الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "المنهل"

نظرة فى كتاب، تاريخ العين العزيزية بجدة

Share

كانت جزيرة العرب مروجا وأنهارا : وستعود !

كانت : اما بسبب تداول الخصب والجفاف ، بين القارات ، على تطاول الحقب . . وهذا قول . .

واما بسبب التقدم العمرانى البصير . . وهذا قول . .

ولئن كان قول هؤلاء ، أو قول اولئك ، هو المقدم . . فما يجحد ذو علم أن جزيرة العرب ، كانت في ماضيها مروجا وانهارا ، وما يجحد ذو ايمان انها ستعود . . بهذا أنبأنا الصادق الامين رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وفي اعتقادى أن جزيرة العرب عمها الخصب بنضرة وامراع مرتين . . والثالثة آن أوانها .

١ - مرة حين كانت معطيات الثلوج مغدقة في ربوعها ، قبل ان تنقلها دورات الفلك السحيقة الى الغرب .

١ - ومرة بيد التقدم العمرانى . . لأن العلم والعمل والايمان والامن ، أجنحة الحضارة الصاعدة :

الاوطان بها تخصب وتزدهر وتتحد وتقوى .

والعمران بها يربو ويتعالى ويمتد .

والجزيرة العربية حين كانت غنية بالعلم والعمل والايمان والامن . . أقامت السدود وحجزت السيول ، وأجرت العيون والانهار. فشملها الخصب ، وازدهرت بها المروج وترعرعت وازدحم العمران وامتد في طولها والعرض ، وقدر فيها السير بالاميال والفراسخ . . حتى صافح البلاد التى باركها الله عز وجل بالانبياء . . بلاد الشام ، وحتى استحقوا أن يتوجهم الله بقوله :

(( وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها قرى ظاهرة ، وقدرنا فيها السير : سيروا فيها ليالى وأياما آمنين . . ))

وحين افتقرت من العلم والعمل والايمان والامن ، مزقها الجهل أيدى سبأ ، وانتابها التوانى والاعمال . بالاعسار والمحن والفتن وسوء التفاهم حتى التوت عليها لقمة العيش وعسرت وخشنت ، وتعطلت وسائل حبس الماء ، وصردت جرعاته ، فساد الجدب وعم الخراب ، وطغى الظلام والكفر ، واستبيحت الدماء والاموال ، حتى استحقت ان يقول الله فيها :

(( فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم ، وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أكل خمط وأثل وشىء من سدر قليل ، ذلك جزيناهم بها كفروا وهل نجازى الا الكفور . ))

اذن فحصر الخصب والجدب في غزارة الماء ، أو نضوبه ، هو جهل بالواقع : ما دامت يد العلم تجمع الماء القليل فيصبح كثيرا ، ويد الجهل تبدد الماء الكثير فيصبح قليلا . .

واكبر شاهد جزيرتنا العربية فقد كانت الى أيام قريبة جدا ، اذا تنقل المسافر بين مدنها فليس له من ماء وزاد وأمن الا ما

يحمله في راويته وجرابه وسلاحه .

وهذه كانت حال بلادنا قبل ان نسعفها عناية الله ، وتسعدها بشمول التوفيق ، في نهضة صقر الجزيرة العربية الملك البطل اليقظ عبد العزيز آل سعود رحمه الله .

أما كانت ممزقة أوزاعا ، وظمأى ماحلة، لا ماء بها ولا نبات الا ما كان ينزح من بقايا ما تمسكه من امطارها لامساك الرمق .

والآن بعزائم البطل الخالد ، وابنه الملك الساهر اليقظان ، واخوته الصيد ، طلعت بشائر النبوة بأضوائها الغامرة ، فقد اخذت هذه الجزيرة العربية تعود مروجا وأنهارا يوما فيوما . .

وقل لطلاب يقين العلم ، أنتم بين حالين : -

فان كنتم من ذوى اليسار والفرص المؤاتية فطيروا الى السعودية ، وشاهدوا ما جد من معالم النهضة الفتية بأعينكم .

وان كنتم من ذوى الاعسار ، فطالعوا مؤلف (( تاريخ العين العزيزية )) . وما يكتبه الكاتبون فانكم تحصون كل ذلك مشاهدة !! ولا تعجبوا اذا قلت مشاهدة ، فان الكمرة كائن بعيد عن ادراك النظر . .

وهذا مؤلف ((تاريخ العين العزيزية بجدة)) يقدم لكم (( جدة )) مثلا مشاهدا في حالتيها: ظامئة من قبل جلب الماء اليها ، وريا من بعد . . فيقول في حال ظمئها ص ١٤ :

كثير من الأحياء المعاصرين من أدركوا ما كان عليه هذا البلد .

فقد كان صغير الحجم محصورا في نطاق سوره (( المتداعى )) القديم . . الذى يحجز الهواء ويحول بينه وبين النسمات العذاب

. . ويحصر الرطوبة الهابطة من الجو . والزاحفة عليه من البحر الأحمر - في منازله وشوارعه ، حتى أن المرء ليتبرم من هذه الرطوبة ، ومع صغر البلد ، فقد كان يعانى من استحكام أزمة الماء ، قبل انجاز مشروع العين .

ولقد كان الناس قلقين حيال مصيرهم بالنسبة لهذه الازمة الخانقة ، فالامطار التى تملا صهاريجهم قد نضبت والكنداسة التى تقطر لهم ما قل من الماء العذب قد خربت وتعطلت . ثم يذكر مؤرخ العين أن الناس قد اضطروا أن يجلبوا الماء من مكة الى جدة في ذلك الوقت .

ويستشهد بقصيدة فكاهية مرحة ، تصور الواقع المحزن الذى كانت عليه جدة ، تصويرا ناطقا ضاحكا من نظم الاديب محمد سعيد العتيبى :

يا ذوى الرأى والحجى والكياسه

خلصونا من دوشة الكنداسه

كلكم تأخذون - بالدس - ماءا

  ويجينا البلاء    من أجل كاسه

لو عطشتم كما عطشنا زعقتم

   وهرجتم  بشدة  وحماسه

رحمة بالفقير فهو ضعيف

   بهدل  الفقر  عقله وحواسه

يشترى  الماء  زفة  بريال

   بعد  أن  باع  قشه  ونحاسه

ويقول في حال ريها وتقدمها الحديث ص٩ :

(( فان مدينة جدة الرحبة الارجاء . . ذات الحدائق الغناء ، والميادين النضرة الفيحاء ، وذات الشوارع المسفلتة المزدانة بأضواء

الكهرباء ، وذات العمارات السكنية الشامخة الشبيهة بالمدن الصغيرة ، والدارات - الفلات - المكيفة الهواء المنسقة ، العصرية الطراز . تقوم على أطراف الشوارع المشجرة، كالعرائس ال حسناء ، وذات المعارض المتوهجة بأنوار (( النيون )) الملون الرائع الجذاب هذه المدينة الكبيرة اليوم والصغيرة بالامس القريب . . هى فى واقعها الحاضر الزاهر مدينة فى نموها ، وفى تطورها - بعد الله تعالى للملك المغفور له عبد العزيز آل سعود الذى وهبها هذا الكيان المرموق المشرق ، وأخرجها من هوة القلق الى ميادين البهجة والحبور والسعادة والاطمئنان . وذلك حينما وهبها العين العزيزية التى أدخلت اليها روح الحياة وانقذتها من حرمان مزمن مرير . من الماء العذب النمير، شريان الحياة ، ومصدر النمو والازدهار والجمال .

مدينة جدة الحديثة اذن هى هبة العين العزيزية . والعين العزيزية هبة الملك الراحل الى الامة الاسلامية والى وطنه وشعبه الوفى الأمين . والملك الراحل هبة الانعام الالهى لهذه البلاد ، لكى يجتمع شملها بعد تفرق ، ولكى تتحد بعد تمزق ، ولكى تتحدد بعد تداع )) .

فمن هذين المنظرين المتباينين ، تلمس بالخمس مدى الاصلاح الصاعد الذى حققه الملك الراحل ، والملك الحالى واخوته الناهضون الاماجد : من عمران وثقافة وأمن ومودة ووئام وازدهار وشوكة وعزلة لهذه البلاد .

وقليل حقا على ما قدموا ويقدمون من كل ذلك ، أن يطلق عليها في المصطلحات الحديثة : (( البلاد السعودية )) .

وأن يفاخر باعتبار كل مواطن أصيل من

ابنائها ، بانه سعودى كريم شجاع ، يفتدى الدولة والوطن بالمال والنفس .

وهناك جوانب شتى من الخصب ، لها أمجادها ، وتاريخها الحديث ، وهى جد مفتقرة الى كتبة ماهرين من ذوى الدراية والمعرفة وسعة الاطلاع ، والتمكن من الادب ، ليخرجوها في مثل هذه الروعة والمعرفة والجدة والبيان الذى أخرجت به مؤلفها (( ادارة العين العزيزية بجدة )) .

لتكون لشعبهم وللناس جميعا ، نبراس ايمان وهداية ، وبناء أخلاق ومكارم ، وباعث بطولات وتضحيات ، وتخطيط أعمال بما أوحى الله للتقدم المطرد من آيات بينات .

وقصر الكتابة والتأليف فى مثل هذه الامجاد الخالدة تشيع في أنفس شبابنا نزعات الخلود والاستقامة والطموح الذى هو مطلب تضحيات البشر الاحياء وأمجادهم . .

ذلك لان الايام والليالى لن تخلد البشر الاموات الذين يمرون بالدنيا ، وهم احلاس نزوات ، وعشراء غواة . . نفقاتهم قاصرة على أجسادهم ، وانما تخلد المغامرين الاحياء ذوى المروءة والشرف والعناية والنهوض بأمتهم .

لذلك سيظل الكتاب والمؤرخون يتابعون الكتابة حول اعمال الملك الراحل ما وسعهم البيان ، واسعفهم الحظ المواتى .

وقل مفاخرا : ان الاعمال التاريخية الكبرى التى صنعها الملك الراحل بكلتا يديه فى جزيرة العرب . . لم يحملها زورق كزورق الخليفة ابن المعتز .

صنعه من الفضة ، وحمولته من العنبر ، بل طراد عظيم يشق عباب الازمان شقا

وصنعه من عبقريات الخلود ، وحمولته من الايمان العميق المركز ، والفكر النير المتقد، والاخلاق العالية البناءة ،

ولئن كان التاريخ يرفع الى محرابه الخالدين الذين يشيدون صروح الحضارة والايمان والعلم في أوطانهم .

فان الملك الراحل سيظل أبدا قمة أمجاد مزدهرة لهذه الامة ولا فخر . .

وانى لا أزال أذكر كلمة خالدة قالها الزعيم الهندى ، حين زار مصر ، وسأله عن أحسن شىء رآه .. فأجاب بحماسة واكبار : رأيت النيل وطلعت حرب . .

وانى لو سئلت مثل هذا السؤال عن أحسن ما رأيته في جزيرتنا العربية . . لأجبت بمثل هاتيك الحماسة والاكبار .

(( الملك الراحل عبد العزيز آل سعود ))

١ - رأيته في شخص ابنه الملك الحالى العبقرى (( فيصل )) وفي اشخاص اخوته طلائع النهضة الحديثة .

٢ - ورأيته في وثبتها الزراعيةوالصناعية والثقافية . .

٣ - ورأيته - قبل كل شىء من صدق اسلامه العملى ، واقامته للحدود المشروعة وأخذه الصارم المقتدر لأعداء الله ، ولكل من يحاول العبث والافساد والانحراف . .

ومن أراد التعرف الى هذه الحقائق بتوسعة ، فليعد الى الكتاب الذى أخرجته ادارة العين العزيزية . . وبالحرى في أرقام الصفحات المدونة .

في فهرس الاعلام حول اسم عبد العزيز : (( ٥٠،٤٧،٣٧،٢٠،١٧،١٠،٩ ، ١٢٢،١٢٠،٧٧،٧٣،٦٧،٥٥ ،

١٣٨،١٣٣،١٣٠،١٢٨،١٢٦،١٢٤، ٢٢٧،١٩٨،١٨٥،١٨٢،١٦٩،١٤٠، ٢٣٤،٣٣٣،٣١١،٢٩٦،٢٨١،٢٦٩ ،  ٤٤٣)) .

ومهما يكن فهذا نموذج قبسته من موضوعات هذا الكتاب الموفق ، أعرضه على المطالعين ليحفزهم الى اقتنائه واستيعاب دراسته لكى ينتشوا بدقة البحث وتمحيص الحقائق ، وعمق الاستقصاء ، وتلوينها بريشة الفن السحرية ، في رسوم ناطقة شاهدة بالامانة العلمية وتحرى الصدق . .

أما ما لمسته في منظره الخارجى من روعة وابداع فنى طريف . . فيكفى أن أذكر المطالعين انهم يشاهدون في كل يوم أجد ما تخرجه المؤسسات العلمية والشركات الكبرى في أمريكا واوربا ، من مؤلفات قيمة مبتكرة .

وهؤلاء ، الآن يشاهدون كتاب (( تاريخ العين العزيزية بجدة ))  الذى أخرجته ادارتها . . فهل في نظرهم يقل عن هاتيك المؤلفات الغربية الحديثة تنسيقا ، وتنميقا وتبويبا ، وسهولة جذابة وفهارس موضوعات

وأعلام وأماكن ومراجع . .

وأمسك القلم عما وراء المجرة من بدائع الصنع ، وغمر الاشراق مما لا يزال بكرا ، عن هذا المؤلف البكر . .

واذا أنا لم أحكم بتفوق كتاب اداره العين العزيزية بجدة خشية ان يظن ذلك من سقطات نعرة العصبية الوطنية ، فان سواى من النقاد الاجانب ، اذا قارنوا بينه وبين ما يصدر لديهم ، بنزاهة وأمانة وصدق فحتما يحكمون .

وانه لا يسعنى بعد القيام بكل هاتيك المنجزات التقدمية العظيمة ، الا أن أزهو واعتز برجالها الملتزمين ، بما التزم به نفس المؤسس الاول . . وعلى رأسهم جلالة الملك فيصل .

وانى اهتف على كل بقاع (( آن أوان أن تعود جزيرة العرب مروجا وانهارا )) .

ولا يسعنى قبل أن اطوى الصحيفة الا أن أكبر الشيخ عثمان باعثمان الذى هو أبر منتخب لأبر منتخب ، للنهوض بهذه الوقفية الى القمة . رحمه الله .

اشترك في نشرتنا البريدية