الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

نظرة علي مميزات النقود الاسلامية ، العهد السلجوقي ٥٣٩ - ٧٠٧ ه‍

Share

استطاعت الدولة السلجوقيه منذ تأسيسها سنة  ٤٣٩ ه‍ أن تظل قوية الجانب،   موحدة الكلمة خلال حكم السلاطين الثلاثة  الاوائل طغرلبك والب ارسلان و ملکشاه ،  وقد سميت هذه الفترة بـ ( عصر  الامبراطورية) (١) تم تلت هذا العصر فترة من  التفكك والانحلال في البلاد اثر وفاة ملكشاه  سنة ٤٨٥ ه‍ استمرت الى سنة ٠٥١٩ ، وقد  شملت هذه الفتره المفككة حكم السلاطين  الثلاثة : محمود ، وبر كيارق ، ومحمد اولاد

ملکشاه ، وبعدها استطاع سنجر شاه  ( ٥١١- ٥٥٣ ه‍) أن يعيد توحيد البلاد ويصبح السيد الأعلى فيها ، وقد عرف عهده : (العصر  الوسيط) (۲) · غير ان البلاد بعد وفاته  دخلت ثانية في عهد رکود عرف بعصر ( الاضمحلال) (۳) وقد استمر هذا العصر الى  سنة ٥٩٠ ه‍ في العراق اذا شمل حكم السلاطين  محمد بن محمود وسليمان شاه بن محمد  وارسلان شاه بن طغرل الاول وطغرل الثاني (٤).

أما في آسية الصغرى فقد أسس فيها  السلطان السلجوقي سليمان بن قتلمس دولة سنة ٤٧٠ ه‍ج واتخذ مدينة نيقية عاصمه له  أول الأمر ، ثم تركها بعد ذلك بسبب الحروب  الصليبية الأولى، وعندما تولى سلطان  بركيارق بن ملكشاه سنه

٤٨٧ ه‍ أقبل تاج ارسلان بن سليمان بن  فتلمش إلى آسية الصغرى مره ثانية وأنشأ،  أمارة سلجوقية كبيرة عاصمتها قونية سميت  بسلطنة الروم( اى ارض الروم) أو (سلاجقة آسية الصغرى) وقد عمرت هذه الدولة حوالى  قرنين ونصف القرن ، ومرت به ظروف  مختلفة اثناء الحروب الصليبية ما بين ضعف  وقوة ، وظلت قائمة حتى قضى عليها سالطين آل عثمان سنة ٧٠٧ ه‍ (ه).

اسماء ولاة عهد الخلفاء العباسيين المعاصرين  على نقودهم منذ عهد القائم بأمر الله ، ولم  يكتف هؤلاء السلاطين بذكر ولي عهد الخليفة  الاول وانما نقش الثاني أو الثالث ان وجد .  فعلی دنانير السلطان محمد بن ملکشاه مثلا  المضروبة في مدينة السلام في السنوات ٥٠٩  و ٥۱۰ و ۵۱۱ ه‍ (۱۱) نقش اسما ولي عهد  الخليفة المستظهر بالله (عمدة الدين أبو  منصور) (۱۳) و (ذخر الدين ابو الحسن) (۱۳)  حالما لم يسجل السلاجقة على هذه الدنانير  اسماء ولاة عهودهم بالرغم من توليتهم لهذا المنصب أمام الناس ، وربما يعود ذلك الى  انهم كانوا يراعون فيها التقاليد والعادات القبلية (١٤).

والواضح من نقود السلاجقة بعد قراءة  نصوصها انها تؤكد اعتراف الخليفة العباسي  بأكثر من سلطان واحد في وقت واحد لاقليم  واحد ، فقد ضربت دنانير ذهبية للسلطانين  محمود و برکیارق ابني ملكشاه في آن  واحد (۱۵) ، وكذلك ضربت بعد ذلك دنانير

للسلطانين بركيارق ومحمد ابني ملكشاه (١٦)  ثم للسلاطين الثلاثة محمد ومسعود ابني  محمود بن محمد بن ملکشاه وعمهما سنجر  شاه (۱۷) ولعل السبب في ذلك يعود الى تفكك  الاسرة السلجوقية اولا وتنافس السلاطين  فيما بينهم ثانيا ثم ضعف الخلافة العباسية في الوقت ذاته ثالثا .. وبالرغم مما ترويه بعض المصادر من أن

سلاجقة آسية الصغرى خضعوا للنفوذ المغولي  او المملوكي في مصر منذ سنة ٦٤٠ ه‍(١٨)  حتى نهاية حكمهم ٧٠٧ ه‍ ، فاننا لم نعثر  إلى الآن ، على نقد منقوش عليه اسم أي من  هؤلاء الذين دخل السلاجقة تحت نفوذهم .  وهذا لا يتفق مع المفهوم العام للسيطرة الفعلية  والاستيلاء على البلاد التي اشار اليها كل من  المقريزی و ابن خلدون (۱۹) ، وما اعتقده في  ذلك ان اصحاب تلك المراجع كانوا قد بالغوا

في الوصف العسكرى والاداري فيها ، وربما  اقتصر هؤلاء الغزاة على اخذ المال من السلاجقة  تلقاء مساومة معينة بينهم ، ولو ان المغول أو  المماليك سيطروا سيطرة فعلية على السلاجقة  لا توانوا عن نقش اسمائهم على نقود تلك  البلاد بأى حال من الاحوال ويؤكد ذلك مثلا  ما حدث للمغول في الموصل حينما استولوا  عليها للمرة الأولى استيلاء فعليا سنة ٦٣٨ ه‍  فقد نقشوا اسم حاكمهم (قاآن الاعظم) على  احد دنانير حاكمها بدر الدين لولو (۲۰) .  واكثر من ذلك نجد انهم (أي المغول) حذفوا  اسم الخليفة العباسي الشرعي المستعصم بالله  من احد دنانير بدر الدين لولو ايضا عندما  احتلوا الموصل للمرة الثانية سنة  ٦٥٢ ه‍ (٢١)  واكتفوا بذكر اسم قائدهم الا لى (منكوقا آن)  وهذه الحوادث تجعلنا لا نطمئن إلى ما ذكرته

المصادر التاريخية عن السيطرة الفعلية للمغول  والمماليك على آسية الصغرى في تلك الفترة  ومما يزيد تأكدنا في عدم اطمئناننا لهذه  المراجع غموض هذه الفترة التاريخية  السلجوقية التي يقول عنها المستشرق  لسترنج : ( Le strang ) (۲۲)(وتاريخ  السلاجقة في بلاد الروم وخلفائهم الامراء  التركمان العشرة المنتهي بقيام سلاطين آل  عثمان اغمض دور في جميع التواريخ الإسلامية للاسف).

كذلك يقول لينبول ( Lane-Poole ) (۲۳) ( ان الصعوبة في معرفة تاريخ السلاجقة يزداد  غموضا بعد وفاة السلطان كيخسرو الثاني  سنة ٦٤٤هـ وما بعدها) ويشير اسماعيل  غالب (٢٤) الى ان تاريخ السلاجقة في خاتمة عهدهم لا يزال مبهما .

ومما يزيد هذه الفترة المتأخرة من العهد  السلجوقي غموضا ان نقودهم التي ضربوها  منذ زمن السلطان كيخسرو بن كيفياذ  (٦٤٤- ٦٣٤هـ) جاءت تواريخها مضروبة  بحروف وليست أرقاما عربية مكتوبة لذا  تصحب قراءتها ومعرفتها لأول وهلة وقد  عرفت هذه الحروف بالخط الديواني أو الارقام الديوانية (٢٥) . لقد شككت بعض المراجع في ان دولة

السلاجقة في آسية الصغرى قد اصدرت نفوذا  في بداية تأسيسها ، فقد ذكر بالحرف الواحد  اسماعیل غالب( ان مؤسسي الدولة السلجوقية  لم يضربوا نقودا بأسمائهم لانهم كانوا  مشغولين بتوسيع ممالكهم ، وان ضعف  الدولة في هذه الفترة أدى إلى ضربهم النحاس  كما أدى الى ضربهم الفضة سنة  ٥٨١ ه‍ زمن  فلج أرسلان بعد أن اصبحت دولتهم ذات قوة  وشهرة ولزم عليها اصلاح الامور المالية ،  واقدمت على ضرب المسكوكات الفضية اعتبارا من هذا التاريخ) (٣٦).

وجوابي على هذا الرأي الذي أورده  اسماعيل غالب هو أن دولة السلاجقة في  آسية الصغرى لم تكن ضعيفة منذ بداية  تكوينها وانما كانت تتمتع بقوة وشخصية  امنين ، حتى ان هذه القوة اضعفت الى حد  بعيد من قوة البيزنطيين الذين كانوا في هذه البلاد ، وهذا ما أيده المستشرق   (Tablot Rice) . (۲۷)

كما إن عثورنا على نقد نحاسي كأقدم ما وصلنا  من هذه الاسرة من نقود لا يعني أن دولتهم   ضعيفة ماديا (كما يقول اسماعيل غالب) وانها  لا تستطيع ضرب تقود من نوع آخر كالذهب  والفضة ، في الوقت الذى تعرف فيه ان  الحروب - على الرغم من الخسائر التي تعانيها  الدولة منها - فانها لا تخلو من غنائم ، إضافة  لى ذلك ان السلاجقة في بداية امرهم كانوا في  انتصارات مستمرة ، فقد استطاعوا تثبيت

مركزهم في هذه المنطقة بسهولة ، فهل يصعب  عليهم ضرب نقود ذهبية أو فضية وهم يعلمون  علم اليقين ان النقود تعد من اهم شارات  الدولة وعنوان مجدها ، تتصل باقتصادياتها  وسياستها وتشريعها وسائر اوضاعها وعلاقاتها بالدول المجاورة ؟!

واما عن بداية ضربهم للنقود النحاسية  سنة ٥٨١ ه‍  بعد ان قويت دولتهم كما ذكر  اسماعيل (غالب) ، فقد عثر لهذه الاسرة على  نقود فضية قبل هذا التاريخ بعشر سنوات  (٥٧١ ه‍) (۲۸) علاوة على عثورنا على دينار  ضرب في مدينة قونية سنة ( ٥٧٣ ه‍) (٢٩) .

لقد امتاز بعض نقود السلاجقة في آسية  الصغرى بظهور عبارات اتخذت شعارا  السلطان الذي ضربها ، مثل (المنة لله) (۳۰)  على نقود السلاطين كيخسرو الأول ٥٨٨-٥٩٢هـ  وقلج أرسلان الرابع الذي حكم مرتين ٦٤٦-   ٦٤٧ھ و ٦٦٣- ٦٥٥ ه‍ وكيقياذ الثالث ٦٩٧-  ٧٠٧ ه‍ والعبارة( العزة لله) (۳۱) على نقود  السلطان كيكاوس بن كيخسرو اثناء حكمه  الثاني ٦٥٥-٦٥٩هـ . و (الملك لله) (۳۲) على .  نقود السلطان كيخسرو الثالث بن قلج  ارسلان ٦٦٣ - ٦٨١ه ه‍ ، و (العظمة لله) (۳۳)  على نقود السلطان مسعود الثاني ٦٨١-٦٩٧هـ

كما اقتصرت نقود السلاجقة في آسية الصغرى على التصوير الآدمي والحيواني ، ولم تصلنا نقود مصورة من سلاجقة ايران

والعراق ، وكانت رسوم هذه الحيوانات  مقصورة على التي تصطاد أو تستعمل للصيد  كالحصان والاسد والغزال (٣٤) ولم يظهر  عليها اي نوع من الحيوانات الخرافية والمركبة  كالتنين أو العنقاء أو النسر ذي الراسين  وغيرها التي ظهرت على معظم التحف والآثار  السلجوقية الاخرى المعاصرة كالمعادن والخزف  والخشب وغيرها (٣٥) ، اما الصور الآدمية  فقد ظهرت على شكل فارس يمتطي حصانا أو  شخص جالس على الطريقة الايرانية (رجلاه متقطعتان)(٣٦).

وثمة ملاحظة تعتبر قاسما مشتركا بين  كل ما نقش من خط على النقود السلجوقية سواء النوع النسخي أم الكوفي ، تلك هي  الاخطاء الاملائية والنحوية (۳۷) التي كانت نتاج  كاتب النص أو ما يسمى بالنقاش ، ولا  نستطيع أن نرد هذه الاخطاء الى السهو  بقدر ما يمكن نسبتها الى الجهل بمعرفة اصولها وطبيعتها.

لقد توصلت خلال هذه الدراسة الى  افتراض ان الفنان أو النقاش على وجه التحديد  الذي نقش هذه الكتابات على قوالب السكة  السلجوقية كان قليل الخبرة باللغة العربية  وبقواعدها ورسم حروفها وربما كان لا  يجيدها أو يجهلها تماما ، بل كان كل جهده  هو نقش النص كما هو مرسوم في نموذج خاص يسلم اليه .

واذا تركنا النقاش الى غيره من موظفي  دار النقود السلجوقية جالت في خاطرنا نقطة  اخرى هي كيف سمح المشرفون على دار  النقود باعتماد النماذج الأولى لهذه النقود  والموافقة عليها بمثل هذه الاخطاء النحوية؟  من البديهي ان ضرب آلاف القطع من نوع

واحد يحتاج أول الامر الى اعداد القوالب الخاصة بها ، واجراء تجربة مبدئية على كتاباتها ، ولن نرمي هؤلاء المشرفين بالغفلة عما ورد من اخطاء في هذه القوالب التى ضربت

بها النقود ، غير ان الافتراض الاقرب الى الصحة هو ان هيئة الموظفين في هذه الدار لم يكونوا عربا حتى يمكنتهم التحقق من هذه الاخطاء وتلافيها أو على الاقل لم يكونوا

يتقنون العربية ورسم حروفها ، والواقع ان  السلاجقة لم يقدروا على تعلم القراءة والكتابة.  العربية حتى حكمهم في ايران مائة عام (۳۸) ،  حيث كانوا يستخدمون مترجمين يحسنون  اللغة العربية والتركية (۳۹) وربما كانت  النقود العباسية بأنواعها التي ضربت في اقاليم اخرى غير سلجوقية معاصرة لهذه  الفترة أو قبلها أو بعدها ( ٤٠) ربما كانت  هذه وما عليها من نقوش متقنة دليلا قويا  يؤكد ما وصلنا اليه من افتراض بشأن النقود

السلجوقية ، فنقود العباسيين قد ضربت  بقوالب نقشت عليها كتابات بمعرفة خبير  باللغة العربية بدليل انه لم يظهر عليها أي  خطأ نحوى أو حرفي ، وهي في هذا قد ضربت  قطعا تحت اشراف الخلافة أو وزرائها أو قضاتها أو أشهر كتابها (٤١).

واخيرا وليس آخرا ان معظم النقود  الاسلامية عامة والسلجوقية خاصة التي  وصلتنا كانت مثقوبة من الجانب ، وذلك كي  يسهل تعليقها على صدور الأولاد أو رؤوسهم  لاحتوائها على بعض الآيات القرآنية، وكثيرا  ما تستخدمها النساء حلية لهن ، وهو ما أكده  الرحالة نيبور بقوله وتكثر النقود العربية  القديمة في بلاد المشرق ، ذلك لان العادة  الشائعة في هذه البلاد أن يحلي الآباء أولادهم  بقطع كثيرة من هذه النقود أو يعلقونها في  اعناقهم والمسلمون يحبذون استعمال هذه  النقود حلية يلبسونها لأنها تحتوى على آيات  من القرآن الكريم حالما لا يوجد على النقود  الحديثة من الكتابات غير اسم السلطان ولقبه) (٤٢) .

اشترك في نشرتنا البريدية