لقد سبق لنا أن قمنا بدراسة مطولة باللغة الفرنسية عن وضعيه الشعر التونسى من خلال مجلة الفكر في عشريتها الأولى ( 1 ) وليس من السهل مواصلة هذا العمل بتغطية العشريتين الثانية والثالثة دون اعطاء الموضوع ما يستحق من توسع واطناب . وانى لنا ذلك فى دراسة محدودة فى الزمان والمكان . ان أى تناول سريع لموضوع فى مثل هذا الامتداد محكوم عليه حتما بالنقص والسطحية الا اننا نعتقد أن نظرة شاملة مهما كانت خاطفة لا تخلو من فائدة شريطة أن نتوصل إلى رسم الملامح العامة لاتجاهات الشعر التونسى من حيث الاغراض والأساليب .
وأول ما ينبغى الاشارة اليه هو ان الانتاج الشعرى التونسى من خلال مجلة الفكر يتميز بالغزارة والتنوع وبالتعددية اذا جاز لنا استعمال هذا المصطلح السياسى الحديث مما يجعل من هذه المجلة المرجع الاهم ان لم يكن الوحيد لدراسة هذا الصنف الادبى ذلك أن مجلة الفكر قد اتخذت لها منذ البداية مبدأ لم تحد عنه قط يقتضى السماح لكل المواهب والقرائح بالتعبير عن ذاتها وعن كائنات العالم واشيائه دون التقيد بأى خط فلسفى أو ايديولوجى معين وبذلك انتظمت ونشطت حركة شعرية تعايشت خلالها كل الاتجاهات الشكلية والغرضية وحتى المذهبية ولم يكن ذلك بالامر الهين اذ كان يحرص مدير المجلة واسرة تحريرها على اعطاء فرصة التعبير لكل طالب كلمة متخلصين من كل الضغوط التى كان يحاول تسليطها على النشر هذا الفريق أو ذاك . فالتعايش
السلمى الذى نجحت المجلة فى اقراره لم يكن يسير المنال فقد كانت كل جماعة متمذهبة تحاول جذب الغطا ، الى نفسها . فهناك الشعراء التقليديون العموديون سواء منهم الاتباعيون أو الرمانسيون وقد حاولوا الابقاء على ما كانوا يعتبرونه اصالة الشعر من قوالب وأغراض جربت فصحت . وهناك جماعة الشعر الحر التى ظهرت الممرة الاولى فى مجلة الفكر وقد ثارت على الرتابة الايقاعية وانتصرت المصورة على حساب العبارة ثم جاءت فيما بعد جماعة ما اصطلح على تسميته بغير العمودى والحر التى رفضت الخليل جملة وتفصيلا وهناك جماعة الشعر الملتزم التى كانت تنادى بنبذ الاغراض الذاتية التى لم تعد تتماشى مع متطلبات الوضع العربى المأزوم المتقلب . الا ان المجلة استطاعت التغلب على تنفر الاصوات وتناقض الاتجاهات تاركة للقارئ والدارس والمؤرخ حرية البحث والتعمق فيما يودون ابرازه وتسليط الضوء عليه . وقد حرصت المجلة على أن يتسم الانتاج المرشح للنشر بنضج التجربة وسلامة التعبير كشرط أدنى على أن ذلك لم يمنع بعض القصائد الضعيفة المهلهلة من ان تندس ضمن مجموعة القصائد القادرة على الدفاع عن نفسها ولكن جواب أسرة التحرير بهذا الخصوص هو وجوب التيسير والتشجيع على أن يتولى غربال التاريخ اسقاط ما يتعين اسقاطه .
وتسهيلا للتمشى الذى يفرض نفسه علينا يبدو لنا من الضرورى أن نقنع بالاحاطة بالمساحة الشعرية الممتدة أمامنا بدلا من الغوص الجزئى فى الاعماق اى اننا نفضل الجولة الشاملة على الاستراحة الفاحصه وهذا الاختيار يدفع بنا الى الركون الى التقسيم الزمنى بتناول حصاد كل عشرية على حدة لابراز خصائصها وهمومها واهتماتها .
وتتميز الفترة الاولى وهى المتراوحة بين 1955-1965 بكثافة الضغط التاريخى على الاحداث والافكار والوجدان ذلك أن الفكر كانت أول زهرة ثقافية تفتقت ابان حصول تونس على استقلالها الداخلى ومن ثم شهدت المجلة وواكبت معارك حاسمة على العديد من الواجهات . معركة اتمام الاستقلال ومعارك اجلاء الجيش الاجنبى من الجنوب ومن الشمال ومعركة بسط السيادة كاملة على أرض الوطن باسترجاع الاراضى الفلاحية التى اغتصبها المعمرون الاجانب كما شهدت المعارك الحاسمة فى حرب تحرير الجزائر وقد التحم فيها الشعب الجزائرى والتونسى فى مواجهة الاستعمار حتى النصر النهائى . كل هذه المعارك واكبها الشعراء التونسيون الذين تغنوا بالبطولات وسجلوا ملاحم الجهاد ورسموا
علامات النصر فى درب النضال الطويل وعبروا عما كان يختلج فى الصدور من طموحات وتطلعات فاحتضنت مجلة الفكر كل هذا الغضب الثورى بما يتضمنه من نقمة على المعتدين ومن احساس عميق بالتضامن وبالمصير المشترك . وليس المهم أن يحس الشاعر بذلك بل المهم أن يزرع احساسه فى مشاعر الناس وتلك حكاية أخرى .. ومهما يكن من أمر فاذا القينا نظرة على اسماء الشعراء المتواجدين على الساحة والذين التفوا حول المجلة ابان انبعاثها وطوال عشريتها الأولى نلاحظ أن معظمهم كان مخضرما أى ممن شبوا قبل الاستقلال فمنهم من واصل عطاءه كما كان ومنهم من اشتد ساعده وزادت قدمه رسوخا بعد الاستقلال ومن مجلة الفكر وحدها نستطيع متابعة مسيرة اجيال النضج كما نستطيع مواكبة الخطى الأولى لشعراء الجيل اللاحق .
لقد قلنا ان مجلة الفكر كانت - ومازالت - تنشر الانتاج الشعرى دون ميز ولا تتدخل فيما يتعلق بالأشكال والمضامين الا اننا نلاحظ أنها من حيث الترتيب كانت تعطى الاولوية للقصائد ذات الطابع الوطنى أو السياسى عموما لذلك نرى لزاما علينا احترام ذلك الترتيب فى عرض النماذج التى اخترنا .
إن النقد الادبى يؤكد على أن الشعر بحث دائم وممارسة بالمعنى " الفاليرى" للكلمة وانه لا يقبل الحدود والحصر وان الاغراض تتداخل فيه باستمرار ولكن الشاعر محسن بن حميدة وهو من رواد الشعر الحر والملتزم يشرح فى قصيدته " عهد جديد " للمرأة التى يحب أو كان يحب الاسباب القاهرة التى تشغله عن حبه لها ، إذ يعتقد ، خلافا لتجربة " أراغون " أن اندفاعات الغرام تتنافى مع المد الثورى وأن الحب لم يعد حتى مجرد استراحة للمحارب :
افاتنتى- مازال حبى حبا فريد
ما زال دمعى عليك صبيب
...لكننى افزعتنى الدماء
وازعجنى الموت عند المساء
...يبيد الفطاحل من امتى
...فأخفيت شوقى وهو شديد
وأطلقت شعرى بسيل نمير
لحقن الدماء - وبعث القبور - وغصب الحقوق ( 2 ) .
ذلك أن الشاعر قد سخر طاقاته لمكافحة القمع ولتمجيد بطولات المقاومين فيترجم فى قصيدته " صيحة شهيد " العزم الراسخ على تحدى معذبيه .
انا لا اخاف سياطهم والكهرباء
انا لا اخاف جعاب ماء تفتق البطن الاليم
انا لا اخاف سجائرا مسعورة تكوى الجسوم
ولا الكلوم
...سابث غيظى فى الرجال وفي النساء
سابث غيظى فى الشباب وفى المشيب
سابث غيظى فى الجموع وفى الفضاء ( 3 ) .
إن لهذا الاستعراض التفصيلى قيمة خطابية رنانة ولكنه يقع فى التكرار والكلام المباشر مما يلحق الضرر بالكثافة المطلوبة فى القصيدة وقلما تخلص من هذا العيب شاعر ملتزم ، ويحاول محسن بن حميدة أن يجمع افكاره فى قصيدة بعنوان " ليلة موتك " تواصل وتكمل القصيدة السابقة مضيفيا على أبياته مسحة من اللوعة المناضلة يلعب فيها التكرار دور التأكيد والادانة .
ليلة الموت - ايا ليلة موتك
آه ما اقصرها ليلة موتك
ويظن القاتل الوحشى أن تنصره ليلة موتك
آه ما اقصرها ليلة موتك
حين حلم يتحقق
وحياة تتدفق
...فيموت القاتل الوحشى فى ليلة موتك ( 4 ) .
خلال معركة التحرير كانت المرأة التونسية ترزح تحت عبء التقاليد والقيود الاجتماعية والتشريعية ومع ذلك ساهمت فى بعض المظاهرات وذاقت مرارة الاعتقال والعدوان ولكننا فى نسمع أنها شاركت أو حاولت المشاركة فى المقاومة المسلحة فقد كان ذلك شبه مستحيل ماديا واجتماعيا ، بيد ان محمد العروسى المطوى الذى ينازع محسن بن حميدة زيادة الشعر الحر فى تونس يتخيل فتاة تونسية تتوسل عند أخيها المقاوم حتى ترافقه الى المعركة :
خذنى معك - خذنى معك - أنى ذهبت
فاننى ظمآى إلى ما تشربون
خذنى معك ... أنى قصدت
فاننى طمآى إلى " نبع الحياة"
ظمآى إلى نبع الفداء
خذنى معك - وارحم دمائى الثائرة
فلقد عزمت على الجهاد
جنبى لجنب الثائرين (5) .
هذه القصيدة لا صلة لها بالواقع المعيش وللشاعر أن يحلم وأن يتخيل وان يسبق الاحداث فلقد لاحظنا أن المرأة الجزائرية قد ساهمت مساهمة فعلية وفعالة فى الكفاح المسلح إلا أنه كان يكون من الافضل أن يكون الشاعر ترجمان اللوعة المعتزة عند امرأة استشهد أحد اعزائها فى الجبل ، وإذا كان شعر محسن بن حميدة تعبيرا عن الغضب فان شعر العروسى المطوى تعبير عن الضغينة المناضلة وهو ما يشرح ضما الفتاة الثائر الى الدم ، وها هو ذا يصف لنا احتضار أحد الخونة أصابه رصاص مقاوم :
ورنا بالحاظ مراض - ملآى باهوال السنين
وأجالها فى السقف فى الحشد الصموت
واذا الفناء بقربه - يترقب النفس الأخير
ويلمه حم القضاء - لم يبق إلا طرفه
يرنو الى ماض سواد - ماض من "الافعال" يلعنها الضمير
ويدوسها الشيطان بالنعل القذر ( 6 ) .
إن موت الخائن ينشرح له صدر الوطنى بالتاكيد فهو أخذ بالثار وهو أيضا ردع لمن تحدثه نفسه بالخيانة ولكن هذا الوصف ينم عن استمتاع غريب نلمسه بصورة أوضح فى قصيدة " ثأر أطوان " وأنطوان هذا استعمارى بغيض شديد المناوأة للمقاومين ، ذات يوم بقر بطنه مقاوم فأخذ الشاعر يصف امعاءه الممزقة فى أبيات تنطق بلسان الغريزة :
ويسيل دم - وتطل امعاء خبيثة
صفراء خالطها النجيع - كالأفعوان الملتوى
يرتج من فاس هشوم
وتقىء معدته كريها
مكرونة خمرا وقهوة
وفتات خبز كالعجين
فى الطين او ضمن الزبالة
ولسانه : هتر وبحه
كالأبكم المحموم في حر الهجيرة ( 7 ) .
هناك اسئلة تتبادر الى الذهن بعد قراءة هذه الأبيات التشريحية التى يتعين التفكير فى منعها على الاطفال دون الخامسة عشرة : هل تختلف الامعاء الممزقة بين قتيل شرير وقتيل طيب ؟ هل الشعر وصف تقريرى أم ايحاء قوى : هل ان مثل هذا الشعر بخدم القضية باثارة الاشمئزاز والقشعريرة ؟ ان اشعر فى نظرنا هو ما تجاوز الأهواء العارضة والحدث العابر إذ لا يتمركز فى الاشياء بل يعبرها الى مدلولاتها ورموزها الدائمة . ولعل الشاعر قد عمد الى هذا الوصف القاسى لأنه قد شهد يوم 9 أفريل 1938 المذبحة التى ارتكبتها قوات الاستعمار ضد الوطنيين المتظاهرين وهو يذكر " قطعة مخ " وقعت من رأس مهشم وانى تلك القطعة يهدى قصيدته التى جاءت بعنوان " نقطة البداية ":
" برلمان تونسى !"
صيحة كانت تهز الأرض هزا
وضعاف الناس لا تدرى مداها
سنما الأعداء تصطك ارتعاشا - وارتجاجا
يدرك الأعداء مغزاها البعيد
فتصدوا نحوها كى يحبسوها
فى الحناجر - بالخناجر
كانت الاشلاء فى كل مكان - تتطاير -
ساحة القصبة - فى باب منارة
عند باب " العلج " - فى باب سويقه
عند باب البحر - فى كل مكان ( 8 ) .
من الواضح أن هذه القصيدة أرادها الشاعر حديثا وصفيا أو تقريرا منظوما وهل نلوم الشاعر فى كونه أراد أن ينقل الى قارئه الحقيقة كما هى فى عريها وفظاعتها كما انطبعت فى ذهن المشاهدين تحريكا مباشرا للحمية فى غضبها الغريزى ؟ هذه أيضا حكاية أخرى !
ولقد تجاوب الشعراء التونسيون مع المقاومة الجزائرية فنظموا قصائد صبوا فيها جام غضبهم وشتائمهم على المستعمر الوحشى . وهذا محسن بن حميدة يقدم لنا انموذجا من ذلك فى قصيدته " فى غير لين " :
هم للصغار مرووعون - هم للفضيلة هاتكون
هم حاقدون - على الاحبة والأخلة حاقدون
وعلى الجرائم والخبائث مدمنون
لا يستحون ( 9 ) .
أما أحمد اللغمانى فقد أمطر الاستعمار بلعناته بمناسبة " يوم الجزائر " :
حمق غرور - جبن تلقح بالغرور
هذى خصالك يا حقير
يا غادرا اوقعت نفسك فى الحفير
ناطحت صماء الصخور - فرجعت بالغنم الكثير
بالهامة المدماة والقرن الكسير
اشبعت من اشلاء من ذبحت - يا صلد الشعور ؟
ورويت من ذاك الدم المسفوح - يا ميت الضمير ؟(10) .
العين بالعين والشتيمة بالشتيمة ذلك هو القانون الذى يحكم علاقة الشاعر بالمستعمر الذى يمارس مع ابناء البك نفس السلوك فالشرطة وأعوان الدرك وغلاة الاستعمار يقمعون ويزدرون ويشتمون وعلى لسانهم يقول احمد اللغمانى وكأنه يبرر وابل سبابه والمعاملة بالمثل :
عبيد لقد عقنا هؤلاء العبيد
حثالة افريقيا الغافية
يغطون فى نومهم حالمين
كسالى كأنعامهم خاملون
لهم امل بالسراح
بنفض الغبار ونشر الجناح
لهم امل فى غد ، ما غد ؟
سراب كذوب (11 ) .
ذلك هو صلف المستعمر المتكبر ولكن الفارق بينه وبين الشاعر هو أنه لا يقول الشعر . إنه يمارس السوقية فى اتفه عباراتها فهل كان من الضرورى أن نترجم كلامه شعرا ؟ لكان قضية الاستعمار وهى شديدة التعقيد ومبنية على جدلية ميزان القوى . تنحصر فى الاهانات اللفظية التى هى فى الواقع مظهر ثانوى للاستبعاد والاستغلال والقهر . إن القضية الاساسية بالنسبة الى الشعوب المستضعفة هى اخضاعها الى وصاية مفروضة وسد أبواب الامل فى بلوغ سن الرشد وتقرير المصير .
لقد وقفت تونس الى جانب شقيقتها الجزائر وسمحت للثوار باللجوء الى أرضها واتخاذها عمقا استراتيجيا كان له دور حاسم فى تأمين النصر النهائى . لذلك عمدت سلطات الاستعمار فى 8 فيفرى 1958 الى الهجوم جوا على قرية ساقية سيدي يوسف الحدودية وكان اليوم يوم سوق يعج بالمواطنين التونسيين والجزائريين فكانت مجزرة رهيبة ويصف لنا أحمد اللغمانى وكان إذ ذاك متفقد تعليم ابتدائى حطام مدرسة بعد مرور طائرات العدو :
سبورة محطمه
لما تزل تحمل بعض " الكلمه"
هنا فتات مقلمه
وها هنا ورقة مرقمه
وراس طفل ويد مكلمه
كانت تخط " الكلمه "
وبعض رجل لم تزل تحمل بعض الجورب
وقد طرحت فى اللهب
وسلة فى قاعها بعض رغيف
هذا حطام المدرسه (12) .
هذه ايضا قصيدة " ريبورتاج" ولكنها تتميز عن بقية القصائد باستعراض جزئيات لها امتداد فى ذهن القارىء والسامع وهى مثيرة شديدة الاثارة لانها تتجنب التأثير المباشر فهى اذن بما تتضمنه من ايحاء مشحونة شعرا . ولقد الهمت حادثة " الساقية " أكثر من شاعر ، وهذا منور صمادح يندد بهذه الجريمة مشيرا الى أن مقترفيها يتشدقون دائما بالحرية والمدنية :
قالوا التوحش زالا -فأجبتهم من قالا ؟
من ذا الذى بقر البطون وقطع الاوصالا
من ذا الذى سفك الدماء وقتل الأطفالا
وسطا على ارواحنا فاستعجل الآجالا ؟ (13) .
يمكن اعتبار هذه القصائد بصرف النظر عن قيمتها الفنية شهادات ساخنة عن المذابح والاضطهادات تحرك النفوس وتتغلغل فى الذاكرة الوطنية أكثر ما بفعله التاريخ الذي يتعامل مع الاحداث بما يلزم من هدو ، وبرود .
بعد شهرين من العدوان على " الساقية " يتحدى احمد اللغمانى قوى الاستعمار بتأكيد تضامن تونس مع الجزائر باعتبارها جزءا لا يتجزأ من المغرب العربى الكبير فيقول :
حلم الملايين الضعاف : المغرب الكبير
نريده ! نريده !
نريده لنا ...لنا
لنا..لنا لا لسوانا المغرب الكبير
نبنيه بالأرواح والأشلاء والدماء
نصونه ، نصونه من شره المغير ( 14 ) .
إن صدق العاطفة والحمية يتحول الى شعارات تؤدى دورها الحماسى فى اللافتات بالشوارع والاجتماعات ولكن المضمون يبقى أكبر من الشكل فى حين ان أحمد اللغمانى قد عودنا على شعر أكثر متانة واشراقا . إن تناول المواضيع الضخمة يتطلب معاناة تفتح القصيدة على شاسع الآفاق ، لكن ضغط الاحداث لا يتيح للشاعر البعد الكافى لتجاوز العبارة نحو الرؤية ، أما والحالة تلك فان الشاعر يقنع بمخزونه اللغوى مستنجدا بالرؤى والصور المسطحة والكلمات الغنائية التى لا تخلو من تخدير ممتع وهو ما يقع فيه شاعر أصيل مثل المرحوم أحمد المختار الوزير فى قصائد " عيد النصر " :
انظروا الفجر يملأ الأفق انوارا ويجلو من سحره افنانا
انظروه مشعشعا يتهادى طافح البشر حالما نشوانا
انظروه مدغدغا برعم الورد حبابا مضاحكا ريحانا
انظروه فانه فى مرائى العين وشى خيوطه من منانا ( 15 ) .
وعلى هذا النحو يسير عبد المجيد بن جدو فى "ملحمة النصر " :
هذه أنشودة النصر وأصداء الأمانى
مولد الفجر وعقد الدر فى جيد الزمان
صدحت فى ركبها الغيد بألحان حسان
وبها رجعت الاصداء ذكرى المهرجان
باناشيد عذاب هزجت فيها الأغانى ( 16 ) .
الأناشيد والانوار والورود هى الاطار الدائم الذى لا يتغير للتعبير عن أفراح الشعب بذكرى انتصاراته ويتبارى الشعراء ىي ذلك الاطار بتنضيد الكلمات المتداولة ولعل المذنب فى كل هذا هو الفرح فالفرح ليس مهنة الشعراء ، والفرح احساس غامر ولكنه سطحى ، والفرح بالنضال ليس نضالا ، والشاعر المناضل لا يلقى السلاح فهناك دائما قضية وطنية أو انسانية بانتظاره . وهذا مصطفى الحبيب بحرى يعرف بمأساة اللاجئين الفلسطينيين أو يحيى المقاومة الشعبية فى " بور سعيد " ابان العدوان الثلاثى على مصر أو يتجاوز القضية العربية ليعالج قضايا القارة الافريقية فى قصيد بعنوان " افريقيا ورقصة البركان " .
سماؤنا دم - وأرضنا فم
وانت يا افريقيا يا أرضنا ويا سماء
...افريقيا يا مرحبا بطفلك الوليد
ومرحبا بما تخطه فى أرضك الرياح
وما تخطه بافقك الرعود
... وانت لم يزل يهزك المخاض
ولم يزل ينهل منك دم ( 17 ) .
هذا النزيف كان فى خيال شعرائنا نزيف مخاض وولادة ففى تلك الفترة التى كانت تشهد قرب انبعاث دول القارة سيدة أمرها لم يكن يخطر على بال ان الولادة سيعقبها الاجهاض وان الرؤية لم تكن قادرة على النفاذ الى التناقضات والانتفاضات وان كثيرا من الخيبات كانت مخبأة وراء الوميض الواعد . وعلى
كل فان هذه الآمال العريضة التى كان هناك ما يبررها لم تكن تخفى عن الشاعر التونسى مخاوف العصر الذرى .
عالمنا سفينة تحملنا إلى ضياع
حدوده عدم - سماؤه مجنونة الاعصار
امواجه أنين دم
...ذراته مسخره
...لهدم ما يشيده الانسان
فى عالم الابداعؤ(18) .
فاجعة هيروشيما حركت أيضا محسن بن حميدة الذى رأى فيها موت طفولة العالم فنظم فيها قصيدته " قطعة حلوى ولعبة " ناطقا باسم طفل تبخر فلم يبق منه سوى صوت وجيع :
تالله إنى ساذكرها - ليلة موتى بهيروشيما
ليلة موت الوجود الكبير
من الآن سوف تعود سدى
بايديكم كل حلوى العلب
...وكل اللعب
...وأبقى صبيا إلى غير حين
وأبقى خفيا فلا أنظر ( 19 ) .
ان محاولة حصر كارثة لم يسبق لها مثيل فى تاريخ البشرية فى أنة طفل رهان يصعب كسبه ولكن الشاعر حر فى تصوره ولعل الفجيعة فى نظره تكمن فى قتل البراءة ، وبالفعل لم يعد العالم بريئا بعد هيروشيما .
إن الشاعر التونسى عربى شرقى فى طموحاته وآلامه ورغم كل ما يختلج فى نفسه من حمية ازاء التحرك الجبار الذى بدأ يكسر القيود حلقة بعد حلقة فانه لا يغفل عن سلبيات وعيوب ورواسب كثيرة من أوهام القرون تنذر بالاخفاقات المقبلة والاجهاضات الممكنة ولذلك يثور محمد العروسى المطوى ضد " أغنية الشرق القديمة " التى تلوك الأمجاد الغابرة مستسلمة للأفات المتوارثة عن عصور الظلام :
اغنية الشرق القديمه غصصا من السم الزعاف
نحن البناة الأولون هم هائمون
كنا الألى فتحوا الطريق صرعى لافات مشومه
...اغنية الشرق القديمه " افيونة " الصين الخطيرة
كنا الألى بعثوا الهداة و " حشيشة " النيل اللعينه
ظلت عارا في الطريق و " حروز " أطلسنا الكبير
ابناؤها يتجرعون و " زهادة الهندوس فى نبع الحياة (20)
يتضح مما تقدم أن الشعراء التونسيين قد حاولوا إلقاء نظرة واعية على ما حولهم وعلى ما يمسهم من قريب أو بعيد وحملوا الشعر الشهادة التى كانوا يرغبون فى أدائها وتوصلوا عن قصد أو غير قصد إلى طرح المقدمات القاضية باعادة النظر فى الشعر فى مواجهته للواقع الذى يلاحقه ويشدد ضغطه ويدفع به دفعا إلى التغيير .
تلك هى نماذج من اهتمامات الشعر السياسى التونسى خلال العشرية الأولى تعاليق منظومة على هامش النضال التحريرى فى حين تستمر الاغراض التقليدية من تأمل فى الحياة وحب وغزل . وكان من ابرز أصوات الشعر التأملى المرحوم أحمد المختار الوزير يحث الخطى فى فلوات النفس بحثا عن مدينة فاضلة يلجأ إليها وفى قصيدة بعنوان " من ؟ " يترجم الشاعر عن ضيقه غريبا تائها وسط الغرباء الذين طالما تعذب من أجلهم وتحمل همومهم :
ما لهم يسالون عنى ويبدون عجابا من محضرى ومكانى
لكانى غريب دار نبت بى جفوة الدهر عن لقا إخوانى.
خلسة يلمحوننى ثم تزور وتأبى عيونهم أن ترانى
ما الذى رابهم وما علمت نفسى بسريريب او إعلان
انا من أجلهم تشعل شيبى وعرانى من الضوى ما عرانى ( 21 ) .
شعر الوزير كله توق إلى فك أطواق الغربة الروحية فى مواجهة استغراب الناس أمام تفرد الشاعر وهو يتآكل نارا تضئ ظلام الوجدان فى مجتمع لا يعي وليس أقسى على المرء من عزلته وسط الزحام وشعوره الحاد بالخيبه فاذا به يضع نفسه محل جدال ومراجعة ممزقة تؤدى به فعلا إلى تمزيق الاوتار واسكات الذات :
مزقت أوتارى وحطمت القياثر لا أغنى
وارقت خمرى ما حوت كاسى وما يحويه دنى
وطويت اضلاعى على شعرى وأسجاعى وفنى
وذهبت فى صمتى أكتم فى غيوب النفس لحنى ( 22 ) .
إلى أين يذهب من فقد الايمان بجدوى فنه فى عالم اللاشعر ؟ إنه ينسحب الى الاطلال القديمة التى كانت منبت الشعر فى القرون الخوالى قبل المد الحضارى الكافر بأشياء الروح وهذا الشاعر يتجول وحيدا بين الخراب فى " المعبد المتهدم " :
انا وحدى وكل ما تبصر العين عراء يلفني وقتام
مات كل الاشباح مات نهارى مات ظلى واعقب الاظلام
... أين أمضى ، لقد جهلت إلى أين مصيرى وند عنى المرام
حيرة إن سألت نفسى عنها مسنى جاحم وهاج اضطرام ( 23 ) .
إن احمد المختار الوزير من بين الشعراء التونسيين القلائل الذين كابدوا بعد الى القاسم الشابى ، مأساة اللاتواصل وانقطاع الحوار ، بل لعل الوزير آخر
يبى " رجيم " تدفع به الأزمة الى " معراج " غريب نحو بقاع مقدسة لم تعد تخشى التدنيس ، فاذا هو يتسلق سلم الزمن بحثا عن شباب ضل طريق الحياة فاذا بالتقوى تنطق بكلام غريب :
قال لى صاحبى وقد سكن الليل وغشى النجوم سود الدجون
سر بنا سر فما اطيق بقاء بين ريب ممزق ويقين
... قال هيا لباطل حبذا الباطن دينى اذا سعدت بدينى
سر أخى سر لحان قصى لغناء لراقصات اللحون ( 24) .
وحال وصوله الى ألحان تتلقاه امرأة عصفت بها السنون هى عهد شبابه الضائع وتعلمه بأن الكؤوس تحطمت وأن المشرب قد أغلق ابوابه وبذلك يخفق الشاعر أيضا فى تجربة التطهر عن طريق الاثم . هذا الاحساس بالضياع الشعرى يتواصل مع شعراء الجيل الموالى كما يبدو من خلال قصيدة " مناجاة" لنور الدين صمود :
منهك أنت كالشراع على اليم ترامته زعزع عمياء
وكئب كأنما أنت كهف أبدى يأوى اليك الشقاء
وطروب كالنور فى صفحة النهر تلالا في موكب الاضواء
انت كالكون شاحب فور ما تسرى على الارض موجة من خريف
وكلحن الطيور يمرح عذبا سرمديا مع الربيع الوريف ( 25 ) .
كذلك يبرز صمود علاقات الشاعر بالطبيعة انصهارا فيها وتأثرا بتقلباتها ولعل الشاعر أراد أن يبين أن الكآبة ليست حالة مستمرة وأن للانشراح فسحة فى صدر الانسان تجعله يتحمل اوجاع الحياة ، وفى هذه القصيدة انتفتاح على آفاق عريضة ينفذ منها الشاعر الى ابعاده . انه الشاهد الحاضر أبدا ومستودع قيم الانسان منذ بدء الخليقة فهو يجر وراءه ارث القرون الثقيل ويتم ذاته باقتراف كل الجرائم التى يرتكبها البشر . ذلك هو " الشاعر " النبى الذى يصفه صمود مخالفا للصورة التى تركها لنا الوزير . ويستعمل صمود فى وصفه ذاك أسلوبا ينضح فى غرابة بالشهوة والتصوف فى آن واحد :
فى ثغره شوق لقبلة آدم فى ثغر حواء الجميل
وبصدره طعنات قابيل لهابيل تدفق كالسيول
فى سمعه تدوى المطارق وهى تكسو بالدما كفى يسوع
فى سمعه خطو لناقة أحمد تطوى الفيافى فى خشوع ( 26 ) .
إن هذا الشاعر وريث النبوة فى آلامها وزحفها النورانى فوق الرمال والقفار وهو فى الوقت نفسه وريث "سزيف" رافع الصخرة المتدحرجة دائما ولكنه مارد ثائر يرفض الجبرية ويحاول تجاوز منزلته ، انه "سيزيف " الذى يريب سحق كل صخور العالم التى تعترض المسير فى كل الدروب ، الناس رجلان ، رجل نملة ورحل صرار . وخلافا للأمثولة المعروفة تعيش الصراصير البشرية على حساب النمل وتتمتع دون عناء بملذات الدنيا ، وهناك صنف ثالث ، صنف "الققط الدونجوانية " التى تنام بين أحضان الحسان ، تلك هى " مأساة سيزيف " العصر :
فى ظلام الراحة الدكناء صرار يغنى فى بحور من غناء
وأنا والنملة العرجاء نجرى خلف زاد الغد ، يا طول العناء
وأنا أحسب أن القط عنوان الدعاره
دأبه أن يأكل القوت وان يصطاد فاره
غير أن القط يمشى فى خيال العظماء
وبنام الليل فى أحضان غادة (27 ) .
نور الدين صمود لا يدين الفعل او العمل مهما كان مضنيا ولكنه يثور على الطفيلية والانتيازية ، انه يرفض بالخصوص . وهذا مهم جدا ، عمل الانسان الآلة اللامسؤول الذى يخدم الطغيان والجبروت وهو اذ يذكر بمقتل الشاعر الاسبانى العظيم فيدريكو غارسيا لوركا انما يندد بكل الجرائم المماثلة فى عالم ليس " لوركا " فيه بأول أو آخر ضحية :
ايه يا قلبى الذي قضيت عمرى تائها ابحث عنكا
مثلما مات على أمجاد اسبانيا العظيمة
شاعر الحرية العذراء " لوركا "
ومضى فى موكب من كبرياء
ساخرا من طغمة ماجورة جد لئيمه
سوف أمضى ساخرا من صولة القط الحقير
سأدوس النملة العرجاء والصرار والطير الكسير
تعس الخبز الذى يجمعه
عرق النمل الصغير (28 ) .
هكذا يرتقى الشعر التأملى الوجدانى الى مرتبة الالتزام والتمرد فالشاعر يعلن سخطه على كل المأجورين وعلى العبيد الذين يجهلون أنهم عبيد كما ينقم على الانتفاعيين الذين فقدوا ماء الوجه وعلى الضعفاء الذين أصبحوا حلفاء موضوعيين للطغاة والظالمين .
جعفر ماجد شاعر آخر يحمل وزر اللعنة الشعرية ويدخل بنا فى متاهات ضبابية تكثف الحيرة :
ها انا ذا بين أمواج الزمان لست ادري ما مكاني فى المكان
اقتل اليوم الذى لا ينتهى والغد الآتى مضى قبل الأوان
لا الدجى المحمر فى آفاقه لا خيوط الشمس سوداء البنان
تمسح الايام من عمرى ولا تصنع الأعمار من موت الثوانى ( 29 )
هذه الأبيات مأخوذة من قصيدة بعنوان " ضياع " وفكرة الضياع تتسلط على ثير من قصائد جعفر ماجد ذات المسحة التأملية ، ضياع فى عالم غير مرئى ، من " وراء الحروف " فى البقاع التى لا يدخلها الا الشعراء :
سلونا ام ترى وهنت قوانا وعدنا وحدنا أم من دعانا
وكنا كالخيال بلا جناح نطير على الزمان فلا يرانا
فانت اليوم يا قلبى غريب على بعد المكان ترى المكانا
وتلهث كالحريح على ضلوعى وتنفث فى شرايينى الحنانا
تضح الذكريات فأمتطيها وأرمى فى السماء لها العنانا ( 30 )
إن الاصطدام بالمستحيل فى بحث الشاعر عن المطلق يؤدى الى احساس هادى بالعجز ولذلك تتلحف صورة القلب النازف بين الضلوع بالحنان واذا ما اختار الشاعر ألا يغضب فليس ذلك منه ميلا الى التسليم أو الاستسلام بل اقتناعا بأن طموحات القلب تتجاوز اجتياجاته ، فنراه يجر " العطش " عبر صحارى باردة وسوداء :
يا شعاعا فى فيافى الليل يسرى قد اطل الفجر قل لى اين فجرى
ساحة الايام عطشى كالدجى وانا وزعت فيها كل عمرى
ستذوب الشمس في ارجائها ما ترانى جانيا إن جف بذرى
ليس لى يا نفس حقل غيره إن غرسي ما نما إلا بصدرى ( 31 )
الضياع نوهة عريضة ، الضياع أكبر ضيعة كونية ، تستهوى كل شعراء الخمسينات والستينات ، حتى عبد المجيد بن جدو مؤلف كلمات الاغاني الخفيفة يستسلم للاغراء فيغرق يغرق هو الآخر :
ضياء ... هنا قطرة من شعاع
على الدرب - فى نفق مظلم - وومضة حلم
ضياع ، ضياع
هنا درهم من ظلام
فلا تحتويه يدى
...به حدثت في القديم السماء
... ولم يك إلا سراب رجاء
...حصدت من الليل أطيافه
وناولت أكياسه الجائعين ( 32 ) .
لكن عبد المجيد بن جدو شاعر عاشق والعشق منقذ من الضياع حتى وان كان حزينا يعيش على ذكرى المتع القديمة كما هو الحال فى قصيدة " أغنية الغروب " غروب الشباب :
يا حبيبى أنا من فى الحب ابليت الشبابا
وشربت الكأس ملتاعا وأرديت العذابا
وبثثت الليل احلامى وأشواق فشابا (33 ) .
كل قصائد الحب عند عبد المجيد بن جدو ماضوية تغذي أحلامه بالذكريات الكئيبة . واقتناعا منه بأن الاوهام لا طائل من ورائها وبأن ما فات مات يقرر أن ينسى :
سوف أنسى ، سوف لا أذكر من حبك شيا
لم يكن حبى سوى وهم طواه الدهر طيا
سوف أنسى أننى أحرقت اجفانى بسهدك
وتمثلت وجودى لم يعد شيئا ببعدك ( 34 ) .
اى نسيان هذا الذى يلتف به الحنين ؟ اى نسيان هذا الذى يثبت فى الذاكرة كل الاطياف والتذكارات التى يرغب المشاعر فى محوها ؟ هذا الحب الحزين بقية من بقايا الرومانسية التى طال احتضارها رغم ظهور نوع من الغزل العارى الحسى كهذا الذى يبدع فيه جعفر ماجد فى قصيدة " مراهق " مثلا :
تجمعت اعيننا بصدرها وانحدرت تجول فى نهديها
وعبرت فللعبير رقصة كرقصة القلوب فى يديها
الثوب ، يا للثوب فى انقباضه كأنه ذراع عاشق موله
يضمه ، يشمه ، يضغطه يا للحرير من عاشق مدله ( 35 )
أما نور الدين صمود فانه يشحن قصائد عشقه رقة ولطفا ونغما كما يتبين فى قصيده " أحبك " التى يختلط فيها الغرام بجمال الطبيعة وعمل الأرض :
احبك أقسم بالنرجس وبالسحر فى الأعين النعس
وبالكرم يلهث شوقا الى ثغور الاباريق والاكؤس
وبالموج موج نضار الزروع يوشى البيادر بالسندس
بشوق الملايين فى ارضها لمحصولها الانفس الأنفس (36)
لكن نور الدين صمود ينقاد آخر الأمر الى اغراء الجسم ، فى شئ من الاستحياء ، بل انه يعطى لقصيدته الغزلية"حبيبتى زنجية " بعدا سياسيا غير مباشر حتى لكأنه يتغزل بأفريقيا كلها :
حبيبتى زنجية - سمراء افريقية
من قارة النغم- ومن قرارة الألم
تمد للالاه كفا - إن نقرت اصابع الشيطان دفا
وتثنى كحية - لينة قوية
...فى عريها شمم - وفى ابتسامها كرم ( 37 ) .
هذا هو إذن الجزء الأول من جولتنا السريعة فى حياض روضة الفكر الشعرية ومن خلاله يتضح أولا أن الشعراء التونسيين كانوا مستمعين الى أصوات الظرف التاريخى الذى مر بالوطن فعبروا عن كل ما كان يختلج بصدر الامة من آمال وآلام ومن احساس بالكون والقيم ثم ان هؤلاء الشعراء فى معظمهم يمثلون مرحلة النضج الابداعى على الحدود الفاصلة بين ليل الاستعمار وفجر الحرية وقد أوصلوا التجربة الشعرية الكلاسيكية والرومانسية التى ازدهرت فى فترة ما بين الحربين الى قمة عطائها كما أنهم بممارستهم للشعر الحر قد فتحوا آفاق الحداثة والمعاصرة فى وجه الشعراء الذين جاؤوا من بعدهم ونشأوا وشبوا تحت ظلال الفكر الوارفة .
