لقد استمر الشعراء الذين نشطوا العشرية الأولى يكتبون فى العشرية الثانية ولكننا سنحاول النظر فى حركة شعرية تميزت بها المرحلة الجديدة نعنى ما سماه الاستاذ البشير بن سلامة حركة (( فى غير العمودى والحر )) التى كانت منبرا لأصوات شابة نذكر من بينها على الخصوص أحمد القديدى ومحمد الحبيب الزناد وفضيلة الشابى ، وقد جاءت هذه الحركة تمردا على القواعد الشعرية المعروفة التى تقوم فيها الموسيقى على موازين ايقاعية معروفة لا تتغير يجب على الشاعر اتباعها مهما كان الغرض والموضوع ، فالشاعر الذى يكتب فى الحب فى الحزن ، فى الفرح ، فى موضوع سياسى وغير ذلك من المواضيع مضطر الى استعمال نفس الوحدات الايقاعية بحيث يبقى الجرس الموسيقى واحدا فى كل الحالات الامر الذي يؤول بالشاعر حتما فى نظر اصحاب هذه الحركة ، الى التكلف والرتابة ، ومن ثم الى الحد من القدرة على التعبير المناسب للموضوح المناسب ، ولا يتعلق الأمر باستبدال القواعد البالية بقواعد عروضية جديدة تؤدى آخر الامر الى نفس المأزق ، فضلا عن كون عبقرية اللغة لا تسمح باستنباط تفعيلات جديدة غير التفعيلات الخليلية لذلك وجب الغاء العروض نهائيا باعطاء الشاعر حرية مطلقة هى وحدها الكفيلة بايجاد اجراس موسيقية جديدة لا تحد، هذا هو المنطلق النظرى لحركة (( فى غير العمودى والحر )) اما من حيث التطبيق فان الجماعة ترى ضرورة ايجاد ايقاع داخلى مرن للأبيات لا تقوم فيه الوحدات
الايقاعية المعروفة أى التفعيلات المتماسكة المتضامنة بدورها المعتاد بل إن الحروف سواء فى تحركها المسطح أو فى سكونها ومدها هى التى تعطى البيت موسيقاه السمفونية فى لهاثها وتشنجها أو سيولتها وانبساطها ، فى تصعيدها المتأزم أو فى انحدارها المتلاشى ، والشاعر فى كل ذلك حر كامل الحرية يتعامل مع الحروف دونما رقيب ساهر على الحدود يمنع عليه تخطيها وبذلك تصبح كل قصيدة من صنف )) فى غير العمودى والحر (( تجربة شعرية قائمة الذات يتحمل فيها الشاعر مسؤوليته كاملة وتتسم بمزاجه وذوقه . ولقد واجهت هذه الحركة معارضة شديدة من قبل المتمسكين بالقواعد محافظة على ايقاعات اثبتت جدواها طوال القرون علاوة عن أنها مظهر من مظاهر الاصالة وكان رد الجماعة هو أن القدامى كان لهم فضل استنباط انغام تتماشى مع أصوات عصرهم التى كانت تتسم بالانسجام أما اليوم فان اصواتا جديدة احدثتها الآلة المتطورة فى المصنع والطريق العام ثم انه لا يجوز لأحد أن يمنع غيره من استنباط ما يعتقد أنه أكثر ملاءمة لمزاجه وطرافته على غرار ما يجرى فى الموسيقى السمفونية والجاز . ولسنا هنا فى مجال الحكم لهذه التجربة أو عليها إلا أننا مضطرون الى أن نلاحظ أنها قد انتهت على ما يبدو ، إذ سرعان ما اصابها فى الظاهر على الاقل ، ما يشبه الاعياء والارهاق . فالقواعد قوية تنتقم وتثأر ولا يمكن مقاومتها الا بقواعد جديدة تعوضها وهو ما لم يحصل وما كان ليحصل تبعا للمنطلقات التى قدمنا . وهناك صورة يجوز أن تنطبق على هذه التجربة هى أن الشعر فيها بقى مادة خاما أشبه ما يكون بالنبات البرى فى حيويته وألوانه الفوضوية خلافا للشعر العمودى وفى درجة أقل للشعر الحر وهما أشبه بالحديقة المخططة المنسقة . وفيما يلى نماذج من هذا الشعر الذى نستطيع أن ننعته بالمتحرر . فى قصيدة بعنوان (( الرقصة الاولى )) ترمز بها فضيلة الشابى الى ضرورة تجديد الخلق فى انتفاضة التغيير والبحث عن المطلق تقول الشاعرة :
سأرقص فوق زلازل الارض
رقصتى الاولى
سأخاطب الانسان
بالكلمة الأولى
وأبكى ... (38) .
وتستمر القصيدة فى مقاطعها الخمسة لتعيد ترتيب الاشياء ولتستحدث (( واقعا )) جديدا وتبكى ، لتفتح (( ابواب الدنيا وتبكى )) ، لتمزق الأقنعة وتبكى موظفة الدموع (( لصنع المرايا )) التى تؤكد بانعكاسها حضور الارض فى تحديها للغناء . ثم تنتصب فضيلة الشابى كاهنة لهذا القرن تستمع إلى :
أصوات - أصوات
تدق اعماق الأرض
أصوات ، رفض للموت
أصوات ، رفض للصمت
رفض لصمت الله (39) .
وتلك فى نهاية الأمر هى الاصوات التى يريد هذا الشعر الجديد أن ينطق بها لأنها :
لغة الارض - تحطيم للمدى
أصوات - لغة الغضب - والرجاء (40) .
القضية كلها فى عالم فضيلة الشابى قضية أصوات حتى لو تعلق الأمر بالماء ينبوع الحياة :
رأيت الماء فى الليل
صوته - وشوشة - همسة - لغة
لغة معطاء - وثبة فى الضياء -
تزرع البرتقال - فى اعين الأجيال
وتبحث فوق نافذتى الحقيقة
رأيت الماء فى الليل - يتحدى الويل (41) .
هذه الاصوات الجديدة تسوقها الشاعرة الى (( الصغار )) الذين يمثلون الجيل البكر ، الجيل الذى لم تفسده القوالب الجاهزة ، الجيل الذى تدعوه إلى زرع اللعنة فى عالم الكبار ذى الاسوار العالية ، تدعوه إلى قذف الكرة السوداء فى الأعين الحزينة حتى (( تعيش لوعة الانفجار )) :
نحن الصغار - لا نعرف الكتابة
لا نعرف قول الشعر - لا نعرف الخطابة
نحن فى أعماق الكلمة - ضربنا الكآبة (42) .
بهذا الاسلوب اللاهث المتقطع تقاوم الشاعرة الكتابة المألوفة فهل نجحت فى ابداع كتابة جديدة ، أم انها بقيت كما تقول وتعترف (( لا تعرف الكتابة )) ؟ إن شعر فضيلة الشابى على تمزقه مشحون بالصور العنيفة والطريفة :
أتذكر ... - حينما كنا نجذب الموت من ردائه
ونختفى وراء الشمس - أتذكر .. أتذكر ...
حين قدمت لى قوس قزح
أرجوحة سمائية - وطردت الخوف كذبابة
من مقلة البشرية (43)
ماذا يبقى من هذا الشعر لو حذفنا منه هذه الصور ؟ لا يبقى سوى الانفجار الذى يأتى على كل شئ ، يتلف كل شئ ، يتلف هذا الشعر نفسه .
ولعل قصيدة ((علاقات)) لمحمد الحبيب الزناد تصلح أن تكون مفتاحا لشرح الظروف الخاصة بظهور هذا الشعر الذى أعلن العصيان على التراث وذلك لانهيار القيم التى ظل هذا التراث يحملها عبر القرون فلقد ظهر (( فى غير العمودى والحر )) فى بداية السبعينات وقد جلس العالم العربى على حافة درب التاريخ يهضم هزائمة العسكرية والحضارية فى حين أخذت الاجيال تقطع سلاسل الصبر لتثور على السلطة العاجزة ولتعبر عن أزمة الثقة التى باتت تسود العلاقات مع الناس ، مع الواقع ، وحتى مع الذات :
الشمس الباهتة ودهشة الوجوه
تنم عن بياضاتى وعن قلقى
فى عالم تعوزه النجابة
يضرب العصفور الواحد بحجرتين
ولا يطير ...
تكذب على - وأكذب عليك
تربطنا علاقة كذابة (44) .
وقد يحسن بنا الوقوف عند قصيدة بعنوان )) دعاية مغرضة (( تصلح ان تكون بيانا شعريا لهذا الصنف من الكابة يعبر عن حدوده ونسبيته ويحدد مقاصده البسيطة :
قصائدى - لا تحمل طعم قديم الشعر
وكثيرا ما تعبر عن شكل هذا العصر
عن مشاكل هذا العصر
فهي إذن قصائد شكلية
قصائد عصرية (45) .
ثم يضيف الزناد أن هذه القصائد )) لاقصد لها (( فهى مقصودة لذاتها )) وليست (( نصوصا صحيحة معتمدة )) (( ولا أعمالا باقية مخلدة )) إنها (( تعيش يومها فى يومها )) تندد بالعار فى زمن الفضيحة ولا أغراض فيها سوى الاغراض الشخصية . من الواضح أن الشاعر يكتب لتصفية حساباته مع الآخرين كل الآخرين وفى لحظة من اندر لحظات الصدق يقول الشاعر :
قصائدى خالية من الايقاع
وهى كالبدعة - تنقصها الدعابة والابداع
ولا أبعاد فى قصائدى - فهى كالبذاءة تمجها الاسماع
وهي كرأس امرأة حبلى تشكو الصداع
وهي خائنة للمبدأ
ستصدر ضدها بطاقة إيداع !
هذه القصيدة تحتكر الانتباه وهى تتميز بتناقض ينم عن براعة فائقة فهى معقدة فى بساطتها دعية فى تواضعها موقعة منسجمة فى تشويشها وهى حبلى فعلا ولكنها ترفض الولادة القيصرية وليس فيها سوى خطأ تقديرى واحد هو أنه لم تصدر ضدها بطاقة ايداع فهى الخارج عن القانون ترتع فى الطرقات ولا أحد يطالب بالقاء القبض عليها . وفى الجملة يجب أن نلاحظ أنها القصيدة التقريرية الوحيدة التى تخلو من نفس شعرى حقيقى . (( فى غير العمودى والحر )) شعر شق عصا الطاعة ففجر كل شئ وأصبح يطالب بحق ((الفوضى))
(45) الفكر 1970 ، 9 ، ص 71 .
(46) الفكر 1970 ، 9 ، ص 72 .
فى أن تقوم بذاتها فى عصر تخلخل فيه النظام وهذا ما يعبر عنه أحمد القديدى بطريقته :
يا بائع الورد - بعنى بنفسجة وحشية
نبتت مثلى - على الجبال الجرد
نبتت رغم الاعاصير ورغم البرد
تحمل للتى احبها - أصدق ما عندى :
فوضاى - فوضاى ... (47) .
إن هذا النوع من الشعر يحتاج الى دراسة مفردة فقد انتهت التجربة بالتفرع الى مذاهب وملل وفق (( الفوضى )) التى نفخ فى عواصفها ، والجدير بالملاحظة ان هذه الحركة الشابة الساخنة لم تمنع ظهور شعراء شبان آخرين احتفظوا بالقواعد ومن هؤلاء رياض المرزوقى المتأثر بنزار قبانى وجعفر ماجد فى نسائياتهما ، وقد فاضت قريحته عن قصائد غزلية تعددت فيها المواعيد واللقاءات والهجران وفيما يلى انموذج من هذا الشعر فى قصيدة (( العيد )) التى أهداها الشاعر الى (( حمامته الغالية ف )) .
أشكرها - تركتنى فى العيد وحيدا
لم تبعث لى حتى برسالة
صنعت منى تمثال ضآلة
... وحدى فى الغرفة
أحلم بالعيد المقبل
بفتاة وقفت فى شرفة
انتظر الايام الحلوة فى لهفة (48) .
وتتعالى أصوات المتزمين ضد شاعر يتغزل ويخطب ود النساء وروما تحترق ولكن رياض المرزوقى يصر على ذلك ويمعن فى حبه ويثور على شعر ((الشعارات)) :
ما أجمل أن نصرخ : ((وا فيتنام !))
ما أجمل أن نحطم الهندسة القديمة
ما أجمل أن نثور ضد الفقر والسقام
ما أجمل أن نذيب فى المشاعر العظيمة
حنين ألف عام
طعامنا كلام - منامنا كلام
معذرة يا موطنى - أتخمنا الكلام (49) .
وتلك هى المعادلة الصعبة التى اهتدت مجلة الفكر الى العمل بها : اعطاء فرصة الكلام لأنصار الكلام ومناهضيه ، ومن هنا سطعت هذه الفسيفساء الشعرية ذات الالوان المتناغمة رغم أنف اصحابها .
صوت آخر ظهر فى هذه الفترة التى كثر مخاضها العسير أحيانا والخصب دائما ، هو صوت المنصف الوهايبى وهو شاعر مثقف مشغوف بالتراث وبالحداثة ويبدو أنه كان متأثرا بالشاعر الامريكى (( والت ويتمن )) الذى جعل اسمه عنوانا لاحدى قصائده فنظم المنصف الوهايبي هو أيضا قصيدة بعنوان (( المنصف الوهايبى )) ولكن فردية هذه القصيدة (( المركزية الأنا )) ذات قيمة جماعية بالتأكيد ، فالمنصف الوهايبى هنا اسم جنس يتضمن ضياع الشباب العربى فى هذا الزمن الردىء ، الشباب العربى (( الممدد فى ساحة الاعدام )) نحت سنابك (( خيل الروم والافرنج )) :
... عرفت الليل والماخور أيتها المدينة .. يا غراب البين .. يا نقالة الموتى
أضعت ملامح الطفل الذى كان اسمه ((المنصف)) .
وكم ادمنت خمر الموت فى حاناتك الحمراء حين رأيت فى الآحلام
واليقظة (( أبا الطيب ))
يطوف أمام باب القصر وهو يبيع ماء الوجه بلبس جلد حرباء
وحين رأيت خلانى تقودهم الوصولية
أضعت طفولتى فيك
ونمت على مقاعدك العمومية (50) .
يتخذ التركيز النرجسى بالضمير وبالتسمية بعدا مأسويا كبيرا فقد وقع
توظيف الذات لغرض بعيد كل البعد عن الرمانسية ، ان الامر يتعلق هنا بمحاولة يائسة للمحافظة على الهوية فى مهب رياح الضياع والاستلاب ، وللشاعر قصيدة أخرى عنوانها مخالف تماما لعنوان الأولى فهو (( لا أحد )) ولكن مضمونهما يكاد يكون واحدا فهو مشحون بمأساة الهوية ، مكثف بعذابات القرون ففي قديم الزمان قال الشعر شاعر مخالفا بذلك قرار السلطان الذي قال (( ثلاثة ليس لها وجود - الحب والاشعار والورود )) فعلق (( فى السوق فى رابعة النهار )) وتمر الأيام والسنون والقرون فيبعث الشاعر حيا ورغم انتصار الحياة على الموت فان ناموس الكون لا يتغير :
كانت نهايتى بدايتى - وعندما أفقت
وجدتنى معلقا بين السما والأرض
انتحل الاعذار - وكانت الامطار
تهطل فى شوارع المدينة - بغير حد
ولا أحد - يطرق باب الصمت ، آه لا أحد (51) .
لقد كان الشعر التونسى فى العشرية الأولى للاستقلال ولمجلة الفكر يتقد حماسة ويتوهج تطلعا إلى الآفاق الجديدة ولكن سلالمه كانت قصيرة وبعد هزيمة 1967 انقطعت خيوط الرجاء فى العالم العربى وظهر جيلان جيل مأزوم يحاول تحريك السواكن بدءا بجلد الذات وجيل آخر مهزوم يراوغ وينافق وهو الذى يصوره عبد الله الكحلاوى فى قصيدة قاسية يقر فيها بأن الاجداد من حقهم أن يرجموا أحفادهم عشاق الهزيمة الذين تمر بهم الفصول يتجمدون فى الشتاء ، يموتون فى الرماد ، ثم يأتى الربيع فيدب الماء فى العروق فتحل العودة الى الأفيون ، وماذا فى الصيف ؟
فى الصيف نبكى جرحنا - زق الستائر - ونبلس السواد -
لكننا يا جدتى ننافق - لأننا فى الليل -
نعانق الماخور والكهوف - ونشرب الجنس ونحن فى خسوف
وفى الصباح - نعود للبكاء - نعود للنواح (52) .
ولقد سبق لرياض المرزوقى أن قال متهكما (( ما أجمل أن نصرخ : وا فيتنام ! )) وفى الحقيقة لم يكن من السهل أن يصرخ الشاعر التونسى (( وا فيتنام ! )) فقد كان الموقف الرسمى محايدا ولابد فى هذا المجال من التنويه بشجاعة مجلة الفكر التى احتضنت قصائد عدد من الشعراء ممن تضامنوا مع نضال الشعب الفيتنامى ، فهذا منور صمادح فى قصيدة بعنوان (( هوشى منه )) يحيى هذا الزعيم بوصفه قائدا وشاعرا :
أيها الشاعر يا صحو الضمير فى المغيرين على الشعب الصغير
أنت روح ثار فى أعصابنا زلزل الارض على كل مغير
دمت للانسان تعلى صوته عشت للرايات والنصر الأخير (53)
أما جعفر ماجد فقد هاله ما روته الاخبار عن ((نهر الميكونغ)) يجر الضحايا الفيتناميين ابطال الكفاح التحريرى فيخاطب النهر متأملا في منزلة الانسان وفى معنى الحياة والموت ، الموت الحقيقى والموت المجازى وما أكثر الموتى :
واصل سبيلك واسق السهل والحزنا واجرف ضحاياك لا تطلب لها سفنا
.. العالم انهار حتى عاد ساكنه لا تشتهى روحه أن تسكن البدنا
حضارة اليوم لا يحيا بها بشر إن لم يكن ميتا فى ذاته عفنا
. . هناك مات شجاع صان عزته وآخر بسياط الذل مات هنا
.. وثالث فى كهوف الليل ترقصه مليحة خلفت فى قلبه الشجنا
يا ضيعة العمر نقضية بلا هدف مثل الضفادع واديها بها أفنا (54)
ويهتز الشاعر محيى الدين خريف هو أيضا لمأساة الفيتنام فيتلقى (( أصوات )) المناضلين فى الادغال والعاملين فى الحقول يصرخون فى صمت :
أسمع الآن أصواتهم
وكأنى أنا بينهم أزرع الارز أغرف ماء البحيرات
اروى به كل غابة
وأراهم هنا من بعيد
فيجذبنى فيهم الصمت يخنق جند الكآبة
إنهم فى عيون المنايا
... فى الوجوه التى لم تذق من سنين طعام الفرح
... يصنع الحزن عكازة للعجائز
ويحيل طريق الجنائز
معبرا لانتصارات هذا الذى حارت الناس فيه (55) .
إن التضامن مع كفاح الشعوب ايمان من قبل الشعراء التونسيين بوحدة النضال التحريرى حيثما كان وفرصة لتذكير النفس والآخرين بالقضايا القومية وبأزمة الحرية والقيادة فى الوطن العربى حيث مازالت نكبة حزيران ترج الارض وتسحب البساط من تحت الاقدام . ويثور جعفر ماجد على الاصنام التى يتحتم تحطيمها ببنادق الكلمة .
رصاصة الحرف إن سددت طلقتها تطوى العصور وتجناز المسافات
وفى عيون طغاة الأرض عاصفة نثيرها نحن ، قبل الانقلابات
يا أمة وهبت للكون سادته لم ينضب الوحى فى ارض النبوءات ،
لابد أن تسقط الاصنام ثانية ويفتح الشعب ابواب السماوات (56)
لابد إذن من العودة الى الاصول لمقاومة الجاهلية الجديدة التى تسببت فى انطفاء النجوم وسدت الطرقات فى وجه المسيرة ، وهكذا تكون العشرية الثانية للفكر من أخصب المراحل عطاء وقلقا يسودها ضباب الألم الذى سرعان ما تمزقه ومضات الايمان بالمستقبل هذا الحقل الصعب الذى تحرثه أقلام الشعراء فتنتشر الواحات فى صحراء الظمأ .
العشرية الثالثة تتسم بالاستمرار استمرار الحمية والدفاع عن القضايا العادلة وفى مقدمتها قضية فلسطين التى ظلت جرحا نازفا فى قلوب شعرائنا على اختلاف اتجاهاتهم واختياراتهم . وبمناسبة احتضان تونس للمؤتمر العام الثانى للاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين شارك الشعراء التونسيون فى اثبات هوية الشعب المشرد ومساندة حقوقه الثابتة ولم تكن
القصائد عنترية بل هادئة هدوء الصابر الواثق من نصره ذات يوم ويتضح من خلال هذه القصائد أن الشعراء التونسيين يعتبرون القضية الفلسطينية ذات بعدين بعد وطنى عربى وبعد انسانى شامل لذلك عندما يتغنى أحمد اللغمانى بالحرية انما يتغنى بحرية الانسان الفلسطينى والانسان فى كل مكان ، فالحرية حق للجميع وجب على الأحرار أن يدافعوا عنه وفى اعتقادنا أن القيادات العربية قد ملت قضية فلسطين ولو كان بامكانها أن تتخلى لتخلت عن الارض والعباد ولكن الشعر لهم بالمرصاد :
من أجلك يرتشف العلقم
ويغنى الجرح النازف فى الاعماق ويعزف قيد المعصم
من أجلك تختزن الطاقات كعفريت وسط القمقم
كى يطلق إن حان الميقات فلا تختار ولا ترحم
يمتد الصبر بصاحبه ويجف على الجرح المرهم
لكن لابد مع الايام لبذر النقمة أن ينجم
من أجلك تنقلب الانفاق الى أبراج عاجيه
والى شرفات شرقية
تستروح منها الحرية (57) .
هذا الشعر الصادر عن المعاناة والتأمل ، يريد أن يكون حافزا على العمل الطويل الشاق وما ابعدنا به عن شعر الشتائم الصادرة فى لحظات الانفعال المسطح . ومن مهمات الشاعر اعداد طينة الابطال للبذل والعطاء
والتضحية وكذلك تخليد هؤلاء الابطال بعد استشهادهم ، وهذا محيى الدين خريف يهدى قصيدته (( الاقمار الثلاثة )) الى (( أم اسامة التى فقدت ابناءها الثلاثة على أرض الثورة الفلسطينية فصمدت وحثت الباقين على مواصلة الكفاح )) .
توقدى
فخنجر الليل مضئ فى يدى
وهم على البعاد
أقمار أسفارى وزوارى بلا ميعاد
قدماى على شاطئ الحزن
أما دمى فشراب الثرى حين يعطش
وفى داخلى لاغب الحقد يبطش
لو ترانى أعانق صدر الذى عاد بعد الغياب
ألثم الشمس فوق التراب
المس الثوب ثوب فلسطين بين الثياب (58) .
هذه القصيدة تحية للأم العربية الحزينة التى تحول نيران الألم إلى شمس تلثمها فوق التراب بشفتين تتحديان اللهب . تلك هى الأم الجديدة التى تلد حراس الحرية وتستحث الباقين على نشدان الحياة ليبقوا أحياء :
تعلموا ، تعلموا كيف يموت الزهر
وكيف تسفح السماء مدمع الأمومه
ينتفض الرعب إذا زار الشهيد القبر
وتتمادى رحلة الديمومه (59) .
الشعر ضمير الأمة وسجل أيامها ومن واجبه تفجير ينابيع الضوء فى ليل اليأس ولكن هذا الدور الاساسى الذى يلعبه الشعراء ابقاء للقيم والحمية لا ينسيهم الامراض الداخلية التى تنخر الجسم المهدد من الخارج فلابد لهم من أن يشهروا (( بأرض الجبن والجهل )) . يقول نور الدين صمود :
محترفو خنق الاحرار
من لا فرق لديهم بين الأفكار وبين الابقار
نصبوا لرعاية نشر الافكار !
لا يخطر هذا فى العقل
لكن يحدث فى شعب يتفشى فيه الجبن مع الجهل (60) .
ويبقى الشعر مع ذلك معدن مقاومة للجبن والجهل ومصدر انعتاق وخلاص ومحطة رجوع الى الوطن كما تشير الى ذلك ابيات محمد عمار شعابنية :
أرادوا لنا خندقا وزريبه
وأسيجة خلفها كيف يلقى حبيب حبيبه
وها أننى اتوصد منك بأغنية الاجتياز
لنخرج من جرح هذا الزمن
ونعبر فى فرحة واعتزاز
طريقا إلى شرفات الوطن (61) .
شعر الشاب يطفح حزنا ووجعا ولكنه لا ينقاد أبدا الى المرارة العاجزة ففى هذا الشعر ايمان منقذ بالحب المطهر وبنجاعة الغناء كما يتبلور فى قصيدة ليوسف رزوڤة بعنوان (( والرياح عادة تأتى لواقح )) :
عطشى والبحر الابيض المتوسط يرسف فى السلاسل
قيل لى : إن العصافير تغنى فى بلاد الواق واق
فرحلت بجناحين من الشوق
وكنت فرحا جدا وكان الغليان
فى شرايينى .. وكان الخفقان
في دمى الأزرق
من أين دخول الفيضان الدموى يكون ؟ لا يهم
فدليلى منتهى العشق
وهذا العشق عند الشدة - الردة مفتاح (62) .
ويجرب الشاعر الرحيل إلى المدن الخيالية البعيدة فلا يجد ضالته بل يزداد اكتواء ويكاد صوته يضيع وسط النباح وتعلمه التجربة أن كلب (( بافلوف ))
يمكن أن يتخلص من الانعكاس الشرطى وأن يرتمى (( فى لحظات الصحو على طارق بابه )) ومهما امتدت ألسنة دخان النسيان ومهما اشتد الرعب فان الرياح المدمرة تأتى آخر الامر باللقاح فلا بد اذن من طلب ((المزيد من العناء)) .
شعراء الفكر يعدون بالعشرات والعشرات طوال العشريات الثلاث ومهما ضاقت هذه الدراسة المقتضبة فلا يجوز أن نهمل اسم الصادق شرف صاحب القصيدة المسلسلة والابيات المطولة التى لا تعرف نهاية فهو يفيض ملاما وغراما ويدعو الى (( الهروب من الهروب )) :
عجيب بضعف الهياكل منك استطعت التسلل بين سنابك خيل المصاعب
وبين وحوش المتاعب
ولست من الهاربين ولو تتكسر كوبا بكوب
ولو أن صوت المغرق ظل يهدد ظل يجذر فيك رصاص الرسوب
فكل هروب ستهرب منه ، ستهرب منه
وذلك أمجد ، ذلك أسمى معانى الهروب ! (63) .
الصادق شرف لا يهرب واذا هرب فالى الامام فلقد سبق له أن راهن على انتصار الحب فى زمن لا يحب ، انه طوفان شعرى يجرف السماد يغذى العشب النافع وكذلك الطحالب والاشواك فاذا جاء الحصاد كان (( موسم الشمول )) موسم اتمام الكمال بغموض الحبيبة التى تموت الاسئلة عند قدميها :
غامضة إن تسألوا عن كنهها ينهزم السؤال
فليس من يرى كمن شجره الخيال
وليس اشهى من تلحفى بها فى موسم الشمول
وربما لا أستحى من أن أقول
ما لا يجوز أن تقبله العقول
كأن أقول : ناقص هو الكمال ..
لانها الجزء الذى يتمم الكمال (64) .
النقص مصدر الشعر وضمان ديومته والشاعر هو الباحث أبدا عن المطلق ومن حسن الحظ أن يحتاج الكمال إلى التمام ، بقى أن نشير الى أن عشرية الفكر الثالثة خلافا لما كان متوقعا ظلت عشرية الشعر هى الأخرى بظهور مواهب جديدة يحسن إفرادها بدراسة خاصة الا ان هذا لا يمنع من أن يتضمن هذا العرض قبل انهائه الى بعض نماذج شعر الجيل الطالع الذى بلغ النضج قبل الابان تحت حرارة الوجع وكثافة الحزن ، الحزن على تناقضات الواقع وعلى العجز الواعى عن التحكم فى اتجاه المركب التائه فى الصحو والاعصار على السواء لذلك يكتب البشير المشرقى (( قصائد حزينة جدا )) :
زمن الحزن يكبر فى وينطقنى بالروائع
زمن الحزن رائع
زمن الحزن أغنية مسكونة بالفواجع
فلا تعجبوا يا أحبة ان كنت فى الشوق ضائع
لقد رضع الحزن قلبى منذ الولادة
هلا سألتم مرافئ وجدى ففى أفقها خبر الحزن شائع (65) .
وفى قصيدة بعنوان (( اليوم لا تبكى الرياح على دمى )) يتبلور هذا الحزن المتجذر فى القلب يرضع من دمائه ، إننا أبناء الحزن وآباؤه وينهل صوت الشاعر متدفقا لا توقفه الفواصل والنقط وكأنه سد منهار :
هذا انا العربى والجرح المعمق فى جبينى لونه العربى
شكل الحزن فيه كيومنا العربى - مجبول على الأحزان ...
يا صور الحطيئة والفرزدق والغزالى هل للونى فيك زاوية ؟
اليوم لا تبكى الرياح على دمى .. وأرى رؤى الحلاج فاترة
وجرح الغيم منسكبا على الشرفات .. يا عمرى تنكر لى الصنوبر
واعتلى الصفصاف قمة لوعتى .. من لاخضرار اللون حين
يلف أركانى ويغمر مهجتى .. (66) .
هذا الحزن أجمة باسقة الاشجار اعشوشبت فيها الدروب فاذا هى أضيع من مفازات القحط ، وللمنفى اشكال وألوان يختنق بها الكلام ، الكلام المنطوق والكلام الذى تلوح به اليدان الى حد الاجهاد فى شعر عبد الله مالك القاسمى :
تعبت يداى من الكلام
وفى دمى لم تهدأ الكلمات
يا صمت المدى
هل ذاك صوتى والصدى
غيم على غيم ولا مطر (67) .
ورغم هذه الغيوم الملتف بعضها ببعض يحاول الشاعر أن يحاصر الأمل فلا يفلح ومن خلال هذا الامل الحصار يستمر الشعر وفى استمراره تكمن الحياة ويبقى النضال ولو (( انطبق الطريق على الطريق )) وتتواصل (( الملحمة )) ولو كانت ملحمة الخيبة كما يتلقاها حميده الصولى :
يشتد على قلبى وقع الازمات
اهادن حلما فرخ فى الاذهان خمولا
وبنادير الساحة تعزف ملحمة الخيبه
تحت ستار الظفر
... اتوسد أحلامى وأنام على جرحى
وأظل أردد فى حلمى يا ليل الصبر متى غده ؟ (68) .
وسواء توسد الشاعر احلامه ونام أو نهض وسار فان الغاية لا تدرك ما دام السائر يمشى خارج الطريق وهو الوضع القلق الذى يصوره الحبيب الهمامى فى قصيدة (( ذات ليل .. ذات حزن )) :
اسير معى ... خارجا عن مياهى
ومستغرقا فى خرابى
أمد عروقى لهذى المدينة فى آخر الليل
اشجار حناء
حتى تخصص لى نجمة
فى تألقها أنسج الحلم والحلم يعلو
يضئ ضلوعى بوجه امراة
تزغرد اعضاؤها لى أداهمها بجميع بقاياى
من أجل ضحكتها المدفأة (69) .
من خلال هذه الشواهد يتبين أن القاسم المشترك بالنسبة الى هذه المرحلة الشعرية هو الحزن والحلم ولكن الشاعر لا ينفك يداهم وفى ارادته اكثر من بقية ، وذلك هو المتبقى نحو ادراك الامل وتحقيق الحلم .
من خلال هذا العرض المنقوص بالضرورة قدمنا نماذج شعرية تعطى القارىء صورة عامة لجمهورية الشعر التونسى ونود أن نعتذر للكثيرين الذين استقطناهم من القائمة آملين فى العودة إليهم فى فرصة قريبة ومما يدعم هذا الاعتذار فى نظرنا هو أن كاتب هذه السطور قد أهمل أيضا مساهمته المتواضعة الشخصية فى هذا العطاء الزاخر . ومهما يكن من أمر فان الشواهد المقدمة كافية لابراز مميزات الشعر التونسى خلال العشريات الثلاث الأخيرة فقد انتقل هذا الشعر من مرحلة الغضب العصبى الجامح الى الثورة المدمرة الكافرة بكل شئ ومنها الى مرحلة الحزن المشحون بالرعد والزوابع التى ستولد الغضب الجديد المجدد وان المقارن بين هذه اللوحات الشعرية يدرك أن ما حصل فى مجال الشعر من تطور حاسم انما هو ثورة حقيقية فى الشكل والمضمون وما كان ذلك ليحدث لو لا سياسة مجلة الفكر التى تعهدت كل المواهب وأزاحت عن طريقها كل الموانع والعقبات فكان هذا الثراء وكان هذا التنوع .
ملاحظة أخيرة . كان انصار القواعد الخليلية يتهمون الشعراء الشبان الثائرين على البحر والتفعيلة بأنهم عاجزون عن استيعاب الايقاع العربى الاصيل فأثبت هؤلاء بأنهم قادرون على ذلك فالتفعيلة لم تغب مطلقا عن أبياتهم بل أثبتوا انهم قادرون حتى على القصيدة العمودية موحدة القافية كما يتبين من الباقة الشعرية التى قدمها اربعة شعراء فى العدد الاخير من السنة الثلاثين
لمجلة الفكر التزموا فيها نفس الموضوع (( تونس الحب ... تونس الياسمين)) ونفس البحر والقافية وهى تجربة فى منتهى الطرافة من الابداع المشترك ، يقول عبد الله مالك القاسمى :
فقوا أيها الشعراء قليلا قصائدكم لا تروم الرحيلا
مكبلة باغتراب المعاني كبوصلة قد أضاعت سبيلا
.. أحبك قرطاجة .. الياسمين تدفق فى القلب حلما جميلا
ولا تسألينى فما ينفع العشـــ ـــق إن لم أكن قاتلا أو قتيلا
فلى جسد طافح بالهوى لا يميل ولو حاولوا أن يميلا (70)
وينافس يوسف رزوقه صاحبه فيركب نفس الجواد حاملا قلبه الى نفس الحبيبة :
وحاولت أن أدلهم قليلا ولكن حبك ظل الفتيلا
احبك تونس إنى فتاك هوى فانتهى فى هواك قتيلا
أتى النبع فى كل وجه فصفق فى الكلمات الحمام هديلا
ولم يبق لى غير حلم يتيم تشكل عبر الرؤى أرخبيلا
أنا آخر الشعراء اشتهاء وأولهم نعرة وصهيلا (71)
ويأتى الشاعر الحزين البشير المشرقى ليلقى بأثقاله ، ليشرب وينام وتتحول كآباته بمعجزة الحب الى واحة ظليلة :
أجىء لأروى لديك الغليلا واغفو على شاطئيك طويلا
أنا متعب يا بلادى فأين الــ ـمرافىء . . أم أطلب المستحيلا؟
أنا خافق شاعر يستريح على ربوة الحرف إن هو قيلا
ولكنه تائه فاعذريه ولا تطلبى منه أن يستقيلا
فكل المواجع مهما استبدت أراها بفيئك كونا جميلا (72)
ولا يتخلف الصادق شرف المراهن على انتصار الحب ليؤكد أن الذى لا يعشق دخيل على الشعر :
أحبك تونس والحب قيلا : يحقق ما قد بدا مستحيلا
بحبك إنى أحقق حلما هو الحب ما كان حلما جميلا
وأجمل منه انتصار فسيح على من على الشعر كان الدخيلا
تمازج فينا الهوى فاستوينا فما كان فرعا يصير أصيلا
وما كان أصلا تنامى زياتين يغسلنا الظل منها غسيلا (73)
لا نخفى أننا اغتممنا كثيرا طوال هذا العرض بقصائد كثيفة العتمة فجاءت هذه القصائد الاخيرة شبيهة بالشماريخ أضاءت مجموعة من النجوم القزحية فى ليل كاد يفقد كواكبه وبذلك تتم المصالحة مع أنفسنا ومع الآخرين وعدنا الى الأصل ، الى الحب ، حب الوطن وحب الناس ، الحب الذى هو البدء والانتهاء بالنسبة الى كل شعر أصيل .

