ان التاريخ الاسلامى باجمعه فى حاجة الى بعث جديد على نور الاساليب الحديثة التى مكنت مؤرخى الغرب ان يعيدوا النظر فى تاريخهم وان يؤولوه تأويلا اصدق يرسل انوارا ابعد غورا لانارة الماضى وكشف اسراره التى فيها كشف لا لماضى الكائن البشرى فحسب ، بل ايضا لحاضره ومستقبله . ومن جملة ما يعتنى به اليوم مؤرخو الغرب تاريخ الآراء السياسية (1) التى لعبت دورا حاسما فى توجيه الحوادث .
ولعل اهم كاتب عربى جدير بان يعتنى بارائه اعتناء خاصا ، هو عبد الرحمان ابن خلدون ( 1332 - 1406 ) ولم يكن ابن خلدون فى الحقيقة سياسيا دافع عن آراء اراد ان تسير عليها شؤون الدولة ، بل كان مؤرخا واجتماعيا ، لاحظ ، فاحسن الملاحظة ، وخرج من ملاحظته باراء واقعية ، هى نتيجة التجربة ، تجربة ما كان ، لا امر فيها البتة بما يجب ان يكون ، وان كانت للكاتب ، ككل كائن حى ، ميول واهواء . فموقفه اذا كان موقفا علميا ، كان موقفا موضوعيا يكاد يكون عصريا . ففى عصر كان فيه كل شىء يوزن بوزن الدين ، ويفسر تفسيرا ما وراثيا ، نرى ابن خلدون لا ينظر للدين ، فيما يخص سلطة الدولة الا كعامل من العوامل العديدة المتشابكة المتفاوتة تأثيرا فى هذا الصدد .
يرى ابن خلدون ان الدول تنقسم الى اقسام ثلاثة بحسب المنهج الذى تسير عليه فى سياستها : فهناك دول تسوس الدنيا سياسة دينية ودول تسوسها سياسة عقلية ، واخرى تسوسها سياسة مدنية ، كما هو الشان بالنسبة لجمهورية افلاطون ولأهل المدينة الفاضلة مثلا .
والدولة مهما يكن الامر بناء طبيعى ، اضطرارى الظهور ، لا مناص من نشوئها اذ (( الانسان مدنى بالطبع )) وكل عمران يفرز الدولة افرازا حتميا . وكل
مقدمة ابن خلدون لتاريخه ، انما هى محاولة قوانين هذا الافراز والكشف عن الاسباب التى تعين عليه ، والعوائق التى تعوقه وتفسده ، وتؤدى فى النهاية الى الانحلال والهلاك .
واهم عامل فى حياة الدولة العصبية . فعلى هذه النظرية ركز ابن خلدون رأيه فى سلطة الدولة ، وهذه النظرية استقاها من سبره تاريخ عصره سبر الخبير الذى لا يغتر بالظواهر . انه يعطى الدين حقه كعنصر من اهم العناصر التى تساعد اهل الطموح ، وتعين على طاعة الرعية للراعى ، غير انه يرى ان الدولة وليدة ارادة السلطة ، ولا سلطة بلا عصبية . والعصبية قالب قديم افرغ فيه ابن خلدون معنى جديدا ، عبر به عن القوم - او الحزب ان شئت - الذين يؤازرون مريد السلطة ويشدون ساعده حتى يمسك على النفوذ . فان كانت العصبية ترتكز حتما عادة على الصلات الدموية ، فان تعريفها الحقيقى ، ولحمتها الوطيدة ، ومحركها الاساسى ، فى اتحاد اصحابها فى الهدف ، وهو انتزاع السلطة والانفراد بها . كذلك كان الشأن بالنسبة للمرابطين، والموحدين وسائر الاسر التى عنى ابن خلدون بتاريخها . فالسلطة اذن فى نظر ابن خلدون تنتزع بالعصبية - اى بالقوة - وتجد فى تلك العصبية - اى فى تلك القوة - شرعيتها.وهذا ما يذكرنا (( بمكيافال )) . وقد سار ابن خلدون باقدام فى هذه الطريق الى اقصاها ، فعوض اشتراط القرشية في الخليفة ، باشتراط عصبية قوية تمكنه من مباشرة الحكم حقيقة .
وذلك ان الدولة امر ضرورى لردع ميل الانسان الطبيعى الى الظلم والحيف والفساد . فابن خلدون يرى فى سلطة الدولة وازعا . وهذا الوازع هو من يملك السلطة والنفوذ ، ويستطيع الجبر والضغط ، (( والاستبداد )) و (( الانفراد بالمجد )) حسب تعبيره . فواضح من خلال تعبير المؤلف انه لا يصف طريقة الحكم القائمة على الشريعة والدين ، تلك الطريقة التى اعتاد وصفها الماوردى واضرابه واسهبوا فى الاحتجاج لها وضبط قوانينها النظرية التى لم تطبق يوما بحذافيرها . فهو يركز سلطة الدولة على ما كانت ترتكز عليه فى الواقع فى ايامه وقبلها ، اى على جند قوى من عصبية اوقل من حزب الماسك على النفوذ . وكثيرا ما آل ذلك الجند الى جند مرتزقة فى النهاية . فابن خلدون بعيد كل البعد عن نزعة الاخلاقى . فهو لاينكر الانحراف عن المبادى الاخلاقية ، ولا يعتبرها معاصى تعرض صاحبها الى عذاب الله فى الآخرة ، ولا يذكر شيئا من هذا . كما انه ايضا لا يبيحها ولا يغفرها.انما هو يقف موقف العالم السياسى الذى يلاحظ ويصف بكل تجرد .
وهو كملاحظ يقظ يرى ان سلطة الدولة ، ان كانت فى حاجة الى الظهور فى مظهر الحزم وعدم الضعف ، فهى ايضا فى خطر مستمر ، خطر الافراط فى القوة و (( الاستبداد )) و (( الانفراد بالمجد )) ، اذ (( ان ارهاق الحد مضر بالملك ومفسد له فى الاكثر )) . هذا عنوان فصل يقول فيه ابن خلدون :
(( فحقيقة السلطان انه المالك للرعية القائم فى امورهم عليهم .. فاذا كانت هذه الملكة (2) وتوابعها من الجودة بمكان حصل المقصود من السلطان على اتم الوجوه (3). فانها ان كانت جميلة صالحة ، كان ذلك مصلحة لهم ، وان كانت سيئة متعسفة ، كان ذلك ضررا عليهم واهلاكا لهم ... واما توابع حسن الملكة فهى النعمة عليهم والمدافعة عنهم . فالمدافعة بها تتم حقيقة الملك . واما النعمة عليهم ، والاحسان لهم ، فمن جملة الرفق بهم والنظر لهم فى معاشهم (3) ))
وهكذا يرى ابن خلدون ان مبرر سلطة الدولة يوجد فى واجباتها نحو الرعية وان (( الملكة )) - اى بالاضافة للمالك والرعية هو (( كونه يملكهم (4) )) - لاتتم ولاتدوم الا اذا توفرت شروط التجاوب والتعاون بين الطرفين . فالمؤلف قد اهتدى الى هذه الحقيقة الدائمة ، بل الى هذا القانون الذي مافتئت تخضع له سلطة الدولة فى كل العصور قديمها وحديثها وفى كامل الاصقاع من اسلامية وغيرها ، من خلال تجربته العميقة ، وممارسته الشخصية لبعض مظاهر السلطة ، ومرافقته الطويلة لكثير من اهلها فى غربى دار الاسلام وشرقيها . وذلك ان سلطة الدولة يجب ان تخدم الحضارة ، ولا مبرر ، فى النهاية ، لتلك السلطة الا خدمتها للحضارة ، تلك الحضارة التى يسميها ابن خلدون عمرانا ، والتى من اجلها كتب والف محاولا الكشف عن بعض اسرار ميلادها ، واكتمالها واحتضارها ، وزوالها . و (( العمران البشرى لابد له من سياسة ينتظم بها امره )) (5) حسب ما يقرر فى عنوان بعض فصوله ، وهذه السياسة هى التى تحكم لسلطة الدولة او عليها .
ولا يسعنا فى عجالة كهذه ان نتعمق الكثير فى درس نظرية ابن خلدون فى سلطة الدولة - وليس الميدان ميدان تعمق - غير انه يحسن ان نشير الى ما يعيره المؤلف من اهمية الى الاقتصاد فى استقامة السلطة وثبوت قاعدتها .
(( والسبب فى ذلك ان الدولة والسلطان هى السوق الاعظم للعالم . ومنه مادة العمران . فاذا احتجن السلطان الاموال والجبايات ، او فقدت ، فلم يصرفها فى مصارفها ، قل حينئذ ما بأيدى الحاشية والحامية ، وانقطع ايضا ما كان يصل منهم لحاشيتهم وذويهم ، وقلت نفقاتهم جملة وهم معظم السواد ، ونفقاتهم اكثر مادة للاسواق ممن سواهم ، فيقع الكساد ، حينئذ فى الاسواق وتضعف الارباح فى المتاجر فيقل الخراج لذلك . لان الخراج والجباية انما تكون من الاعتمار والمعاملات ونفاق الاسواق وطلب الناس للفوائد والارياح ، ووبال ذلك عائد على الدولة بالنقص لقلة اموال السلطان حينئذ بقلة الخراج ... وايضا فالمال انما هو متردد بين الرعية والسلطان : منهم اليه ، ومنه اليهم فاذا حبسه السلطان عنده فقدته الرعية (6) ))
فلم يفت ابن خلدون - فى عصر لم ينشأ فيه بعد علم الاقتصاد ان اعتدال الميزانية امر ضرورى لاستقامة شؤون الدولة ، وان الاقتصاد السليم (( مادة العمران )) وأساسه . وهو يلح - فى لهجة تكاد تكون عصرية معبرة عن شواغل اليوم والساعة - ان حجر الزاوية فى استقامة الاقتصاد رواج العملة ، ونشاط (( المعاملات )) ، و (( طلب الناس للفوائد )) بمختلف طرق التمويل الصالحة ، وعدم احتجان المال واكتنازه بصفة عامة ، مما يؤدى الى انخفاض فى الارباح وفى جباية الدولة ، ويعود بالوبال على السلطة . ويرى ان للسلطة دورا هاما فى هذا الصدد . فهى التى تنشط الاقتصاد والمعاملات اذا ما احسنت الانفاق فى وجوهه ، وصرفت اموال الجبايات (( فى مصارفها )) وهى التى تكون سبب الازمة - وضحيتها - اذا ما خابت فى سياستها الاقتصادية ، ففقدت العملة واستخفت . فسلطة الدولة اذن فى رأى ابن خلدون - وقد عبر عن رأيه هذا فى كل وضوح - لاتقام آمنة الا على اساس اقتصاد متين يكون فيه المال مترددا
(( بين الرعية والسلطان )) ، خادما للصالح العام ، اذ السلطه - كما رأينا - تستمد مبرر وجودها من واجباتها نحو الرعية ، ومن تلك الواجبات (( الرفق بهم والنظر لهم فى معايشهم )) .
وهكذا يبدو لنا ابن خلدون ، فى نظرته الى السلطة ، شديد الواقعية ، متجردا - يقدر ما يمكن ان يتجرد انسان عاش فى بيئته وتكون تكوينه - من قوالب الآراء الموروثة . فهو يتعرض طبعا لآراء الفقهاء ويعرضها علينا ، وهو يتعرض لآراء الفلاسفة فى الموضوع ويبسطها غير مخف عدم الارتياح اليها. وفى الحقيقة فانه لم يجد ما يرتاح اليه اثناء علاجه لهذا الموضوع سوى الواقع الذى حاول ان يفهمه ويدرك سر بعض قوانينه . فالفرق كبير والبون شاسع بينه وبين الماوردى ، وابن جماعة ، وابن تيمية ، وامثالهم ممن بذلوا جهد اليأس كى يخضعوا الواقع الى النظرية التى صاغها الفقهاء من دون مراعاة هذا الواقع واستشارته كما يجب .
ابن خلدون عالم . فموقفه من سلطة الدولة موقف الملاحظة ، ثم تأويل تلك الملاحظة قصد البلوغ الى ادراك بعض السنن التى تمكننا من ان نفهم فهما احسن حقيقة هذه السلطة وجوهرها ، وتعيننا على تصورها تصورا يجعلنا ندرك كنهها . واذا ما نحن ادركنا ذلك ، لعله يتاح لنا ان نحسن اخضاع هذه السلطة الى ما نريده منها ، اذ الحكم على الشىء وحسن استخدامه فرع تصوره تصورا واقعيا .

