كل المسائل التى درسها ابن خلدون فى مقدمته تتعلق بالعمران البشرى بنوعيه البدوى والحضرى . ودراسة العمران جملة تتعلق بدورها بحقيقة التاريخ فى نظر ابن خلدون . فالتاريخ يشمل ، زيادة على التاريخ السياسى ( اى ما بتصل بالملوك والعصبيات المتغلبة ... ) يشمل وصف وجوه العمران فى البلاد . نجد من بين هذه الوجوه الناحية الاقتصادية . والمفكر التونسى يعلق اهمية شديدة على هذه الناحية ويعتبرها اساسية فى سير التاريخ والحضارة البشرية بصفة عامة .
وتوضيح نظرية ابن خلدون فى الاقتصاد يتطلب التعريف باوجه الارتزاق المختلفة وبيان علاقتها بكل نوع من انواع العمران واظهار الصلة بين مصير الاقتصاد ومصير الحضارة .
أوجه الارتزاق :
يحصر ابن خلدون وسائل المعاش فى اربعة وجوه هى (( الامارة والفلاحة والتجارة والصناعة ))
وهو يعتبر الامارة من اوجه الارتزاق لانها تتمثل فى الجباية وهى حسب تعريفه (( الاخذ من يد الغير وانتزاعه والاقتدار عليه يقانون متعارف )) لذلك لا يعتبرها وسيلة طبيعية للمعاش . وهذا التعريف لا يتعلق الا بمفهوم الجباية فى عصره لان الاموال العائدة للامير من الضرائب كانت تصرف فى حاجيات القصر ومرتبات الوزراء فقط . اما اليوم فقد اصبح متعلقا بضروريات الشعب .
اما الوجه الثانى وهو الفلاحة فله ثلاثة انواع : صيد الحيوان الوحشى وكذلك صيد الاسماك وتربية الحيوان الاهلى من بقر للاستفادة من لبنه ولحمه وانعام للاستفادة بصوفها ودودة الحرير وغير ذلك . والنوع الثالث من انواع
الفلاحة هو القيام على النبات والزرع والشجر وخدمة الارض لاستخراج خيراتها ، وابن خلدون يعتبر الفلاحة وجها طبيعيا للارتزاق لان فيها بذل مجهود وعملا متواصلا .
اما الوجه الثالث فهو يتمثل فى الصناعة وهى من الاعمال الانسانية ويقسمها ابن خلدون الى قسمين : الصناعة فى مواد معينة كالنجارة والجزارة والخياطة والحياكة وغيرها والصناعة فى مواد غير معينة وهى جميع الحرف والتصرفات كالصنائع الدينية ( القضاء والفتيا والامامة والخطابة والآذان ) وكذلك التدريس للعلوم يعتبره ابن خلدون صناعة واذا شئنا ان نقسم هذه الصنائع تقسيما آخر امكن لنا ان نجعلها قسمين : صنائع يدوية وهو نوع بسيط من المعاش لا يتعلق الا بضروريات العيش وصنائع عقلية وهى خدمة الدين والتدريس والغناء وقول الشعر الذى يدر مالا . وهذا النوع الثانى مركب يتعلق بكمالات العيش وهو لا يزدهر الا فى الامم المتحضرة .
الوجه الاخير من اوجه الارتزاق يتمثل فى التجارة وهى الكسب من البضائع بالتقلب بها فى البلاد وهو متصل بالصناعات وتقدمها ويحتاج الى اخلاق معينة .
الصلة بين الاقتصاد والحضارة :
يعتبر ابن خلدون الفلاحة مذهبا طبيعيا فطريا قديما .
وبما ان العمران البدوى اقدم من العمران الحضرى فهى تتصل به خاصة . وهى فطرية لانها حسب هذا المؤرخ التونسى ((لا تصرف فيها الافكار)) اذن هى فى نظره لا تحتاج الى علم لذلك ربطها باعمال البدو . والواقع ان هذه الفكرة لم تعد صالحة اليوم لانها تبحث فى نوع من الفلاحة بدائى . فاليوم كل شىء يحتاج الى العلم حتى اقدم وجوه الفلاحة وهو الرعى . وابن خلدون يعتبر ان هذا النوع من المعاش لا ينتحله الحضر لانهم مترفون ولان هذه المهنة غير شريفة فصاحبها خاضع للجباية . كذلك هذه الملاحظة نعتبرها اليوم خاطئة لان الفلاحة اصبحت من اشرف الحرف وهى التى ترفع اقتصاديات البلاد .
اما الصنائع فكل نوع من نوعيها متصل باحد نوعى العمران . فتلك الصناعات البسيطة ، المتصلة بضرورات العيش تظهر فى العمران البدوى اما الصنائع العقلية فهى تتعلق بكمالات العيش اذن بالعمران الحضرى ، يقول ابن خلدون : (( اما العمران البدوى او القليل فلا يحتاج من الصنائع الا البسيط خاصة المستعمل فى الضروريات من نجار او حداد او خياط او حائك او جزار. واذا وجدت هذه فلا توجد فيه كاملة ولا مستجادة ))
والصنف الثانى من الصنائع المركبة الكمالية المتصلة بالافكار (( ملكة فى امر عملى فكرى )) وهو يحتاج الى العلم الذى لا يتوفر الا لاهل الحضر لانهم مترفون والترف يتطلب صناعات جديدة كالتعليم للعلوم والغناء والوراقة والتجليد . كذلك الصنائع البسيطة الضرورية للمعاش توجد عند اهل الحضر ولكنها عندها اكثر اتقانا وجودة ومما يؤيد هذا الراى تعريف ابن خلدون للصناعة ، (( الصناعة ملكة فى امر عملى فكرى )) (( وهى متأخرة عن الفلاحة لانها مركبة وعلمية تصرف فيها الافكار . ولهذا لا توجد غالبا الا لاهل الحضر الذى هو متأخر عن البدو ))
اما التجارة فهى مثل الصناعة متصلة بالعمران الحضرى وذلك لاسباب متعددة . اهمها ان (( العالى من كل صنف من السلع يختص به اهل الثروة )) وأهل الثروة لا يكونون الا حضرا . وهى حسب نظرية ابن خلدون تحتاج الى بعض اخلاق لا توجد الا عند الحضر . فقد عقد المفكر التونسى فصلا يبين فيه الفرق بين البدو والحضر فى الاخلاق وقرر ان اخلاق الحضر نازلة عن اخلاق البدو . وهذه الاخلاق التى تهم التجارة تتمثل فى ممارسة الخصومات واللجاج التى تنقص من المروءة والبدوى ذو انفة ومروءة فلا يرضى بهذه الحال . يقول ابن خلدون : (( التجار اهل الغش والخلابة والفجور فى الاثمان )) وكل هذه اخلاق خاصة بالحضر . والتجارة ايضا تحتاج الى الجاه وهو لا يكون الا بالتملق لدى صاحب الجاه وهذا ما لا يفعله غير الحضرى . اذن فهى مهنة خاصة بالعمران الحضرى .
مصير الصنائع ومصير العمران :
نستنتج من التحليل السابق نتائج هامة تتعلق باتصال مصير الصنائع بمصير الحضارة البشرية . فبما ان الصنائع متصلة باهل الحضر فان البدو ابعد الناس عن الصنائع . وبما ان العرب والبربر اعرق الاقوام فى البداوة فهم ابعد الناس عن الصنائع . وعلى ضوء هذه النتيجة نستطيع ان نفسر تقدم العرب فى الصناعات الفكرية كالادب والشعر والتاريخ والفقه وتأخرهم فى الصناعات البدوية .
والرابطة التى توجد بين الصنائع والحضارة تتحكم حتى فى نشأتها (( فهم الناس ما لم تتمدن المدينة الضرورى من المعاش )) وهذا الضرورى يتمثل فى الفلاحة . لكن اذا حصل الترف فان الحاجة الى الكمالات تصبح ضرورة . ولكن الامر يتجاوز النشأة الى الكمال . فعندما تتمدن المدينة ويكمل العمران فان الصنائع تكمل بكماله . ثم إذا ازدهرت الحضارة ازدهار قويا فان الصنائع تزدهر ايضا وتتعدد ويصير الناس يخلقون صناعات جديدة . يقول ابن خلدون : (( وتخرج الصناعات عن الحد اذا ما كان العمران خارجا عن الحد . ))
وهذه النظرية ما تزال صالحة الى عصرنا الحاضر . فانا نلاحظ الامم المتقدمة
كثيرة الصناعات بل هى لم تتقدم الا بفضل الصناعات وتعددها واتقانها كما نلاحظ بان الدول المتخلفة تعانى النقص فى الصناعة وتستورد ضروراتها من غيرها .
وهناك ملاحظة قيمة جدا يلاحظها ابن خلدون فى الصلة بين الصناعة ونظام الحكم واستقراره السياسى (( تستحكم الصناعات فى الامصار لطول آماد دولها )) فكلما طال الاستقرار السياسى فى بلاد من البلدان كلما ثبتت الصناعات وصارت جيدة . ويضرب مثال الاندلس الذى طال امد دولتها ثمانية قرون فاستحكمت فيها الصناعة وبقيت حتى بعد سقوطها فى يد الاسبان .
وبما ان الصلة بين الصناعة والحضارة متينة تتعلق بتعددها وجودتها ومدتها فهى تنقرض بانقراضها . وفى هذه النظرية تتلخص كامل نظرية ابن خلدون فى نشاة الحضارات وسقوطها فهى لا تقوم الا على الاقتصاد والمال الذى هو
(( متردد بين الحاكم والرعية منه اليها ومنها اليه فاذا حبسه الحاكم فقدته الرعية )) واذا ما نقص المال فقد نقص الترف عند اهل الحضر واذا ما نقص الترف الموجب للصنائع نقصت الصنائع نفسها ((اذا انتقض العمران تناقص فيه الترف ورجع السكان الى الاقتصار على الضرورى)) ومن غريب الامور ان هذا التناقض يكون تدرجا كما نشأت الصنائع تدرجا ايضا من البسيط الى المركب . ويضرب ابن خلدون مثال صناعة الغناء . يقول : (( هذه الصناعة آخر ما يحصل فى العمران من الصنائع لانها كمالية فى غير وظيفة الا وظيفة الفراغ والفرح وهو ايضا اول ما ينقطع من العمران البشرى )) اذن فآخر صناعة تظهر هى اول صناعة تنقرض . ويمكن ان نعكس الامر بالنسبة للبناء . فهو اول صنائع العمران واقدمها اذ بغيره لا تستطيع ان تتمدن المدينة . وهو آخر ما ينقرض لان الآثار تبقى بعد سقوط الحضارة . وهذا الامر ما زلنا نلاحظه الى اليوم . فآثار الحضارة الرومانية ما زالت منتصبة فى بلادنا تشهد لتقدم الحضارة فى ذلك العصر كذلك الآثار الاسلامية ما زالت شاهدة بالازدهار والقوة لبعض فترات النهضة الاسلامية . وما يبنى اليوم فى تونس سيكون شاهدا بعد اجبال على هذه النهضة الشاملة ايضا . ويضرب ابن خلدون مثال التعليم ايضا . فهو احسن شاهد لما كانت عليه حضارة من الحضارات . يقول المفكر التونسى )) كادت هذه الصناعة تنقطع لهذا العهد عن اهل المغرب باختلال عمرانه ... فالقيروان وقرطبة كانتا حاضرتى المغرب والاندلس واستبحر عمرانهما فرسخ فيهما التعليم لامتداد عصورهما ... فلما خربتا انقطع التعليم من المغرب الا قليلا كان فى دولة الموحدين فى مراكش ))
فالنتيجة التى نستنتجها من كل ذلك ان الصنائع تزدهر بازدهار العمران وتكمل بكماله وتطول مدتها بطول مدته وتضعف بضعفه وتزول بزواله .

