والتخطيط فى معركة البناء والتشييد

. . لكى نؤدى واجبنا ونطمئن على هذه الامة وعلى مستقبلها لا بد من ان نعمل على تغيير الاذهان ووسائل الانتاج وطرقه ولا بد من تغيير الاوضاع حتى نبلغ درجة التقدم ويزداد انتاجنا كل عام بمقدار يمكن من اعالة الموجودين والذين سيوجدون . وهكذا يزول الخوف من تزايد النسل لان هذه الزيادة تصبح مرتبطة بتزايد الامكانيات وقد يفوق توافرها توافر الافواه المتطلبة للاكل وتوافر الاجيال المقبلة . "

" . . والتصميم ليس الا طريقة من الطرق الموصلة للنجاح وسبيلا من الاستراتيجية او التكتيك الذى يمليه العقل ويؤدى الى بلوغ الغاية

ومن اهم المواضيع التى تواجه مجتمعنا فى المرحلة الحالية ، مرحلة الانتقال من التخلف الى الازدهار والكرامة فى ظل الاشتراكية الدستورية موضوع القيم الاخلاقية الاشتراكية . وهذه القيم هى المحركة له جنبا الى جنب مع القوى الاخرى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية . وأولاها استنهاض الهمم والايمان بالتطور وغرس العزيمة على تحقيق هذا التطور وتعميق روح المسؤولية واذكاء روح الاستعداد للتضحية من أجل مصلحة المجموعة وكذلك خضوع مصلحة الفرد الى المصلحة العامة وتجاوز الفردية الضيقة وانكار الذات والبعد عن التعالى والغرور والقيام بالواجب وبعبارة عامة التحلى بالسلوك الاشتراكى

الاصيل . والى جانب هذه الدوافع النفسانية هناك قيم اخلاقية اخرى لابد منها لتسود الاشتراكية . منها انه يجب الايمان بالمساواة فى الحظوظ بين البشر والعمل من اجل تحقيق العدالة الاجتماعية او على الاقل الاقتراب منها اكثر فاكثر . فلا حرية بدون عدل وبدون مساواة ولا حرية حقيقية الا بالقضاء على استغلال الانسان لاخيه الانسان . ومن القيم الواجب تغييرها ايضا لدى الجماهير الشعبية خاصة التواكل والاكتفاء المطلق بالغيبيات والفوضى فى العمل ورفض التنظيم الدقيق ومقاومة كل جديد وتعويضها بالايمان ايمانا عميقا بالعلم والتطور العلمى بغية التغلب على الطبيعة والسيطرة عليها واخضاعها وتسييرها لما فيه مصلحة البشر وخيره

ومن الاسس الفكرية للاشتراكية الدستورية ايضا نظرتها لموضوع الملكية فهى تعتبرها وظيفة اجتماعية وهذا ما اكده المجاهد الاكبر اذ قال فى رده على استجواب احد الصحافيين :

" . . فيما يخص حق الملكية فنحن نعتبر ان الملكية اصالة مسألة لا تهمنا اولا وبالذات انما الذى يهمنا هو التصرف فعندما يسىء المالك التصرف او لا يتصرف بالطريقة التى تفيد المجتمع كان من واجب المجتمع ان يضع يده على الملكية ، لكى يتصرف فيها ويخرج منها من المنافع والمغانم ما عجز عنه الفرد "

وهو ما أكدته ايضا اللائحة العامة التى صادق عليها مؤتمر بنزرت والتى نصت على ان " التصرف فى الملكية وظيفة اجتماعية يتحتم ان تخضع للمصلحة العامة ، وان يكون اداة تحقيق الاهداف القومية وهو الشرط الاساسى الذى يمنح الملكية حق التمتع باحترام المجتمع وصيانة الدولة "

وتنسجم هذه النظرة تمام الانسجام مع دستور الجمهورية والنصوص التشريعية وخاصة منها ما جاء فى مجلة الحقوق العلنية من فصول تتعلق بالملكية بالذات .

فالدستور ينص فى توطئته على وجوب " توفير اسباب الرفاهية بتنمية الاقتصاد واستخدام ثروة البلاد لفائدة الشعب " . كما ينص فى احكامه العامة الفصل الرابع عشر على ان " حق الملكية مضمون ويمارس فى حدود القانون " .

وهذا القانون هو الذى ضبطته مجلة الحقوق العينية التى تنص فى فصلها الواحد والعشرين على ما يلى : " على المالك ان يراعى فى استعمال حقه ما تقتضى به النصوص التشريعية المتعلقة بالمصلحة العامة او بالمصلحة الخاصة " .

وهكذا جاء هذا النص مراعيا للمصلحة العامة وللمصلحة الخاصة على حد سواء باعتبارهما منسجمتين مع بعضهما بعض ومتممتين لبعضهما بعض . وهذه ميزة اخرى من مميزات الاشتراكية الدستورية كما سياتى فى سياق هذا البحث .

وفي موضوع القسمة راعت مجلة الحقوق العينية نفس المبدأ القائل بان الملكية وظيفة اجتماعية فاعرضت عن المبدأ التقليدى القائل بان القسمة لا تكون الا قسمة رقاب وعوضته بمبدأ آخر وهو مبدأ القسمة بالقيمة ، وذلك محافظة على القيمة الاقتصادية للعقار أو للمشروع الاقتصادى ومستوى انتاجه .

ولتكون الملكية اجتماعية حقا وفعلا تجنب المشرع التونسى موقفين متطرفين هما :

اولا : الحرية المطلقة للفرد فى التصرف فى ملكه كما يشاء

ثانيا : سيطرة الدولة سيطرة تامة على الملكية باعتبارها اداة انتاج تهمها وحدها دون مراعاة للفرد .

فاختار حلا وسطا راعي فيه الحرية مع الفاعلية ، ومن المعلوم ان الملكية حسب المبدأ التقليدى حق مقدس لا يقبل التحديد وحق مطلق يشمل حتى حق الاتلاف . . . وفعلا فان هذه النظرة هى التى كانت موجودة قبل ان الانتاج وتوزيعه توزيعا عادلا . ومن الواضح ان الحرية المطلقة تتنافى ومصلحة الانتاج وتوزيعه عادلا . ومن الواضح ان الحرية المطلقة تتنافى ومصلحة المجتمع باعتبار ان كل عمل فردى له تأثيره على المصلحة العامة سواء عندما لم يحسن المالك التصرف في ملكه او إذا هو استغل بواسطته غيره . ومن ذلك اتى مبدأ اعتبار الملكية وظيفة اجتماعية مثل كل الوظائف التى يطالب فى استعمالها حسن التصرف والنتيجة المفيدة لا للفرد وحده بل للمجتمع الذي يعيش فيه .

وهذا ما يختلف عن النظرية الماركسية التى تنادى بملكية ادوات الانتاج ملكية تامة من طرف المجموعة المتمثلة فى سيطرة الدولة بحيث لا يصبح مجال

للفرد فى هذا النظام . فهذا النوع من الاشتراكية المتطرفة يرى فيه الماركسيون مذهبا اقتصاديا بحتا ووسيلة لتقديم الحلول الاقتصادية لمشاكل الملكية والانتاج والتوزيع والاستهلاك ، ولا يرون فيه ما يمس النواحى الاخرى من حياة الفرد والمجتمع وخاصة الاخلاقية والعقلية منها .

وبين هذين الموقفين المتطرفين اختار المشرع التونسى موقفا يتمثل فى الجمع بين الحرية والفاعلية .

فالحرية الفردية القصد منها خدمة مصلحة الفرد دون مراعاة لغيره فى حين ان العمل الجماعى اكثر  نجاعة من العمل الفردى . الا أن فى هذا العمل الجماعى حدا من الحرية . فالسؤال الذى يتبادر الى الذهن والحالة تلك هو : كيف يمكن الوصول الى التوفيق بين الحرية من جهة والفاعلية من جهة اخرى

وقد اجابت الاشتراكية الدستورية على هذا السؤال بالاضافة الى اقرار عدد من المبادىء الاساسية من بينها المبدأ القائل بان الملكية وظيفة اجتماعية بالسعى لرفع مستوى الانسان وتحقيق درجة من النضج تمكنه من ادراك ان مصلحته اضمن واوفر فى العمل الجماعى منها فى العمل الفردى وحين ذلك يهون عليه الحد من حريته ويتقبلها بصدر رحب

وهذه اهم ميزة من مميزات الاشتراكية الدستورية التى رائدها الانسان اولا وبالذات والسمو به الى اعلى مراتب الكرامة

للبحث بقية (

اشترك في نشرتنا البريدية