لم يزل علماء اللغة العربية ينكبون على قضايا الفصحى* بحثا وتنقيبا ودراسة وتنظيرا وتطبيقا . وان المؤلفات المتداولة بين الناس فى هذا الباب والمعروفة لدى اهل الاختصاص تعد بالمئات والمئات ، لان الاهتمام باللغة هو فى الواقع اهتمام بحياة الانسان وما من أمة أهملت لغتها ولم تنمها الا وعرضت نفسها للذوبان في غيرها ، وسارت حثيثة الى الانتحار .
لهذا فان كل الامم الحية اهتمت وتهتم بطرق تنمية لغتها حتى تبقى دائما مستجيبة لمتطلبات الحياة فلا تتأخر عن ركب الامم الاخرى ولا تبقى مستهلكة ، بل خلاقة علما بأنه لا يمكن الخلق مهما كان علما او تقنية او ادبا الا فى اللغة الام : هي سنة من سنن الكون لا " حيلة " فى تبديلها ولا مناص من الخضوع اليها .
وان اهل العربية تسابقوا منذ القديم فى بحث طرق نمو اللغة ودراستها وما زالوا الى الان ومعهم المستشرقون يستقصون اسرار العربية ويضبطون القوانين التى سمحت وتسمح بتنميتها وجعلها تواكب اللغات الحية الاخرى . واهتموا خاصة بالالفاظ وظواهر تغيرها وقالوا بالقياس والاشتقاق والقلب والابدال والنحت والارتجال والاقتراض وتوسعوا فى هذه الظواهر بصورة مدهشة ، ولكنهم لم يولوا نفس العناية بالجملة وخاصة بنواميس تغيرها لا من حيث التراكب بل من حيث موسيقاها ونبراتها وايقاعاتها وبكلمة اوضح بهذا الذي يجعل الجملة متعانقة مع الحياة الحية ، معبرة عن حركية الواقع وتموجاته منطلقة الى القفز فى مجاهل المستقبل لا تشدها روابط الماضي ، الا بالقدر الذي يحفظها من السقوط ويقيها من الجمود .
نعم اهتم الباحثون والدارسون بموسيقى الشعر واوزانه ولكنهم لم يفيضوا فى سر حيويته وحركيته وهو الايقاع اللهم الا فى هذه السنوات الاخيرة ولست
بحاجة الى اعادة ما كتبته منذ سنة 1969 في هذا الباب ودونته فى كتاب بعنوان (اللغة العربية ومشاكل الكتابة ) (1) خاصة اننى انوى فى هذا البحث التقدم اشواطا فى بعض الاراء التى صدعت بها فى هذا الكتاب وهى ما زالت تحتاج الى المواصلة فى مجال التجربة والتجريب . وان الذى يثلج الصدر هو ان عدة دراسات اتجهت الاتجاه الصحيح فى دراسة الايقاع وخرجت عن المسارب التى تردى فيها كثير من العلماء احقابا واحقابا ولم يتمكنوا من الخروج منها الى مسارب اخرى تؤدى الى الغاية المنشودة فى العثور عن حقيقة اسرار حيوية العربية الفصحى ، ويكفينى راحة للضمير ان كنت الدافع الى بعض هذه الدراسات سواء اشار اصحابها الى ذلك ام لم يشيروا .
واذا كان اهل العربية لم ينتبهوا كثيرا الى ضرورة اعداد قاموس ايتيمولوجى بضبط قصة الالفاظ العربية وتطور معانيها حسب الفترات والاعلام فانه من باب اولى واحرى الا يتفطنوا الى دراسة تطور الايقاعات فى الجملة العربية على حسب العصور والاعلام وان هم اهتموا من حين لاخر بصورة من الايقاعات فى الشعر عن طريق البحور والاوزان والحال ان اهم ما يظهر من تغير للايقاع في الجملة العربية هو فى النثر قبل كل شئ . وهو ظاهر بارز عند عباقرة العربية يحس به كل قارئ مطلع ويعزوه النحاة الى تطور فى التركيب او من باب اقتراض الاساليب من اللغات الاجنبية من دون ان يغوصوا الى اعمق من هذا .
واذا هم علموا واكدوا ان بالاسلوب تتغاير الكتابات ولاحظوا ان الجمل العربية تطورت ونمت بعوامل عديدة اجتماعية ونفسانية وغيرها فانهم لم يخرجوا بهذا المفهوم - اى الاسلوب - من الغموض الذي يكتنفه ، وراحوا يخلطون بين المبتدع والمقلد بينما بينت سابقا ان هناك الاسلوب من جهة واللغة التجاوز (2) من جهة اخرى وان الذين طوروا الجملة العربية النثرية على حسب مفهوم اللغة التجاوز قلة قليلة من امثال عبد الحميد الكاتب وابن المقفع والجاحظ والتوحيدى وابو الفرج الاصبهاني وابن خلدون وطه حسين ومحمود المسعدى بقطع النظر عن الجملة الشعرية واقطابها .
ولئن وجهت الاسلوبية الحديثة البحث والدراسة وجهة جديدة بالاعتماد على الالسنية فانها لم تفد الدراسات اللغوية العربية اذ هي ما زالت فى
خطواتها الاولى لم تهضم مفاهيمها بعد ، او هي لم تبلغ دعوتها بعض لغويينا الاكارم . ولهذا فان الوجهة الصحيحة للبحث لا تتجه هذا الاتجاه بل هى فى ظني من الواجب ان تسلك المسلك الذى به تصل الى ضبط الوحدة الايقاعية فى الجملة العربية سواء الشعرية منها او النثرية .
وقد نبهت بالنسبة للشعر الى ان التفعيلة لا يمكن ان تكون وحدة ايقاعية بل هي وحدة عروضية او دائرية تقريبا ( 1 ) وعرضت حينذاك اقتراحا من حسن الحظ ان تجاوزته دراسات هاملة صدرت في ذلك وركزت البحث نحو هذا الاتجاه وافادت كثيرا ، ومن واجبى انبه اليها لانها ستفيدنا فى فهم النظرية التى سأعرضها بعد حين .
اريد ان أذكر قبل ذلك بكتاب الدكتور محمد طارق الكاتب ، ولو انه لم يبحث عن الوحدة الايقاعية لا لشىء الا لانه خرج عن الطرق القديمة اذ أقر طريقة
التسلسل 1 2 3 4 5 6
الصفة حرف متحرك واحد حرف ساكن واحد حرف متحرك ثم حرف ساكن حرفان متحركان ثم حرف ساكن ثلاثة احرف متحركة ثم حرف ساكن اربعة احرف متحركة ثم حرف ساكن
المصطلح العروضى لا يوجد لا يوجد سبب خفيف وتد مجموع فاصلة صغرى فاصلة كبرى
المصطلح بالارقام الثنائية 0 1 10 100 1000 10.000
المصطلح بالارقام العشرية 0 1 2 4 8 16
اخرى فى ضبط موازين الشعر العربى باستعمال الارقام الثنائية ( 1 ) وترجم المصطلحات العرضية المعروفة ثم التفاعل بالارقام الثنائية وضبطها فى مثل الجدول الموجود بصفحة 46 .
ولعل هذه الدراسة الهامة ونتائجها صالحة لتستعمل عن طريق الدماغ الالكتروني لغاية الظفر بالوحدة الايقاعية فى الشعر العربى .
وان ما كتبه الدكتور كمال ابوديب كبديل جذرى لعروض الخليل فى كتابه فى البنية الايقاعية للشعر العربى (2) لجدير بالعناية اذ انه يصل الى ان الايقاع العربي لا يخرج عن وحدتين ايقاعيتين ( فا ) و ( علن ) ثم هو يجد بعد ذلك ثالثة ( علتن ) . ولعله على صواب لان ذلك يوافق ما عرفته السليقة العربية منذ القديم اذ جاء ( 3 ) " فى التوشيح الوافى والترشيح الشافى فى شرح التأليف الكافى فى علمى العروض والقوافى لابن حجر العسقلانى - بعد اسقاط السند - عن الحسين بن يزيد انه قال سالت الخليل عن علم العروض فقلت هل عرفت له اصلا ؟ قال نعم ، مررت بالمدينة حاجا فبينما انا فى مسالكها اذ نظرت لشيخ على باب دار وهو يعلم غلاما وهو يقول له :
نعم لا نعم لا نعم للا = نعم لا نعم لا نعم للا
فدنوت منه وسلمت عليه ، وقلت له ايها الشيخ ما الذي تقوله لهذا الصبى ؟ فقال هذا علم يتوارثه هؤلاء عن سلفهم وهو عندهم يسمى التنعيم قلت لم سموه بذلك ؟ قال لقولهم نعم نعم ، قال الخليل فقضيت الحج ثم رجعت فأحكمته ، وفي بغية المستفيد من العروض الجديد للاستاذ على ابو الخشب ما نصه : فيما يروى عن الخليل نفسه انه كان بالصحراء فرأى رجلا قد اجلس ابنه بين يديه واخذ يردد على سمعه " نعم لا نعم لا لا نعم لا نعم لا لا "مرتين فسأله عن هذا فقال انه التنغيم بالغين المعجمة - نعلمه لصبياننا . وقد تكون
لهذا النص قيمة تاريخية مقبولة ولكن مما يجب ان يعلم ان الرواية لا تشير الى ان ذلك كان معروفا لدى الشعراء فى الجاهلية او كان ذلك من بعض أدبهم ، وما نسب الى أمرىء القيس من مثل قوله = ألا لا ألا الا = ألا لا ألا إلى فعولن مفاعيلن = فعولن مفاعلن
لا يمكن ان يكون الا شيئا وضع لوزن الشعر بعد عصر الجاهلية ، فالحق بأبيات امرىء القيس او ادعى له ، او انه مما صنعه المؤدبون فى العصر الاموي لتحفيظ الشعر وضبط الفاظه ونصوصه وأوزانه " ( 1 ) .
ولو ان الخليل ابن احمد اتجه الى البحث عن الوحدة الايقاعية فى لا ونعم ولم يخرج لنا بالتفعيلة وفضله على كل انه لم يخرج بالصمت عن لا ونعم مثل حبيبة بشار ( 2 ) لكان تطور الشعر العربي تطورا آخر ( ربما ) .
يصل كمال ابو ديب اذن الى هذه النتيجة وهى انه فى " مقدورنا ان نصف الايقاع الشعرى بطريقة تستقى من النظرة النووية فى العلوم وانما بشكل مبسط اذا أخذنا النواة ( علن ) على انها نقطة التمركز الايقاعية والعنصر الايجابي الدائم ووضعنا النواة ( فا ) فى سياقها او النواة (علتن ) استطعنا ان نرسم نماذج من الشكل التالي =
(علن) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فا ( علن) ـــــــــــــــــــــــــــــ فا فا ( علن) ـــــــــــــــــــــــــــ فا فا فا فا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (علن) فا فا فا ــــــــــــــــــــــــــــ (علن) فا
" ويمكننا بهذه الطريقة تقديم وصف نووي لكل التشكلات المعروفة فى الشعر العربى التناظرى وللتشكلات التى نماها الشعر العربى المعاصر لكن الواضح ، طبعا ، ان حركة الايقاع وعلاقات النوى فيه ، حركية أفقية تفرضها
طبيعة اللغة ذاتها بكونها تتابعات صوتية ، بتمثيل كهذا يمتنع تحجر المركبات فى وحدات منعزلة كبيرة ويتلافى الخطر الاعظم الذى احاط بنظام الخليل وحوله الى قوالب جامدة لم تعد تعكس حركة الحيوية والقرار فى الكلمة العربية النابضة بالحياة الباحثة ابدا عن قرار . " ( 1 )
وليست غاية هذه الدراسة هي تلخيص نظرية الدكتور ابو ديب لان النتائج التى وصل اليها تحتاج الى نقاش طويل خاصة وان عمله جاد وعلمي لكن الذى يهمنى هو انه توصل الى ايجاد وحدة ايقاعية يمكن تطبيقها على الشعر العربى العمودى والحر وحتى الخارج عن هذين الصنفين اذ هو اثبت ان شعر ادونيس يخضع لهذه الوحدة الايقاعية وانه شعر وليس بنثر . هذا موضوع اخر يطول شرحه فى هذه العجالة وسيجد ان شاء الله مكانه فى الكتاب الذي يحمل نفس عنوان البحث .
كما ان احمد الطاهر في كتابه الشعر الملحون الجزائرى ايقاعه وبحوره واشكاله ( 2 ) توصل فيما يخص الشعر الملحون الجزائرى الى الظفر بمقطع سماه المبالغ في الطول وقال : " إذا كان الايقاع هو عودة انطباعات سمعية متماثلة على فترات من الوقت متشابهة فانه يمكن القول ان الايقاع فى الملحون يعتمد تعادل عدد المقاطع في كل مصراع من نفس الجنس وعودة بنفس عدد المقاطع المبالغة فى الطول فى مواضع متماثلة المصارع ، وبصورة اخرى فانه يكون للبيتين نفس الايقاع اذا استوفيا الشروط التالية :
- أ - نفس عدد المقاطع في كل مصراع من نفس الجنس - ب - نفس عدد المبالغة فى الطول فى المصارع - ج - نفس الرتبة بالنسبة لكل مقطع مبالغ فى الطول فى المصارع
وإذا اختل شرط من هذه الشروط فان البيتين ليس لهما ايقاع واحد " ( 3 ) .
وهكذا فان احمد الطاهر لم ياخذ بعين الاعتبار النظام الكمي الخليلي ولا النظام النبرى وكانه ارتضى النظام المقطعى الذى سار عليه الشعر الفرنسي ولم يعطنا فى الواقع قياسا مضبوطا للمقاطع بينما انواع المقاطع كثيرة .
ونأتى الى عمل آخر اعتبره مهما جدا ويحتاج الى تقييم جاد وهو ما قام به صديقنا الاستاذ محمد العياشي . واني لا اريد ان انقد كتابه ( 1 ) نظرية ايقاع الشعر العربي لا لشىء الا لاني لم استوف النظر فيه بصورة كاملة وانما الذى يخرج به قارىء الكتاب قراءة سريعة غير متأنية هو انه كتاب فيه تجديد فى النظرة ووضوح واكتمال فى مسألة الايقاع اكثر من غيره من الدراسات واعتقد انه سيساهم مساهمة كبيرة فى تغيير نظرة المهتمين بالشعر العربى خاصة انه استعان بالموسيقى وترقيمها وهو امر ليس بالصعب ادراكه وحل مشاكل عديدة لم يقدر الخليل على الاجابة عنها ، ولا بد ان ارجع اليه بصورة مستفيضة في وقت لاحق مع تنبيه الصديق الاستاذ الى ضرورة الاشارة الى مراجعة بكل دقة فى طبعة ثانية .
اما ما يهمني الان هو ان الكاتب توصل الى ايجاد عنصرين فى الايقاع : - عنصر مقصور خفيف ويستغرق من الوقت قدر وحدة قيمة - عنصر ممدود ثقيل ويستغرق من الوقت قدر وحدتى قيمة .
واعطى الى كل عنصر ترقيما موسيقيا . فالعنصر الخفيف يناسب المقطع القصير ( ف ) والعنصر الممدود يناسب المقطع الطويل مثل ( نا ) او ( تل ) (بتسكين اللام ) ولكنه بين فيما بعد ان هناك من العناصر ما تسمى هاضمة واخرى مهضومة ويعطيها ترقيما خاصا . وكانها فى الواقع ترجع الى ما يسمى بالمقاطع الطويلة المنبرة (accentue ) وغير المنبرة ( atone ) وكنت نبهت اليها عندما تحدثت عن الخلايا الايقاعية فى كتابى الآنف الذكر . غير ان الاستاذ محمد العياشى اعطاها قيمة مضبوطة اذ المنبرة عنده تساوى وحدة قيمية ونصف
وحدة قيمية ، بحيث ان = المقطع القصير = 1 والمقطع الطويل = 2
والمقطع الطويل المنبر = 5 ، 2 والمقطع القصير غير المنبر 5 ، 0
وعلى كل فاننى ذكرت هذا لانني ساستعمل ما وصل اليه محمد العياشى من الاستنتاجات التى هى اضبط مما وصل اليه الخليل ويمكن تطبيقها حتى على النثر وذلك فى انتظار ايجاد مقاييس مضبوطة عن طريق الاله وخاصة مسجل الذبذبة بأشعة مهبطية (oscillographe cathodique ) المنسق مع ضابط الصوت ( sonometre )
اخلص الان الى النظرية التى اريد عرضها والتي سميتها التطعيم الايقاعى فاقول "كل عبقرى اضفى على الجملة العربية نمطا جديدا غير به ايقاع صياغته ونظامها فانه قدر فى الحقيقة على اقحام ايقاعات لهجته العامية المحلية فى الفصحى وتطعيم صوغه بهذه الايقاعات من كلامه " ومعنى هذا اننى ادعى ان امثال ابن المقفع والجاحظ وبديع الزمان الهمذانى والتوحيدى وابن خلدون وابونواس وابا العناهية والشابى ومحمود المسعدى وغيرهم قد طعموا شعرهم او نثرهم بايقاعات لهجاتهم المحلية بدون ان يشعروا بذلك لقدرة حباهم الله بها لان اللغة العربية الفصحى باعجازها وطاقتها الكبرى قادرة على الديموية والاحتفاظ بعبقريتها الكامنة فى نحوها مع الارتباط بواقع اهلها المتحول المتحرك الذي تعتبر اللهجة المحلية جزءا منه يحمل خلاصة الحياة المعاشة ويترجم عنها احق ترجمة ولكن تبقى الفصحى دائما هى القادرة على السمو بذلك الواقع وتلك الحياة وهذا سر من اسرار بقائها .
وانى اريد انبه مرة اخرى اننى لا ادعو الى العامية ولا الى الاستعاضة عن الفصحى بلهجة من اللهجات واقول هذا رفعا لكل التباس وردا على من يتربصون باعمالنا سواء فى تونس او خارجها ولا يناقشوننا فى صلب نظرياتنا وانما يلبسوننا جبة خيانة الامة العربية او يرموننا بالاقليمية وهي "موضة" متداولة ويا للاسف فى العالم العربى اليوم لما تردى فيه معظم الفكر العربى الطافى على السطح من دركات وما اصاب الامة العربية من ضعف فى مستوى الاخلاق الا من رحم ربنا . ذلك ان العلم لا يستنكف من دراسة اى موضوع مهما كان حراما او سفسافا للوصول الى الحقيقة . ولو علم القوم لادركوا أن هذه النظرية تسد فى الواقع الباب على كل من يدعو الى العامية لانها تثبت ان الفصحى قادرة على امتصاص حيوية اللهجات للسمو بها .
ومعنى هذا اننى ادعو الى دراسة اللهجة المحلية للكاتب العبقري او الشاعر المبدع من حيث ايقاعاتها ونظامها ثم ابحث فى ادبه عن هذه الايقاعات . وقد
قمت لا محالة بشىء شبيه بهذا عندما كتبت عن ابن المقفع ( 1 ) وابن رشيق ( 2 ) وطه حسين ( 3 ) ولكنني لم اعط امثلة مستفيضة مضبوطة لانني حينذاك لم اظفر بعد بالنظام الايقاعى المقارن .
وساحاول فى هذ العرض ان اطبق هذه النظرية على طه حسين والشابى ومحمود المسعدى مع العلم ان هذا النوع من العمل يحتاج الى امثلة كثيرة جدا ولا يمكن ان تكون الا ضمن كتاب .
يقول طه حسن = " ولك ان تنظر فى اى لون من الوان العلم والادب والفن التى تدرس فى مصر والتى ينتج فيها العلماء والادباء والفنانون المصريون فسترى انها مطبوعة بالطابع المصرى القوى القومى الذى لم يستطع الزمان ان يمحوه او يعفى اثاره سترى فيها هذا الذوق المصعرى الذى هو ليس ابتساما خالصا ولا عبوسا خالصا ولكنه شىء بين ذلك فيه كثير من الابتهاج وفيه قليل من الابتئاس . وسترى فيه هذه النفس المصرية التى تجمع بين الجدية والقدم والتى تثب الى امام وكأنها تستأنى وقد تقف من حيث تستانى وقد تقف من حين لاخر لتنظر الى وراء سترى فيها الاعتدال المصرى الذى يشتق من اعتدال الجو المصرى والذى يأبى على الحياة المصرية ان تسرف فى التجديد .
واذا ترجمنا هذا على حسب الايقاعات كما حددها نظام محمد العياشى وجدنا ان هناك كمية من المقاطع كبيرة ( تثب الى الامام ) فكمية اخرى اقل منها ( تستأني ) فكمية اضعف ( تقف ) ثم تسترسل الجملة من جديد على نفس النمط .
لناخذ فقرة من كتاب على وبنوه لطه حسين يقول = وقد كان يرى انه احق الناس / بالخلافة منذ وفاة النبى / ولكنه / صبر / حين صرفت عنه / الى الخلفاء الذين سبقوه / فلما جاءته الخلافة / لم تجئه صفوا / ولا عفوا / ."
انظر الى صواب هذا التقطيع عندما وافق نوعا من القوافى المتمثلة فى كثرة الهاءات والمختومة بواوين ولو عددنا الكميات الايقاعية لوجدنا على التوالى : 13 - 8 - 18 - 7 - 4 - 11 - 18 - 17 - 11 - 7 - وهى فى تغايرها مع موسيقاها تترجم حقيقة عما وصفه طه حسين خلافا لما درج عليه الكتاب العرب القدامى من توازي الكميات الايقاعية مع الملاحظة انه يجدر بنا هنا دراسة العامية المصرية وضبط خصائصها الايقاعية ولكنني ارجىء هذا الى وقت آخر لمزيد الاستقصاء .
ولناخذ الان امثلة تونسية ونقتصر على الشابى ومحمود المسعدى . يقول محمد العياشى " العامية التونسية فقدت المقطع المقصور تماما واصبحت تقوم على المقاطع الممدودة لا غير وابتدؤوا بالساكن والفصحى لا تقبل ذلك مطلقا لانهم لا يبتدؤون بساكن ولا يقفون على متحرك فيقول عروس بتسكين العين ويقولون كريم بتسكين الكاف ووالوا بين الساكنين فيقولون باش مات بتسكين الشين والتاء والفصحى ترفض وتخضع الى المبدأ الذى يقول = اذا التقى ساكنان يحذف ما سبق وكان كل ذلك نتيجة لتصرفهم فى اللغة وتحللهم من مبدأ الاعراب والدليل ان حركة الايقاع تخضع فى تركيبها الى مبادئ اللغة ومقتضياتها هو استحالة استعمال ايقاعات الشعر الفصيح فى الشعر الملحون مع اللهجة العامية التونسية وذلك لان المقطع المقصور فى هذه اللغة مفقود تماما . فاضطر الشعر الى استنباط ايقاعات اخرى تتلاءم مع لغتهم " .
ومعنى هذا ان هناك خليتين ايقاعيتين هما ( فما ) و ( فال ) بتسكين اللام وليس من الصعب التكهن بطبيعة الحركة فى جملة تكون مبدؤها بساكن وعلى مقاييس فى مثل هذه الحدة . وليس من الغريب ان نجد الشابى يكثر من استعمال الخبب ( فى اصطلاح العياشي ) الذي اهمله الخليل ولم ينتبه اليه نظرا الى ان العرب تستعمله كثيرا وان الحركة الايقاعية المستعملة لا تتناسب كثيرا مع الايقاعات من نوع ( فا ) و ( فال ) وليس غريبا ايضا ان يكون الحصرى الافريقي هو الذى وفق فى وزن الخبب ( فى اصلاح العياشي ) وابدع في قصيدة المعروف ( يا ليل الصب ) اما الشابى فقد استعمل الخبب في قصيدته:
خلقت طليقا كطيف النسيم وحرا كنور الضحى فى سماه ؟
انظر تتابع الساكنين في آخر البيت الى جانب استعمال الخبب . اما إذا كتبناه على حسب ما رآه محمد العياشى وسماه الروى المقلوب الساكن مع الختم العارى فيصير البيت
اس خلقت طليقا كطيف النسيم وحرا كنور الضحى فى سما
٥ تغرد كالطيراين اندفعــــ ــت وتشدو بما شاء وحي الالا
وقد يمكن ان يكون دليلا آخر على نوع من الابتداء بالساكن الذي لا تعرفه الفصحى زد على ذلك فان قافية الهاء الساكنة موجودة فى عدة قصائد ( ما يقرب من ست عشرة قصيدة ) . أما القصائد التى تنتهى بساكنين فهي عديدة ايضا ( اكثر من ربع ديوانه ) .
اما بالنسبة لمحمود المسعدى فتامل الحركة الايقاعية فى كلام هواتف السد وفي اسم ( صاهباء ) ومقياسها ( فا فا فال ) دائما فى الممدود لا المقصور حتى ان ميمونة عندما قالت :
ما صاهبى يا غيلان
اجابها الهاتف - لا تحرفي قومى الاسم . هو بالمد لا بالقصر
وغيلان الذى على وزن ( فا فال ) وميمونة وزنها ( فا فا فا ) وهلهبا . هل هذا كله من محض الصدفة ؟ كلها ايقاعات تلقاها الكاتب من البيئة التى يعيش فيها والشواهد كثيرة سواء فى السد و حدث ابو هريرة قال .
هذه لمحات اولى عن نظرية التطعيم الايقاعى فى الفصحى وهى افتراض بطبيعة الحال يحتاج الى ادلة أوفى مما ذكرت ولكنني اعتقد ان الماضى فى هذا الاتجاه يفتح لنا ابوابا من البحث ويكشف عن اسرار ما زالت اللغة العربية تخبئها عنا .
واكثر من هذا فانه يفضى الى نتائج جد خطيرة لها ارتباط بمسلمات ما زال يتعلق بها كثيرون ويكبلون من جرائها لغتهم وتطور حياتهم ايضا .
