الشعر اقدم المعارف البشرية، به قيد اليونانيون العلوم والمعارف التي يخشون ذهابها (1)
والعرب بدورهم اعتنوا بالشعر كاعتنائهم بالحياة. وقسموا الكلام الى منظوم ومنثور (2) وفضلوا الشعر عن النثر، لان الشاعر به يستطيع ان يبين مكارم نفسه، ويوضح فضائل قومه (3) والعرب يفضلون الشعر عن النثر لانه ديوان العرب به قيدوا حكمة الشرق الطريفة، وفيه سجلوا ايامهم فى الجاهلية ووصفوا حياتهم المتقلبة بين الخير والشر، فكان الشعر سيف القبيلة القاطع، وكان سجلها وصحيفتها السيارة به تبلغ صورتها الى القبائل الاخرى، ولذلك كانت القبيلة تذبح الذبائح وتقيم الافراح ويهنئ الناس بعضهم بعضا اذا نبغ شاعر فيها.
ولتفخيم العرب للشعر، وهيبتهم له فانهم عندما جاء الاسلام، لم يجدوا ما يفسرون به الشكل المستحدث للقرآن ومضمونه الجديد - لم يجدوا ما يفسرونه به الا الشعر، فوصفوا النبئ بانه ساحر وذلك لما فى الكلمة الشعرية من فعل السحر فى نفوسهم، ووصفوه بانه شاعر لملازمة الشعر لحياتهم واجابهم على
ذلك عز وجل بقوله: " وما علمناه الشعر وما ينبغي له... " اى ما علمه الله شعرا وما ينبغى له ان يبلغ للعرب عن الله شعرا.
وقد واكب الشعر الايديولوجية الجديدة التى جاء بها الرسول، فوقف موقف الدفاع عنها مع حسان بن ثابت، وكعب بن زههر والنابغة الجعدى وقد رد هؤلاء على شعراء قريش الذين كانوا يهجون الرسول ويثلبون الاسلام. وكان الرسول نفسه يمتدح الشعر ويقول " ان من الشعر لحكمة " واحبه الخلفاء الراشدون ومن تبعهم من الخلفاء الآخرين والقضاة والفقهاء وقرضوه (5)
قد دخل الشعر عندهم باب العيش، ورغم ان العرب كانت تكره التكسب بالشعر وتمقت الشاعر المكتسب. ولم يكن فى قاموس المعارف عندهم هذا النوع من الشعر، وانما كان الشاعر يصنع ما يصنعه فكاهة، او مكافاة على يد لا يستطيع اداء حقها الا بالشكر اعظاما لها، (6) كما فعل امرئ القيس بن حجر فى مدحه لبنى تيم، من اقارب رجل اسمه المعلى فقد احسن له هذا الاخير واجاره حين طلبه المنذر بن ماء السماء للثار. (7)
ولكن أول المتكسبين بالشعر هو النابغة الذبياني، وقد جاء الاعشى بعده وجعل من الشعر تجارة وجاراه الشعراء اللاحقون فى ذلك، وصار قانون الشعر يفرض على كل شاعر ان يقول فى كل الاغراض ليكون الشاعر الحق.
فبحكم العصر والحضارة، وبحكم الظروف الاقتصادية عندهم راوا ان الشعر يرفع المرء فيبنى له مجده الاجتماعي او يحطه (8)، ويقضى له او يقضى عليه (9) لهذا كله احتفل اللاحقون مثل السابقين بالشعر فقننوا اعريضه، وحددوه، وبينوا قواعده واغراضه واعتبروا البيت من الشعر كبيت البناء (11) له خصائصه وميزاته فقالوا " هذا شعر مصنوع وهذا شعر مطبوع " وقالوا
" هذا اشعر بيت " و " هذا اشعر العرب " وبينوا الارتباط بين اللفظ والمعنى والتكامل بينهما.
على ان هذه النظرية ليست كلها مواكبة لعصرنا، وانما تحتوى على جوانب جديرة بالاهتمام قد تثرى النقاش وتفيد وهذه الجوانب تتمثل فى الجواب عن الاسئلة التالية:
- ما الشعر عند العرب؟ - كيف الشعر عندهم؟ - ولم الشعر؟ - ومن اين الشعر؟
هذه اسئلة محاصرة وضع مثلها مفكرون معاصرون امثال جان بول سارتر في كتابه: ما الادب؟ والاجابة عنها سنحاول البحث عنها عند العرب القدامى
1) ما الشعر؟
حدد العرب ماهية الشاعر بقولهم " سمى الشاعر شاعرا لانه يشعر بما لا يشعر به غيره " (13) وقالوا ايضا محددين مفهوم الشعر: " توهم العرب اعاريض جعلوها موازين الكلام فلما تم لهم ذلك سموه شعرا، لانهم شعروا به، اى فطنوا... " (14)
وعلى اساس هذين القولين يكون مفهوم الشعر عند العرب هو الفطنة اى الوعى بالواقع ومعرفة احواله ومقتضياته ويكون مفهوم الشاعر مرتكزا على الحساسية التى تفوق ما عند الاخرين من حس فيها يتمكن من ان يعى مشاكل كل عصره حتى النخاع.
والشعر العربى يقوم على اربعة اشياء في نظر القدامى: " اللفظ، والوزن والمعنى والقافية " (15) ولكى يستطيع الشاعر ان ينظم الكلام فى بناء شعرى معين فانهم يشترطون " النية " أى نية قول الشعر وهى فى رأينا تحفيز الهمة واستجماع الخاطر وتركيز الفكر على موضوع معين وايقاع وشكل محدد يصب فى القصيد، وفى هذه الحالة فان الشاعر تتخمر تجاربه الماضية بحكم المعاناة ويسترجع معارفه السابقة ويكون فكريا ونفسيا مهيأ لولادة الشعر ...
ولعل اهتمام العرب بالشعر واحتفالهم به هو الذي جعلهم يقسمونه الى اغراض اربعة احتوت كل امكانات الكلام البشرى.
وهذه الاغراض هى (1) المديح الافتخار الشكر المراثى
(2) الهجاء العتاب الاستبطاء الامثال
(3) الحكمة التزهيد المواعظ الغزل
(4) اللهو الطرد ( وصف الصيد ) وصف الخمر والمخمور
فهذه الاغراض الاربعة تحتوى على اثنى عشر منحى من مناحى الكلام البشرى او على اثنى عشر امكانا من امكانات الشعر.
ولكل غرض من هذه الاغراض الشعرية او المنحى الكلامى دافعا داخليا معينا، يعمل فى نفس الشاعر او الانسان عامة فينتج نوع الشعر او نوع الكلام الذي يقتضيه ذلك الدافع. (16)
فالمديح أساسه الرغبة (17) او الطمع او الشكر، والهجاء الدافع اليه هو البغضاء وشعر اللهو اساسه الشوق والعشق - عشق النساء، وعشق الخمرة، وعشق الصيد. ان لاغراض الشعر - فى راى النقاد العرب القدامى - دوافع كما هو الشأن للكلام عامة ونوع الدافع يفرض على الشاعر انتخاب الاسلوب النوعى واللغة النوعية اللذين يعبران عما فى نفسه.
ولكل منحى من هذه المناحى الشعرية ضمير يناسبه ويلخص هذا عبد الصمد من المعذل فى قوله " الشعر كله لا يتعدى ثلاث لفظات ليست فى متناول كل انسان، فاذا مدحت قلت: انت واذا هجوت قلت: لست، واذا رثيت قلت: كنت " ... (18)
ولعمرى ان هذا القول لا ينطبق على الشعر فحسب وانما ينطبق على الكلام البشرى عامة وفي كل اللغات.
ولان اتجاهات الشعر هى نفس اتجاهات الكلام عموما، فانه لذلك يصور النفس البشرية ويحمل طابعها بما فيها من خير وشر.
ويستشهد ابن رشيق على هذا بقول عبد الكريم بن عبد الله فيذكر ان " الشعر اربعة اصناف فشعر هو خير كله وذلك ما كان فى باب الزهد والمواعظ الحسنة والمثل العائد على من تمثل به خير وشعر هو ظرف كله وذلك القول فى الاوصاف والنعوت والتشبيه وما يفتن به من المعاني والآداب وشعر هو شر كله وذلك الهجاء وما تسرع به الشاعر الى اعراض الناس وشعر يتكسب به وذلك ان يحمل الى كل سوق ما ينفق فيها ويخاطب كل انسان من حيث هو وياتى اليه من جهة فهمه " (19)
ويبدو ان ابن رشيق نفسه يانف من الشعراء المداحين ويسخر منهم لانهم طماعون وليسوا فى مستوى المبادئ.
ونلاحظ فى هذه القولة تصنيف النقاد العرب للشعر على اساس اخلاقى وحسب رؤيه دينية معينة. ولعل هذا ما جعل المعيار الذوقى هو الغالب على تقييم النقاد القدامى للشعر على ان رؤيتهم التقدمية لعملية الابداع الشعرى هى التى تبدو فى مستوى عصرنا ونجد ذلك فى الجواب على السؤال التالي:
(2) كيف الشعر عندهم؟
قسم من العرب الشعر الى قسمين: مطبوع ومصنوع، فالمطبوع هو الصادر عن طبيعة شاعرة صقلتها الثقافة، وحنكتها الدرية، وهو الذى لا تظهر الكلفة فيه وانما يكون فى شكله ومضمونه معبرا عن نوازع النفس الانسانية ويحمل رسالة ابلاغية للقراء.
والمصنوع من الشعر المتكلف الصادر عن طبيعة قاحلة لا خصب فيها ولا معنى. (20)
فالشاعر المطبوع هو الشاعر الخلاق على المستويين اللفظى والمعنوى فيوجد الرؤى الفكرية الجديدة والابعاد المختلفة فى انتاجه، يقول ابن رشيق:
" وانما سمى الشاعر شاعرا لانه يشعر بما لا يشعر به غيره، فاذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، او استظراف لفظ وابتداعه او زيادة فيما اجحف فيه غيره من المعاني او نقص مما اطاله سواه من الالفاظ او صرف معنى ان وجه عن وجه اخر كان اسم الشاعر عليه محازا لا حقيقة ولم يكن له الا فضل الوزن، وليس بفضل عندى مع التقصير ... "
فالشعر الحق حسب هذه القول هو الذى يضيف ولا يكرر وهو الذي يبدع ولا يكتفى بالاستهلاك والشاعر الحق هو الشاعر الرائد باستمرار لآفاق جديدة.
وهذه القولة لا تبين كيف يجب ان يكون الشاعر فقط وانما هي كذلك نقد لاذع لكل المتهافتين على الشعر دون ان تكون لهم طبيعة شاعرة، ويبدو انهم لا كثيرين مما جعل النقاد يقسمون الشعراء الى ثلاث طبقات: شاعر، وشويعر، وشعرور ...
ولعل هذا ما جعل المتنبى نفسه يتالم حينما قال: " افى كل يوم تحت ضبنى شويعر ... " فاشباه الشعراء الزاحفين على ابواب الملوك هم الذين يشير اليهم ابن رشيق - ولو بصورة خفية فيما تقدم من قوله.
والعرب يفضلون الشعر لميزتة على النثر لانه خال من الابتذال، يؤدى رسالته الابلاغية كاملة لانه لغة القلب الى القلب فلنفاذه فى النفوس اثر على تغيير العلاقات بينهم، والكلام يكون مهملا اذا كان فى النثر، فاذا انتظم فى شكل شعرى معين ودخل تحت قانون موسيقى مميز فان النفس تلتصق به وتداخل معناه يقول ابن رشيق:
" فاذا نظم ( الكلام ) كان اصون له من الابتذال، واظهر لحسنه مع كثرة الاستعمال وكذلك اللفظ اذا كان منثورا تبدد فى الاسماع وتدحرج عن الطباع ولم تستقر منه الا المفرطة فى اللفظ وان كانت اجمله والواحد من الالف فاذا اخذه سلك الوزن وعقد القافية تالقت اشتاته وازدوجت فرائده وبناته واتخذ اللابس جمالا ... فصار قرط الآذان وقلائد الاعناق ".
من هذه القولة نستنتج ان الشعر هو الذى يجعل اللغة متجددة باستمرار
فنظام البناء اللغوى مبلغ غاية الجمال والروعة عندما يقترن الكلام المنتخب بقانون ايقاعي معين فتجدد اللغة اذن يكون بتجدد الشعر وتطوره وكذلك الكلمة المفرطة لا يكون لها معنى فى حد ذاتها وانما معناها يخلق بانتمائها الى بناء هندسى معين، حين ذاك تكون كالحجرة فى البناء تضيف وتعبر...
وبصفة عامة فان الشاعر كما نفهم ذلك من قوله ابن رشيق - هو الذى يحيى اللغة فيعجنها ويصهرها ويشحنها بالمعاني والمفاهيم المتطورة، وينحت بواسطتها فنا يعبر عن رؤية للعالم. ان الشاعر المجدد لاساليبه ومعانيه والمطور للغته باستمرار هو الشاعر المطبوع في نظر النقاد العرب وهو المبدع الخلاق الذي يستطيع ان يخاطب الانسان فى كل مكان وزمان، رغم اختلاف اوضاعه.
ولعل ذلك ما جعل بعض النقاد العرب يقول: " اشعر الناس من انت فى شعره " (22) اى ان الشعر الحق هو الذي يعبر عن وضعك واوضاع الآخرين
النفسية والاجتماعية رغم اختلافها ثم قال بعضهم ايضا " احسن الشعر ما لم يحجبه عن القلب شئ " اى هو الذى يؤثر فى القارئ مباشرة بفضل ما توفر فيه من شحنة عاطفية قوية ويبلغ له المضمون الفكرى او الاجتماعى دون تعمية او لف ودوران.
على أن ابن رشيق لا يغفل مشقة الولادة الشعرية فيروى عن بعض المتقدمين بان: " عمل الشعر على الحاذق اشد من نقل الصخر ويقال: ان الشعر كالبحر اهون ما يكون على الجاهل اهول ما يكون على العالم ... " (23) فالشعر فن صعب لانه عملية ولادة لا يتالم فيها الا المبدع العالم وهو عملية صراع مع النفس وتصادم مع العالم فى محاولة مستمرة لتنظيمه وتحديده وهذا يسوقنا الى الجواب عن السؤال الثالث:
(3) لم الشعر؟ من خلال الاغراض الشعرية التى حددها النقاد العرب نستطيع ان نعرف غاية الشعر عند القدامى من خلال الاغراض التى حددوها نلاحظ ان الشعر عندهم تعبير عن النفس الانسانية فى حلها وترحالها بين الاعلى والاسفل وبين منزلة الملائكة ومنزلة الشياطين وذلك فى حالاتها المختلفة حينما تتخبط فى الرغبة والبغضاء والشوق والعشق، وحينما تتزهد وتنطوى على نفسها وتقبع فى غياهب النسيان تنتظر مصيرها .. فالشعر عند العرب بالإضافة الى انه سجل لا يامهم فهو كذلك سجل للحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية منذ العصور الاولى للجاهلية فيكون الشعر على هذه الاساس مرآة عاكسة للوضع البشرى وصورة صادقة للمنزلة الانسانية.
على ان هذه الرسالة لا تتوفر دائما فى الشعر الا بشروط رآها العرب اساسية وهى عين الجواب عن السؤال الرابع:
(4) من اين الشعر؟ اول شروط الشعر ان يكون الشاعر مثقفا بثقافة عصره ملما بدقائق علومه واعيا بواقعه وعيا كاملا لان الشاعر يعبر عن العام لا الخاص وعن الكلى لا الجزئى وعن الباقى لا الزائل. لذا وجب ان يكون بفضل ثقافته الواسعة شاهدا على عصره بالاضافة الى انه بخلقه الدائم للعالم يكون فى مقدمة الباحثين عن واقع انسانى افضل. يقول ابن رشيق: " والشاعر ماخوذ بكل علم، مطلوب بكل مكرمة، لاتساع الشعر واحتماله كل ما حمل: من نحو، ولغة وفقه، وخبر وحساب، وفريضة واحتياج اكثر
هذه العلوم الى شهادته وهو مكتف بذاته مستغن عما سواه، ولانه قيد الاخبار وتجديد للاثار ... " (24)
وثانى الشروط الدربة التى هى باب الشعر (25) ومفتاحه هذا بالاضافة الى ضرورة الطبيعة الشاعرة التى بدونها لا يكون الشاعر شيئا يذكر. وبما ان الشعر يحمل رسالة ابلاغية ذات مضمون معين فان الشرط الثالث للشعر الجيد هو: الوضوح فى المقاصد والابتعاد عن التعمية واللف والدوران لان هذا بشوه رسالة الابلاغ الشعرية فلا يحصل التواصل بين الشاعر والجمهور وبالتالى لا يحصل النفع، باعتبار ان كل عمل بشرى هو فى النهاية لخدمة الانسان وتطوير اوضاعه.
يقول ابن رشيق: " واياك والتوعر فان التوعر يسلمك الى التعقيد والتعقيد هو الذى يستهلك معانيك، ويشين الفاظك، ومن (اراد) معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما فان حق المعنى الشريف اللفظ ... وكن فى احدى ثلاث منازل: فان اولى الثلاث ان يكون لفظك رشيقا عذبا ... ويكون معناك ظاهرا مكشوفا وقريبا معروفا: اما عند الخاصة ان كنت للخاصة قصدت، واما عند العامة ان كنت للعامة اردت والمعنى ليس يشرف بان يكون من معانى الخاصة وكذلك ليس يتضع بان يكون من معانى العامة ... وانما مدار الشرف مع الصواب واحراز المنفعة ... فان امكنك ان تبلغ من بين لسانك وبلاغة قلمك ولطف مداخلك، واقتدارك فى نفسك على ان تفهم العامة معاني الخاصة وتكسوها الالفاظ المتوسطة التى لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الاكفاء فانت البليغ التام " (26) فالشعر المعقد هو شعر فاقد لرسالته الابلاغية وبالتالى هو من قبيل الزبد الذى يذهب جفاء وقد قال بعض العرب القدامى " شر الشعر ما سئل عن معناه " (27)
والشرط الرابع للشعر الجيد هو ان يتكامل الشكل والمضمون في الشعر او اللفظ والمعنى كما يسمى ذلك ابن رشيق الذي يقول: " اللفظ جسم، وروحه المعنى، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم، يضعف بضعفه، ويقوى بقوته فاذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصا
للشعر وهجنة وعليه كما يعرض لبعض الاجسام من العرج والشلل والعور وما أشبه ذلك من غير ان تذهب الروح وكذلك ان ضعف المعنى واختل بعضه كان للفظ من ذلك اوفر حظ كالذى يعرض للاجسام من المرض بمرض الارواح ولا تجد معنى يختل الا من جهة اللفظ وحريته فيه على غير الواجب قياسا على ما قدمت من ادواء الجسوم والارواح فان اختل المعنى كله وفسد بقى اللفظ مواتا لا فائدة فيه ... وكذلك اذا اختل اللفظ جملة وتلاشى لم يصح له معنى لانا لا نجد روحا فى غير جسم البتة " (28)
فالشكل والمضمون فى الشعر كما هو في الادب عامة مرتبطان ارتباطا كليا الشئ الذى يجعل اختلال احدهما يخل بالآخر مما يجعل الرسالة الابلاغية منقوصة على ان المهم فى هذا كله هو نظرة العرب التطورية للشعر والفكر عامة.
فظروف الحياة تختلف من مكان الى مكان والاوضاع البشرية متميزة عن بعضها بعض واساليب التفكير والتعبير تختلف من مجتمع الى آخر حسب اختلاف الحضارة وخصوصياتها ولهذا لا بد ان يتاقم الشعر مع المناخ الاجتماعى والحضارى ليكون مرآة العصر يقول ابن رشيق راويا هذا الرأى عن عبد الكريم بن ابراهيم:
" قد تختلف المقامات واللازمنة والبلاد فيحسن فى وقت ما لا يحسن فى آخر، ويستحسن عند اهل بلد ما لا يستحسن عند اهل غيره. ونجد الشعراء الحذاق تقابل كل زمان بما استجد فيه وكثر استعماله عند اهله بعد ان لا تخرج من حسن الاستواء، وحد الاعتدال وجودة الصنعة ... " (29)
فالعرب من خلال رأى ابن رشيق نلاحظ انهم أحاطوا بالشعر وبخصائصه ومفاهيمه وحددوا الصورة والمعنى وقننوا قوانين لغوية تمثلت فى البلاغة، وقوانين موسيقية تمثلت فى العروض واشترطوا شروطا فى الشعر الجيد وفى الشاعر المبدع وعلى أساس كل ذلك كان نقدهم وتصفيفهم للشعر والشعراء.
ولكنهم رغم اعتدادهم بشعرهم لم يربطوا عملية الخلق الشعرى بقوى الابداعية انما قيدوا الفن بظروف العصر الذى يعيش فيه الشاعر وظروف الحضارة التى تؤثر فيه. فكانوا بدلك تقدميين بفكرهم وكانوا بذلك روادا لم نستطع الى يوم الناس هذا مجاراتهم.

