الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

نظرات مستقبلية فى اللغة العربية والمصطلح

Share

ان الحرف العربى مذ كان حركة صوتية عبر بها العربى البدائى فى صحرائه ، عن رغبة أو عاطفة أو غرض ، كان ينمو ويتطور ويأخذ بالرقي لفظا واتساع دلالات . ذلك ان اللغة العربية ، ذات خصائص توالدية ، وصفات بيولوجية ، تتناسل وتتكاثر كالجنس البشرى بلا  توقف . وبما أنها لغة اشتقاق ، فقد صار للمفرد الجذر فروع لا تحصى ، هي ، بدورها ، قابلة للتفرع والتكاثر

واذا كانت جميع مفردات الجذور العربية ، لا تزيد عن ال / 5641 / خمسة آلاف وستمائة وواحد واربعين جذرا ، وقد ثبت أن هذا الرقم هو مجموع الجذور التى وردت في الصحاح وانه فى لسان العرب ينيف على التسعة آلاف وهذا رقم كبير فكيف اذن بكل تلك الاعداد التى لا تحصى من الفروع الناجمة عن عمليات الاشتقاق علما بأن الجذور ، إذا ما قورنت بالفروع المشتقة عنها كانت نسبتها كالجذوع من الاغصان فى مثل الشجرة . وهذا يؤكد ان عبقرية  اللغة العربية كامنة فى ذاتها وانها فى تطورها كانت اشبه بالمخلوق البيولوجى الدائم التناسل والتكاثر

اما مقاييس اللغة فهى من الشمول والكثرة ، بحيث يسلس كل دخيل غريب لها القياد ، ويذوب فيها ، وقد برهنت العربية ، على مر  العصور انها القطب الجاذب وليس المنجذب وانها الصامدة بقوة ، فى وجه الاعاصير ، فالاختلاط بالاقوام . والهجمات الخارجية على الامة العربية ، والمحاولات للقضاء على  العربية ، فى القديم وفي الحديث ، كانت تذهب دائما الى الهباء المنثور وتلاقي الاخفاق وراء الاخفاق . والفضل فى ذلك يعود الى :

1 - القرآن الكريم ، الذي هو الدرع الواقى والسور الاشم المنيع فى وجه كل تيارات الشعوبية ومحاولات محو معالم العربية ، قديما وحديثا

2 - الذاتية التوالدية للغة العربية ومن ورائها ، الانسان العربى المتمسك بحرص وبأس ، بشخصيته وثباته فى إبرازها والحفاظ على معالمها

3 - التراث العربى المجيد ، والدواوين منه التى سطرت عظمة الفكر العربى الذي تحمله الكلمة العربية الوضاءة

كما وان من خصائص الادب العربى قديما وحديثا ، تمسك العاملين فى ميدانه ، باللغة الفصحى والاخذ بمبادئ البيان والبلاغة والاهتمام بالجمالية  اللغوية ذات الانطباقات القياسية والتركيب اللفظى المنحوت المتقن لكل  مستحدث ومصطلح ، لهذه جميعا دور هام ايضا فى الصمود الكبير ، لكل الهجمات والمؤامرات على اللغة العربية

ان هذه الاسباب التى ذكرتها ، منطلق موضوعى بعيد عن الهوى ومراكب الغرض ، وهي اسباب تسلك فى مندرج الوعى الحضارى لأمة تحتل من الارض مسافات شاسعة ، تتعرف فى عامها ، على مختلف المناخات والاقاليم ، مما يجعلها ، لو لم تكن ثمة لها لغة حية صامدة ، تتعرض للانقراض بعد كل ما أصابها من تمزق . والوعى الحضارى هو مرافقة ومزاملة الحضارة البنائية  للثقافة النفسية وهذا يشتمل فى ما يشتمل ، على لغة التخاطب اليومي والتعبير عن اغراض الحياة ، كما يشتمل على العلم وسائر الفنون . وما من يوم استطاع العرب مواكبة الحضارة الانسانية او الوعى الحضارى بغير الاعتماد على الكلمة ، ولا يمكن لشعب من الشعوب ، ان يكون فاعلا فى حضارة وفي وعى  اخذا بالعلم مؤثرا فيه ، مضيفا اليه ، بغير اللغة ، فاللغة اذن هي وعاء الفكر وحاملة الوعى كما الكأس للماء ، واللغة ليست غاية بحد ذاتها او هدفا وانما هى أداة التخاطب والتعبير وتدوين المدارك لكنها وأعني بها اللغة العربية برهنت في مجالات الادب والشعر انها تكاد تلمس حدود الغاية ، وان ذوقنا الفني ، يكاد يجعل منها من وجهة النظر الجمالية ، شيئا غاية

ثمة الآن مسألة تطرح نفسها ، ولا مهرب منها . . والزمن الراهن قد ألحت به دواعي العلم وضرورات التكنولوجيا ، وانطبع بطابع العلم الريادى والتجارب المختبرية وكشف الفضاء . . . حتى الحساب صار يسمى الرياضيات المعاصرة ، بعد خروجه من أطر الاقليدية التقاليدية

ان المصطلح ، وهو الكلمة التى لم تكن موجودة بحروفها لمعنى معين وصارت الآن ذات تعبير جديد ، دلالة جديدة . هذا المصطلح هو اختراع التطور العلمى والفني ، وكان دائما ظاهرة فى كل مراحل الازمان السالفة . الا انه اليوم ليقتحم دنيانا ، بالحاحية مصرة ومتتالية ، ففي كل يوم يوجد جديد ويطلع علينا الاكتشاف بمدارك ، تتطلب اسماء

واللغة العربية التى قلنا فيها انها القطب الجاذب ، لتقف من المصطلح دونما خوف ، وتأخذ المصطلح لتضع له ما يعادله ، وكذلك عندما تحتك العربية بشارات اللغات الاجنبية ومفرداته ، حول المصطلح ، تراها تستقطب تلك المفردات لتهضمها فى أجهزة مقاييسها ، ثم تردها للتداول ، ألفاظا دخيلة قياسية .

ليس المصطلح فقط يلح بنا لوضع عديل له ، بل المصادر التى لا تستعملها العربية افعالا ، اورد على سبيل المثال : المسرح ، التمساح ، المتراس ، السجادة . . ونستطيع جعل هذه افعالا قياسية فى مختلف اوجه الاستعمال : مسرح ، يمسرح ، تمسح ، او تتمسح . تمترس يتمترس ، سجد يسجد ، وغيرها كلمات اجنبية مثل : الاوكسيد ، الكلور ، الكربون ، ونقول : اكسد وتأكسد . كربن وتكربن . كلور وتكلور وآلاف الكلمات ، من شأنها ، لو اخذتها اللغة العربية بقوالب ومقاييس أن تغتنى بها فى عصر التكنولوجيا

وكما قلنا وقد صح منا القول : بسمل وحوقل ، فلماذا لا نقول : ربم يربم ، أى أخذ يقول ربما . هل يفقد هذا الاخراج من الحدود الضيقة ، لغتنا شيئا من اصالتها ؟ لا . مطلقا

اذن العربية ، لغة متطورة ، من شأنها ، ليس ان تعطى ما عندها ، بل ان  تأخذ أيضا وتحسن الاخذ ، لتعود فتعطيه من جديد ، متطورا قويم التعبير .

قلت : ان اللغة وساطة نتوسل بها الى المدارك . والمدارك على مختلف فروعها وحقائقها وخصائصها وتكوينها ، نتاج رقى وتقدم او على الاقل نتاج تطور ذكي وفطن . ومثل هذه المدارك التى لها هذه الخصائص ، لا نبلغ امرها ، بغير لغة متقنة وكلمة بينة واضحة مصقولة .

ولقد انتاب العربية ، من دهرها ، ومن عوادى الايام وسوء المقاصد ، ما جعلها اثنتين او شطرين بينهما بعد شقة واتساع : الفصحى ، والعامية  فما الفرق بينهما ؟ وما مستقبل كل منهما ؟

لكى أجيب سأستعرضهما تباعا بسلسال رقمي واحد :

أولا : الفصحى هي الكل ، الأم ، أو الشجرة بجذورها وجذعها واغصانها وفروعها ، يفئ الى ظلها الفكر الواعي الأنيق ، ويستورف فيأها الذوق الادبي

المبدع فى كل ضروراتهما وحاجاتهما ويلجأ اليها المصطلح لاستيعاب اغراض الزمن والتعبير عن الاحاسيس

ثانيا : الفصحى هى الضابط والحافظ للغة ، لأنها المسورة المحصنة بالقواعد المتعارف عليها .

ثالثا : الفصحى هى خزانة التراث العربي المجيد الخالد ، والذي له من العمر أكثر من أربعة عشر قرنا .

رابعا : العامية ، وهي فروع غير سليمة عن الفصحى ، بدأت طوالعها باللحن الذى كان عارا فى الزمن العربى الصافى ، ثم عند اختلاط العرب بالاقوام مع  الفتوحات ، ثم بالتمازج والتقليد فى مراحل التردى والتخلف والتعرض للغزوات الخارجية من أقوام عديدة ، فى عصور الانحطاط وما بعدها الى اليوم ومع ذلك فالعامية تأخذ مفرداتها من الفصحى ، وتأكل من معجنها .

خامسا : العامية ، ليست لغة بل لهجات متعددة . ذات مفردات لا ضابط لها ولا قواعدية انها مجموعات من الالفاظ ، خاضعة للاقليمية والتقسيمات الجغرافية ، تختلف عن بعضها فى بلاد عن بلاد ثم فى مدينة عن مدينة من ذات البلاد . ثم تقسم الى لهجات مختلفة فى نطاق المدينة الواحدة ، ومنها تقسم الى لهجات مختلفة ايضا ، فى نطاق الحى الواحد وهذه اللهجات بازدياد وتكاثر مع مر الزمن

سادسا : العامية ، لقيط سقطت عن الشجرة ، نتاج التخلف ، واليوم هى عدو لتقدمنا ووحدتنا لدود ، فنحن ضمن الوطن العربي ، إذا ما رغبنا بالتخاطب بواسطة اللهجات ، كان علينا ان نصحب معنا تراجمة او قوامييس بالعامية لو وجدت هذه ، وانها دون ريب حدود غير طبيعية ، تضرب التباعد والعجز ، ما بين عقل العربى وعقل أخيه ، ولا يمكن ان تزول العامية بغير الاخذ بالثقافة والفصحى ، وتعميم الفصحى كنتيجة تطورية للثقافة والتعليم العربيين ، ولهذا التعميم لم توضع بعد مناهج عملية متخصصة ، تهدف لاحقاق هذه الغاية . وقصر فيها جميع الحكومات العربية ، بلا استثناء ، تاركين الامر للزمن

سابعا : العامية اليوم وساطة للقضاء ليس على الفصحى ، بل على العربية ككل ، اى :

محاولة تدمير . . تستهدف الامة العربية  بالذات ، وابعاد العرب عن كل

تراثه وأمجاده ، وبهدا تزول هويته ، وتمحى شخصيته ، ويفقد الرابط الاساس الذى يشده الى كتابه شدا محكما حكيما

واذن العودة الى الفصحى والاخذ بأصولها ، هى عملية تفاهم كبرى ما بين مشارق بلادنا ومغاربها . وبهذا تتوحد الالسنة المتعددة واللهجات فى اللغة العربية الأم ، ويكون هذا من آيات الثقافة العربية ، لان اللغة وعاء الفكر ، كما الكأس للماء .

ثمة مسألة اخرى مطروحة اليوم مسألة تدريس العلوم ، وبأى اللغات فى  البلاد العربية ؟ .

أقف هنا لأقول : ثمة منكرون على العربية ، وقدرتها على تدريس العلوم ، وهم جانب من الذين يثيرون تساؤلات كثيرة وشكوكا ، لماذا انكارهم ؟ وما القصد ؟  .

انهم بالذات الذين يشكلون الصف المغرض الذي يريد احلال العامية محل الفصحى ولذات الاهداف المشبوهة ، وهم بهذا يهدفون الى تخريج جيل لا يتقن لغته فى العلم والفن علما بأن العربية واكبت فى مختلف العصور المسيرة الحضارية ، فى مختلف وجوهها وسائر فروعها ومعارفها حتى بلغت فى يوم مبلغ الانفراد باحتضان العلم ، وكانت لغته العالمية فى الشرق والغرب الاجنبى

فهي أول ما بدأت غير مدونة وانما محكية ملفوظة فقط . . استطاع بوساطتها العربى البدائى ان يتفاهم مع الآخرين ، وفي العصر الجاهلى كانت لغة المعلقات وغيرها عين من عيون الادب العالمي الانسانى ، وعلى  رأسها لامية العرب للشنفرى التى قال عنها الرسول ) صلى الله عليه  وسلم ( : " علموا أولادكم لامية العرب فانها تعلمهم مكارم الأخلاق " ان الجاهلى استطاع التعبير بها عن أدق المشاعر والاحاسيس المعتملة فى نفسه من خلال الشعر الجيد البليغ وما فيه من تشبيه وتورية ومختلف ضروب الجمالية والفنية ، ووصف بها أدق الاشياء والتفاصيل فى المخلوقات الكبرى والصغرى والأشياء . وكانت العربية قادرة على ان تعطى اضأل الاشياء وأقلها استعمالا الاسم ذا الدلالة الواضحة والتعبير الفطن المحكم ، ثم تطورت هذه اللغة مع فجر الاسلام . ونزول القرآن الكريم بها ، لآية بينة ، ولا أبين تستوعب احكام القرآن والنظام الجديد والتشريع والعلوم والقوانين وسائر

المفاهيم الجديدة التى لم يعرفها العرب من قبل ، والتى يدخل بعضها فى أمور السياسة والادارة والمجتمع والسلوك والاقتصاد . ثم كان عصر الفتوحات وبناء المجتمع الاسلامى والدولة الاسلامية العربية ، وما اعقبه من عصور الازدهار الذهبية ، التى تم فيها نقل العلوم والفلسفات  والفكر الرياضى الهندى ، وكانت العربية ، فى هذا المجال ذات طاقة خلاقة مبدعة ، لم تعجز عن القيام بهذه المهمات الجديدة ، بل عبرت ايضا ودونت ، ما اكتشفه العرب وما توصلوا اليه فى علوم الفلك والملاحة والكيمياء والفلسفات والفنون والطب والادوية والحيوان . واللغة العربية لم تقصر فى مجال ترجمة  العلوم وتدريسها ولا أبين على ذلك ، برهانا من المعلم الملموس الذى أكدته جامعة دمشق ، فهي منذ تأسيسها تدرس الطب وسائر العلوم باللغة العربية ، وتضيف الى هذه الفروع اليوم ، الرياضيات الحديثة او المعاصرة  وقد ألف الاختصاصيون كتبا بالعربية فى هذه المادة

ان تهافت البعض على الاخذ بالعامية ، ومحاربتهم الفصحى . . ثم دعواتهم الى استبدال الحرف العربي باللاتينى ، وانكارهم على العربية طاقتها على تدريس العلوم ، كل هذا ذاهب الى هراء وضياع . ومثل هذه الدعوة التى تخفي وراءها العداء للعرب والقرآن الكريم تندرج في الحملة الشديدة المتسترة ، والتى تهدف الى ابقاء العرب فى تخلفهم

اما الامر الشديد الخطورة ، والذي يتحدى اللغة العربية ، فهو العلم وبالدقة هو المصطلح ، فى هذا العصر التكنولوجي

العلم بريادته وكشوفه وصناعاته وبحوثه ، وسلعه الحضارية ، يتحدى العربية تحديا مصيريا لانه يشكل عليها خطر عزلها عزلا تاما عن فروع العلم والحضارة . والعربية مضطرة لتفادى هذا الخطر الى وضع المفردات التى  تقابل او تعادل تلك الالفاظ والمسميات التى يوجدها العلم عند البلدان المتقدمة .

اننى ألفت نظار فقهاء وأساتيذ وموسوعي اللغة والعاملين فى حقلها الى الخطر الناجم عن هذا التحدى غير المقصود . علما بأن الحضارة الصناعية  والتكنولوجية ، تسبق الثقافة والتكوين النفسي ، بكل مظاهرها وواقعها  وما على اللغة العربية ، الا ان تضع ما يعادلها . . من مصطلحات عربية ، تصل اليها بوساطة الاشتقاق والنحت والدمج واستعمال السوابق واللواحق

أى الصدور والكواسع . وبالترجمة والتعريب ، وبضبطها وفق المقاييس والاوزان العربية ، ما استطعنا الى ذلك سبيلا  

ان استنباط المفردات المعادلة للمصطلحات العلمية والفنية الاجنبية ، مهمة كل عربى أوتى من العلم والمعرفة قسطا . وليس هذا من مهمات المجامع اللغوية والعلمية واعضائها فقط بل مهمة كل أديب له فى اللغة باع طويل وله من الذوق نصيب . على كل مثقف ملم بالعربية ، ان يضع المصطلحات العربية لاغراض العصر التكنولوجي ، على شرط ، ان يخضع ذلك للمقاييس ، والقواعد المتعارف عليها ، وانه كما قال ابن فارس : " كل ما دخل العرب فهو منها " .

فلا خوف لا خوف من منزلق ، ولا حرج ، لا حرج من شطط . فالعربية لها ضوابطها وعقليتها وذوقيتها . وكل محدث ودخيل ومستنبط ،  ستخضعه العربية الى أمرين

- قوة التعبير ودقته . - والجمالية اللفظية وذوقها وما شذ عن هذين الامرين ، رفض فسقط فزال

اشترك في نشرتنا البريدية