الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

نظرة فى رواية "عائشة " وشخصياتها

Share

إن الرواية ذلك النوع الملحمي الكبير ، ذلك التصوير الحكائى للكلية الاجتماعية . هي القطب المقابل لملحمة العصور القديمة ونقيضها الجذرى . فالشكل الكبير الاول للتصوير الملحمي للمجتمع باسره ، أى الملحمة الهوميرية التى تعكس الى حد كبير الوحدة البدائية للرابطة العشيرية باعتبارها مضمونا اجتماعيا حيا مولدا للاشكال تقع فى احد قطبي الشعر الملحمي الكبير . بينما يشغل القطب الآخر الشكل النموذجى لآخر مجتمع طبقى : الرأس مالية . وهذه المقابلة تتيح لنا أن نكشف على أحلى نحو وأوثقه قوانين الشكل الروائى ، اذ بفضل هذه المقابلة تحديدا تبرز الى النور المشكلات الاجتماعية الفاصلة التى حددت شكل كل من الملحمة والرواية . وتتحرر من كل الالتباس الذى يحيط بها فى شتى الاشكال الوسيطة والاعمال الادبية الهجينة أى فى " الرواية " القديمة والملاحم الحديثة)  1 ) .

ف " عائشه هذه الرواية الطريفة للبشير بن سلامه والتى تقوم أساسا على السرد تعتبر رواية لها ملامحها المميزة التى تختلف عن سمات أغلب روايات الكتاب التونسيين المعاصرين لابن سلامه اذ كان نزوع هؤلاء الكتاب منصبا على الحداثة فى ميدان كتابة الرواية واعنى بهم كتاب السبعينات الى اليوم على أن الروائى البشير بن سلامه لم يذكر لنا تاريخ شروعه فى كتابة هذه الرواية الضخمة الرباعية ولذا نحن مضطرون الى اعتبار تاريخ الطبع وهو سنة 1982 هو الاساس أى رغم حداثة هذه الرواية فانها تعتبر فى نظري رواية

كلاسيكية فى منحاها الكتابي . وليس ذلك بعيب اذ لكل كاتب منهج يتوخاه ويسلكه يعجبه فيعبر من خلاله عن خلجات نفسه ورؤيته باللون الذي يختاره قصة أو رواية أو مسرحية .

بدأ الكاتب بحلقة فتحها فى أول الرواية وقفل الحلقة فى نهايتها وهى تذكر على يوم موت " عائشه " رفيقة صباه وما عانته الا انه يبدأ القصة من الاول يبدؤها من لحظة ثورة أبيها وهو فى القرية على حياة السوائم التى يعيشها القرويون انذاك وتخطيطة للفرار الى تونس ليعيش حياة أفضل مثل عمه الذي تبول على القرويين الجالسين قرب الحائط وهو يقول عنهم انهم - قواسي - .

وزمن هذه الرواية ممتد ومتسلسل يبدأ من أوائل القرن العشرين وينتهى بعد الحرب العالمية الثانية بسنوات . وتأخذ الرواية بتلابيب الكاتب وروايتها دائما مبنية للمجهول . فلا يستطيع التخلص منها فيروى لنا كل شئ .

رواية " عائشه  " اذا أردنا أن ننظر اليها من زواياها المختلفة نستطيع أن نقول عنها إنها رواية احداث لكثرة ما تتراكم من احداث من الصفحة الاولى حتى الاخيرة رغم كثرة شخصياتها وتعددها وسنركز فى هذه الدراسة على الشخصيات عند البشير بن سلامه .

وشخصيات رواية " عائشه " نوعان شخصيات نامية تنمو وتتطور شيئا فشيئا مثل شخصية طاهر وعادل و " عائشه  "وشخصيات مكتملة غير نامية مثل شخصية الفريك مصطفى وأبى محمد والد طاهر ودوجة وغيرها .

وطرافة الشخصية الروائية تتجسم فى الشخصيات النامية التى نراها تنمو امام أعيننا وتتحول من حالة الى حالة بحكم ما تطرأ عليها من ظروف وتدخل عليها من تقلبات .

ولكن رغم ما فى الرواية من شخصيات نامية لا نشعر أن الكاتب يعنى بالتحليل النفسي لشخصياته ولكن هو تفسير بعض الاحداث والاضطرابات النفسية التى تعيشها الشخصية وقد يتدخل المؤلف في تعليقه عليها ولكن فى أماكن قليلة .

على أن الكاتب عامة سواء بن سلامه أم غيره " يعمد في رسم شخصيات قصته الى وسائل مباشرة ( الطريقة التحليلة ) واخرى غير مباشرة ( الطريقة التمثيلية ) ففي الحالة الاولى يرسم شخصياته من الخارج يشرح عواطفها وبواعثها وأفكارها وأحاسيسها ويعقب على بعض تصرفاتها ويفسر البعض الآخر . وكثيرا ما يعطينا رأيه صريحا دون ما التواء . اما فى الحالة الثانية فانه ينجح بنفسه جانبا ليتيح للشخصية لتعبر عن نفسها وتكشف عن جوهرها بأحاديثها وتصرفاتها الخاصة . وقد يعمد الى توضيح بعض صفاتها عن طريق احاديث الشخصيات الاخرى عنها وتعليقا على أعمالها ( 2 ) وابن سلامه ينحي المنحي الاول ونرى تعليق الكاتب على شخصياته من أول القصة اذ يقول عن " عائشه " :

لم يكن يتصور أن " عائشه  "الممراحة المقبلة على الحياة أملا وذكاء وفطنة ستلعب بها عواصف الدهر بمثل هذه السرعة وبهذا العنف المدمر ( 3 ) . لقد عرف أن اللذة والالم هما اللذان أسرا كل من عرفهم حوله فى صغره وشبابه وقل أن وجد للعقل مكانا كبيرا عندهم . . ( 4 ) .

على أن من أبرز الملامح التى رسم عليها الكاتب شخصياته وقد كان هو الكاتب والراوية معا . من ابرز ملامحها أنها تنغمس فى اللذة والجنس الى حدود بعيدة بماذا يمكن تعليل هذا الانغماس فى الجنس الى حد التهالك سواء الطاهر أو عادل أو " عائشه " أو دوجة أو غيرهم إن شخصياته لا تعاني كبتا بل بالعكس تعاني من الانغماس فى اللذة والجنس الى حد الشذوذ .

لعل الكاتب أراد أن يبرز النزعة الواقعية من الرواية من وراء الجنس والشذوذ الذى لاحظناه بجلاء لدى عادل أولا ثم عند طاهر في أوخر القصة . فماذا أراد أن يصور الكاتب فهل أراد أن يصور انغماس المجتمع فى ذلك الزمن فى اللذة لا أظن ذلك انما نزع الكاتب منزعا واقعيا فى روايته ومن ملامح الواقعية الجنس اذ الحياة لا تخلو من الجنس فهو عماد حياة الذكر والانثى

الا انه بلا شك هناك فارق بين الجنس الممارس طبيعيا وباعتدال وبين التهالك على الجنس .

وبقطع النظر عن الجنس اذا أردنا أن نقف عند شخوص بن سلامه نجد اثرى شخصية فى روايته هى عادل ثم طاهر ثم " عائشه  "وناصر .

عادل شخصية إنسانية تمثل طبقة كانت موجودة فى تونس هو ابن الاثرياء الذي تعلم وثار على وضعيته ولكن عوض أن تكون ثورة عادل ايجابية تتجه الى الاصلاح اصلاح ما افسده آباؤه أو على الاقل الابتعاد عن ذلك والانغماس فى الطبقات الشعبية للرفع من مستواها وتوجيهها الوجهة الثورية القويمة ضد الاستعمار كما نلاحظه فى واقع الحزب التونسى فالكثير من أبناء البرجوازية المتعلمين يتجهون الى الاحزاب السياسية ويثورون على وضعيات مشينة يعيشها الشعب التونسي وكان منهم الزعماء والقادة فى الكفاح التحريرى . الا أن  عادل ثورته كانت سلبية لانه عوض أن يتجه الوجهة الايجابية رغم ثقافته واطلاعه الواسع . لكن الكاتب يشاء له أن يكون مرفوضا من الطبقة البرجوازية التى ينتمي اليها ومن الطبقة الشعبية التى لا تثق فيه فينغمس فى اللذة والثورة على حالته ويتمنى  أن يدك القصر بأهله فيقول :

" أنا يا طاهر ضحية المجتمع الذي أضاع قيمه الانسانية ولم يقدر على الايمان بقيم هؤلاء القوم الاجانب الذين يحكمون اليوم . أنا غير قادر على أن أحب كما يحب اجداد ى ولا أن أومن ايمانهم ولا أن أجاهد سياسيا جهادهم ولا أكون أديبا مثلهم أنا الذبذبة بعينها والخذلان المجسم ( 5 ) على أن الشخصية السلبية ذات قيمة وثراء فى القصة تفوق الشخصية الايجابية ,

اذن شخصية عادل غير سوية منحرفة شاذة حتى عن القاعدة والواقع . لذا أشعر شخصيا أنها متكلفة وأن الكاتب تدخل بقوة وشكلها على هيئة لا  نقبلها بيسر وسهولة خصوصا تلك النهاية اذ يخرج من كل ثروته الطائلة  ويدخل السجن فى آخر الامر .

وتعليلى أن الكاتب مسكون بالواقعية ويريد أن يجعل الاشياء قاتمة سوداء لهذا رسم هذه الشخصية هذا الرسم الذى لا يقبله القارىء والناقد بيسر

وسهولة . خصوصا وقد عرفنا أمثاله فى المجتمع التونسى كان لهم مسار غير هذا المسار ففي ثقافتهم ما يحميهم من الوقوع فيما وقع فيه عادل من افلاس وثورة سلبية نظرا لوعيهم .

أما طاهر فهو شخصية غريبة هى الاخرى فهو نموذج بشرى قروى عمل على الانتقال الى العاصمة والانخراط فى الدراسة بجامع الزيتونة ولكنا لا نشعر انه يرمى الى تثقيف نفسه والخروج من حالة الجهل الى المعرفة ولكن الفكرة التى كانت لا تخلو من السيطرة عليه فهي الحصول على شهادة تحميه من الانخراط في الجيش الفرنسي وخصوصا طموحه الى العيش عيشا محترما يختلف عن حياة البؤس التى يعيشها القرويون الا أن طاهر بعد سنوات قليلة نجده يسأم هذه الدراسة فى جامع الزيتونة بدون تعليل ويطمح الى العمل فى شركة الترامواى ويسعى الى احد أقاربه ليقرضه مالا يدفعه رشوة للحصول على عمل بالشركة المذكورة .

ولا نجد في الرواية تعليلا مقنعا لهذا الانقلاب الذي يطرأ على طاهر . إن كان ما يعانيه من عنت الفقر فهذا أمر طبيعي لكل طلبة العلم فى الجامعات الاسلامية كالزيتونة والازهر والقرويين فان الاستعمار لا يشجع على التعليم  بهذه المؤسسات العلمية رغم تخلفها فى مجال العلم فلا يتعلمون لغة اجنبية ولا علوما صحيحة ولكن مثل هذه المعاهد كانت معاقل للوطنية وللروح العربية الاسلامية التى يريد الاستعمار القضاء عليها لذا لا يجود بمنح على طلبتها ولا يتدخل فى شؤونهم انما يعارض كل مطالب الاصلاح اصلاح التعليم بها مهما كان نوعها .

اذن شظف العيش ليس مدعاة لترك جامع الزيتونة ليستعيض عنها بعمل أقل ما يقال عنه أنه يتفق ووجهة نظر أبيه . لذا فان ابى محمدا يحاول انقاذ ابنه فيحمله الى صديقه الفريك مصطفى ويقدمه اليه ومنذ تلك اللحظة تتغير حياة طاهر ويفتح فى وجهه كما يقول هو باب العرش أى باب السماء ويبدل الله حالة من حال الى حال من طالب مسكين يغالب العيش وشظفه الى ربيب القصور ومصاحب البلدية - البرجوازية - وما يتبع ذلك من حياة لم يكن يحلم بها . فأصبح يرتدى البدلة الانيقة بعد الجبة ويتألم لرفاقه القدامى كيف يعيشون فى البؤس والفقر المدقع ولم يلبث حتى انقطع عنهم فلم يعد يتردد عليهم حتى ذلك اليوم من الاسبوع الذي يذهب فيه معهم الى المبغى اذ عوضته دوجة عن ذلك وأصبحت تأتيه لفراشه ويتمتع بها ويؤنبه ضميره قليلا علي

تدنيس هذا القصر بفعله ولكنه سريعا ما ينسى ذلك ويزداد طموحا فيريد أن يتزوج من زبيدة التى أعجب بجمالها وبشخصيتها الرصينة وجمالها الهادي الفتان . ويحقق مطمحه فيتزوجها . وعاشا فى القصر عيشة أبناء القصر ولم يلبث حتى رزقا بـ " عائشه  " التى أصبحت محط انظار أهل القصر .

وبنما هما في رغد العيش وأتم سعادة اذ يحصل سوء تفاهم بين عادل وطاهر فيصفع عادل طاهر وتقوم القيامة فى القصر ولا يرى طاهر من حل الا ان يسافر الى قريته فيبقى هناك أياما ويستأذن الفريك فيأذن له . لكن فى غياب طاهر تقع زبيدة فى حبائل عادل وتمارس معه الجنس وتكرر ذلك وتحمل منه . فبغض الطرف عن صفعة طاهر ويعود طاهر من قريته ويواصل حياته فى القصر كما تعود الى أن تضع زوجته مولودها مولودا ذكرا . جميلا جدا يكتشف فيه طاهر انه ليس ابنه بل ابن عادل ومنذ ذلك الحين قرر ترك القصر وحمل زوجته معه وطلب من الفريك أن يبحث له عن عمل يعيش منه وكان ما أراد طاهر واكترى بيتا متواضعا حمل اليه أسرته الصغيرة وأصبح لا متنفس لهذه الاسرة الا باب السطح لذا سمى الفصل باب السطح .

وفي هذا الفصل الذى يبدأ من الصفحة الخامسة والتسعين نبدأ رحلتنا مع " عائشة  ".

وتتغير حياة طاهر فيبقى زوجته فى هذا البيت المتواضع ويحمل ابنته معه أينما اتجه ويقدمها الى رفاقه ويختلط بالنوادى ويكون له يوم فى الاسبوع هو يوم شرب الحشيش فيستمتع فيه بسماع الراشدية من المقهى المواجه لبيته وهو يدخن التكرورى اذ تطورت حياة طاهر وتغيرت ويغتنم فرص زيارة زبيدة الى قصر الفريك ليأخذ بعض التحف التى جلبتها معها فيبيعها وتتحمل زبيدة ذلك وتدرك أنها ثمن زيارتها الى قصر الفريك كلما اشتاقت اليهم :

ثم تأتى الحرب العالمية الثانية وتعرف الاسرة الجوع والحاجة . وكان طاهر قاسيا مع ابنه ناصر يضربه ضربا مبرحا كلما بلغه انه ترك البيت وخرج للعب فى الشارع فيعامله معاملة غير الوالد ويحب طاهر سكيلة ويعمل على الزواج بها ويتحقق له ذلك حين يعين بعيد الحرب العالمية نائبا لادارة المال بقريته فيكترى دارا عتيقة ويجعل احد حجراتها له ولزوجته الجديدة سكيلة ويهجر زبيده فى حجرة اخرى مع ابنائها.

وتتزوج " عائشه " وتكون المصيبة التى تنزل على رأس زوجها وأبيها عند اكتشاف انها مفتضة فتتغير حياة طاهر مرة أخرى ويترك أهل الدار ويتخذ لنفسه غلاما يعاشره ويهجر أسرته . ويقتر عليهم فى الانفاق من ماله وينفصل كل ما كان يربط بينهم .

تلك هى شخصية طاهر وكيف تطورت من القرية الى المدينة الى القصر الى الحي الشعبى الى القرية من جديد  وهكذا من الزيتونة الى القصر ومن القصر الى الانحراف والتكرورى وتعدد الزوجات والتعرف على أوساط الفن الى الشذوذ أخيرا .

شخصية طاهر شخصية رئيسية أخذت أكثر من نصف صفحات الرواية الى حد يجعل القارئ يتساءل لماذا لم يسمح الكاتب هذا الجزء باسمه - طاهر - ولكن ربما رأى أن تسمية الاجزاء الاخرى القادمة على وعادل وناصر يكون من الاوفق أن يسمى أحد الاجزاء باسم مؤنث " عانشه " ولو أن " عائشه  "فى الحقيقة احتلت قسما كبيرا من الجزء الاول المعنون بـ " عائشه  ".

وينتقل الى شخصية أخرى هى شخصية ناصر كما بدت في هذا الجزء . فهو ابن زنا حملت به زبيدة سفاحا من عادل عندما كان زوجها طاهر متغيبا فى قريته بعد الخصام الذى شب بينه وبين عادل ويصر عادل على الانتقام من طاهر فتحاول زبيده أن تثنيه عن هذا العزم ولكنها تقع فى شراكه أو لعلها كانت تميل اليه من حيث لا تشعر فتستسلم له بكل يسر وسهولة وتكرر معه ممارسة الجنس وتعجب بطريقته فى ذلك وتتجاوب معه أكثر مما تتجاوب مع زوجها طاهر ولما تضع زبيده مولودها الجميل الطلعة يكتشف طاهر انه ابن عادل ويكن له حقدا وكراهية كبيرين ويعامله معاملة قاسية ويضربه ضربا مبرحا ويهمله حتى فى دراسته ولما يكبر يسجن فى قضية أخلاقية وتنتقل الاسرة الى القرية تاركة ناصر فى السجن وقد تخلص منه طاهر ولكن لا يلبث حتى يطلق سراحه بعد قضاء المدة المحكوم عليه بها فيلتحق بهم في القرية ومنع طاهر زوجته سكيلة من مكالمة ناصر أو الحديث معه ويهددها بالطلاق إن هى فعلت لمعرفته أخلاقه السيئة وانه لا يتورع عن أى شئ . ولكن الفتى يكتشف فى احدى الليالى مفاتن زوجة أبيه ويقر قراره على أن ينال منها أربه انتقاما لأمه من هذه المرأة التى ازاحتها وانتقاما من أبيه ويفاجئها احدى المرات فيختبئ فى حجرتها وينال منها مبتغاه وقد مهد لذلك مرات بأن يكشف لها

عن قضيبه . وتغرم سكيله بناصر وتنال معه امتع لحظات اللذة فى كل ليلة وهي تتظاهر بانها تقضى الليل فى تطريز الثياب الى أن يشك طاهر فى الامر فيطرد ابنه من داره فيكترى لنفسه دكانا فى القرية ويستقر به .

أما " عائشه " الشخصية الرئيسية والتى سمى هذا الجزء من الرباعية باسمها فهي فتاة مهذبة هادئة الطباع ذات تربية عالية ولدت فى قصر الفريك مصطفى وهناك نشأت وترعرعت ثم انتقلت مع الاسرة الى البيت الصغير بالحى الشعبى نهج الباشا وكان أبوها يحبها حبا مفرطا ويأخذها معه الى النوادى والمسارح ولكنه لم يدخلها الى المدرسة ولم تنل حظا من التعليم أو الثقافة وعندما تنتقل الاسرة بعيد الحرب العالمية الثانية الى القرية ويتزوج أبوها سليكه يستهويها سالم ابن زوجة أبيها بقصصه الغرامية التى يجمعها من ألف ليلة وليلة وغيرها من الكتب يقرؤها عليها فى الجنان فأثار مكامن اللذة فى نفسها وفى الصيف يخرج مع النسوة الى البحر يصاحب شيخا لحراستهن وفي احدى تلك الليالي يمد سالم يده وهى واقفة بجانبه ويلمس منها أماكن حساسة تثير فيها اللذة فتبقى مأخوذة لا تبتعد وتقضى ليلتها تفكر فى تلك الاحاسيس التى ثم تعرفها من قبل ثم تتوطد العلاقة بينهما وتغرم به فيضاجعها ويفتض بكارتها ثم يروم الزواج منها فترفض أمه عندها ينخرط فى الجيش الفرنسى ويترك القرية . وتكتم " عائشه " سرها وتنطوى على نفسها لا تبوح به لاحد وتواصل حياتها فى القرية الى أن تخطب الى احد أقارب أبيها وهو ضابط صغير فى الجيش الفرنسى وهو خالد . وتفرح أمها وأهل البيت ولا ترفضه هى فهى تشعر كأنها الشاة المسوقة الى الذبح فماذا سيكون مصيرها عندما يكتشف انها مفتضة انها الفضيحة والكارثة ولكنها تتركهم يفعلون بها ما يشاءون من حمام وحناء وغيرها من ضروب التهيئة للعرس وهي فى حزن واستسلام ويحمل الزوج الهدايا وتزف العروس الى زوجها ولكنه يمهلها ثلاثة أيام فيخالف بذلك تقاليد قريته ولكن بعد ثلاثة أيام يكتشف انها غير عذراء وتعترف له بأن الذى فعل بها ذلك سالم ابن زوجة أبيها . فيتألم الزوج لذلك ويجتمع بأبيها ويعلمه بأمر ابنته ويقرر العودة الى الثكنة وهناك يبحث عن سالم حتى يجده فيشبعه ضربا ويتوسط لارساله الى الفيتنام فيموت هناك . أما الزوج فيصاب بشلل ويضطرب لسانه وتبقى " عائشه بجانبه تداويه ولكنه يموت وتصاب بمرض عصبى فتحمل الى تونس وتداوى من علتها ثم تعود الى بيت أبيها وتبقى هناك الى أن يخطبها عجوز فى السبعين وهو المكنز فتوافق على الزواج منه وتنتقل الى بيت العجوز ولكن لهذا الشيخ ابن أخ هو

الازهر يعطف عليها ويشفق على حالها فيأتي لمحادثتها وتسليتها وينقلب العطف والاشفاق الى علاقة جنسية ويغدو عشيقا لها تعطيه كل جسدها بينما زوجها منغمس في لعب الورق بأنواعه . ولكن الازهر يعترف لها بأنه متألم لانها مارست معه الجنس وهى زوجة عمه وانه نادم لانه نال منها ما نال منذ سنوات .

" اعلمي يا حبيبتى أنى اليوم أشد أسى وحزنا ومكآبة مما كنت رغم أنى ظفرت بحبك وأكثر من ذلك بجسدك ولكنى أكون أسعد وأكثر شعورا بالكرامة والمروءة لو صدمتنى وصدتنى عنك واحتقرتني " ( 6 ) .

فجابته : " انا لم اعد الا جسدا فقط لقد قتلوا فى كل احساس بالكرامة والمروءة فأنا لا أكذبك عندما أقول لك أنى غير قادرة على أن احبك وهل علمنى هذا المجتمع الحب ، انه لم يعلمني الا السفالة واللؤم والجرى وراء الشهوات " ( 7 ) .

وفي احدى الليالى الخريفية بعد أن مارست الجنس مع الازهر فى البستان نسيت شملتها ولما ارادت العودة لاخذها سمعت صراخا فجرت وأهل البيت الى مكان الصوت فوجدت الجمل قد عضو الازهر فى يده اليمني بينما كان حاملا للشملة بيده اليسرى وقطعت يد الازهر وأصيبت " عائشه من ليلتها بمرض صدرى توفيت على أثره ودفنت هي وابنة أختها فى قبر واحد .

رأينا فى الحوار الذى دار بينها وبين الازهر أنها تحمل المجتمع ما وصلت اليه من انحدار أخلاقى وانغماس فى الرذيلة وكان المؤلف يحمل المجتمع ذلك كما رأيناه يفعل ذلك مع عادل .

ورأينا ان الشخصيات وإن اختلفت ملامحها الا أن هناك صفة مشتركة بينها جميعا وهو هذا الانغماس فى الجنس وإن حاول المؤلف أن يحمل المجتمع تبعه . ذلك الا أننا لم نفهم كيف ولم نجد تعليلا لذلك وشخصياته لا تثير قضايا ولا تعالج مشاكل اجتماعية وهي كلها نماذج انسانية زائفة الا شخصية عادل فهي نموذج بشرى بحق يمثل طبقة البرجوازية المنحلة .

وكما يقول الدكتور محمد يوسف نحم حول الشخوص : " الشخصيات  الانسانية ( الافراد ) والنماذج البشرية فالشخصيات الانسانية لها مشخصاتها الدقيقة وخصائصها المميزة وقسماتها الفارقة وبهذا تختلف عن سواها من الشخصيات . أما النماذج البشرية فهى تجسيم مثالي لسجية من السجايا أو لنقيصة من النقائص أو لطبقة أو لمجموعة خاصة من الناس وهو يحتوى جميع صفاتها وخصائصها الاساسية " ( 8 ) .

واعجابنا او عدم اعجابنا براوية الاستاذ البشير بن سلامه أو غيره تعود اساسا الى ما تدور حولها من أفكار ومدى نجاحها فى تصوير الواقع الذى نحب ان يكون الكاتب صادقا أمينا فى نقله .

ونحن معجبون بروايته ولكن الاعجاب لا يتأتى من نقل الواقع فقط فهناك النواحي الفنية التى قد ينجح الكاتب فى حبكها وقد يخفق فى هذه الناحية الفنية . والواقع الذى نطمح فى أن يرسمه الكاتب ليس هو الواقع المعاش بل هو الواقع الفنى وصورته الفنية الخاصة .

وقد كان الروائى البشير بن سلامه ناجحا فنيا أكثر مما هو ناجح واقعيا رغم النزعة الواقعية المتغلبة عليه والتى دفعته الى بعض المبالغات وقد تعرضت فى هذه الدراسة الى أهم شخصياته التى تقوم عليها الرواية وتدور حولها وكما قلت فى أول هذه الدراسة فان الكاتب لم يكن يعنى بالناحية التحليلية النفسية لشخصياته انما كان يرسمها من الخارج ويروى كل شئ عنها .

وهناك ناحية مهمة فى رواية " عائشه وهى لغتها وهى تحتاج الى دراسة منفردة اذ يتميز الكاتب بلغة خاصة تختلف كليا عن معاصرية من كتاب الرواية وان شابهت طريقة البشير خريف فى لغته ويكفى دليلا على طرافة هذه اللغة أن الكاتب جعل في نهايتها فهرسا للالفاظ الواردة فيها باللهجة التونسية . وللغة القصة أو الرواية أهمية كبرى اذ بواسطتها يرسم لنا الكاتب ما يريد إبلاغه .

اشترك في نشرتنا البريدية