بين الحين والآخر تكشف لنا الايام عن نظريات فى تاريخ المغرب كانت الى الامس القريب تعتبر فى عداد الاسرار الدفينة الامر الذى يؤكد ان تاريخنا بحق لم يكتب كما يجب بل قد ناله فى بعض المراحل كثير من التزوير والتحريف وهكذا فمنذ زمن غير بعيد طالعنا الاستاذ ليفى بروفنصال بنظريته حول تأسيس مدينة فاس استنادا على وثائق فيها النقول العربية وفيها بعض القطع النقدية ، هذه النظرية التى تتلخص فى ان بانى عدوة الاندلس من فاس هو ادريس الاول بينما كانت عدوة القرويين من عمل ادريس الثانى.
وطالعتنا بعد ذلك عمليات التنقيب التى قام اساتذة آخرون امثال ماسلوف وطيراس فى جهات متعددة من المغرب ومنها جامع القرويين على حقائق أخرى كانت الى هذا الوقت خفية على كثير ممن يعنون بالتاريخ ، على ان بين مؤرخينا المغارية انفسهم " وفيهم طائفة تمتاز بالمصابرة والمثابرة فى البحث " طالعونا " ومايزالون " على دفائن اخرى جديرة بالتنويه والاشادة واذكر من هؤلاء على الخصوص الاساتذة محمد الفاسى والمختار السوسى وعبد الله كنون ومحمد داود وعبد العزيز بن عبدالله ومحمد التطوانى ومحمد المنونى ومحمد بن تاويت وامثالهم ممن توفروا على هواية تاريخية نافذة فراحوا يؤلفون وينشرون بيد ان كل هذه " الفتوحات " تحتاج دوما الى تضافر الجهود حتى تحتل مكانها بيد ان كل هذه " الفتوحات " تحتاج دوما الى تظافر الجهود حتى تحتل مكانها ولا أهدف بهذه المقدمة الى ان اثير الانتباه الى هذا " الفتح الجديد " بقدر ما اهدف الى تصحيح صفحات من تاريخنا المبكر . . ان كل اولئك الذين كتب لهم ان يزاولوا الدراسات التاريخية بصفة عامة وتاريخ المغرب بصفة خاصة يذكرون جيدا ان ابن ابى زرع فى القرطاس والجزئائى فى زهرة الآس وابن خلدون فى تاريخه وسائر من تبع هؤلاء يجمعون على ان مسجد القرويين بمدينة فاس بنى سنة 245 بمطالعة العاهل الادريسى يحيى الاول ، وان ام البنين فاطمة الفهرية التى تطوعت ببنائه ظلت صائمة الى ان انتهت اعمال البناء وصلت فى المسجد شكرا لله . . هذا من جهة ومن جهة اخرى فان كتب التاريخ تطبق " ولا اقول تكاد تطبق ! " على انه لما توفى ادريس الثانى قام بالامر بعده ابنه محمد بعهد منه اليه وان هذا الاخير لما ولى قسم بلاد المغرب بين كبار اخوته باشارة من جدته كنزة فاختص كل منهم بجهة وكان من بينهم داود بن ادريس الذى استأثر باقليم تازة ، ورددت الكتب بعد ذلك صدى " الفتنة " بين بنى
ادريس على اثر هذا الاقطاع لكنها لم ترجع بحال لذكر داود لا فى عداد الثائرين على السلطة المركزية ، ولا فى عداد الذين قاموا بتهدئة الثورة . .
تلك هى الحقائق التى حفظناها لكننا اليوم امام وثيقة ساعدت الى حد كبير على معرفة مدى صحة تلك " الحقائق"
نحن الآن امام لوحة نقشت على عهد الادارسة انفسهم عثر عليها فى واجهة القبة الرابعة عند البلاط العمودى من جهة العنزة ، اى فى منتهى " البلاطات الاربعة " للقرويين الاولى . . .
لقد اكتشفت مدفونة فى الجبس تحت كثافة سبعة سانتيميترات تقريبا ، مكتوبة بالخط الكوفى العتيق وهى ولو ان طائفة من حروفها منهوكة ومتعية غير انها مقروءة فى الجملة ولم يفت منها الاقدر يسير من اولها وآخرها ، هي لوحة من طول اربعة ميترات واربعة وسبعين سانتيميترا ولكنها ليست عريضة اذ ان سعتها لا تصل الى عشرة سانيميترات ، لقد حملت الينا " فيما حملت" تاريخ بناء القرويين اعنى شهر ذى القعدة من سنة ثلاث وستين ومائتين ثم هى اى اللوحة المذكورة تحمل سرا ثانيا يفوق الاول ذلك انها تنصف عاهلا ادريسيا اضطرت الكتب لذكره فى جملة عابرة على انه عامل لاقليم تازة مع انه كان السلطان الشرعى على عاصمة الملك فاس فى هذه الفترة " الغامضة" التى عاشها المغرب اثر توزع الامر بين بنى ادريس . . هذا العاهل هو الامام داود ابن ادريس الذى كان بالامس صاحب تازة لقد نقش على هذه اللوح اسمه على النحو التالى " مما امر به الامام اعزه الله داود بن ادريس ابقاه الله ونصره نصرا عزيزا . . "
" ذى القعدة من سنة ثلاثة ومائة سنة ، الامام اعزه الله داود بن ادريس "
ترى كيف يكون موقف المؤرخين امام هذه النقوش التى احتفظت بالحياة منذ احد عشر قرنا ؟ نحن الآن بين كتب حبرت على عهد بنى مرين فى القرن السابع الهجرى وبين هذه الوثيقة التى نقشت على عهد الادارسة فى القرن الثالث الهجرى ، فايهما كانت جديرة فى نظر المؤرخ الامين بالنظر والاعتبار؟ لاشك عندى فى ان احدا من المنصفين لا يتردد فى ترجيح هذه الوثيقة ومنحها الاسبقية على غيرها اولا لانها كتبت فى نفس العصر الذى نتحدث عنه ، وثانيا لانها تاريخ خام لم يلحقه تاثير ما من قبل جهة ما . . . وليس بالراجح فى نظرى ان نحاول الجمع بين رواية المصنفات ومدلول هذه اللوحة فندعى ان اعمال البناء ابتدأت سنة 245 واستمرت الى سنة 263 ، اى ان يحيى الاول بداها وأتمها عمه داود وتكون فاطمة بهذا ظلت صائمة ثمانى عشرة سنة . . ذلك لان المصدر التاريخى اولا يخذلنا ثم ثانيا لان مسجدا لاتصل مساحته الى الف ميتر مربع لا يمكن ان يتطلب هذه السنين الطوال بالرغم من حالة الجفاف التى تعرضت لها البلاد فى هذه الاثناء ، وبالرغم ايضا من الطريقة التى سلكتها فاطمة فى بناء المسجد ، والتزامها " تحريا " ان تستخرج كل مواد البناء من نفس البقعة . . .
بقى اذن ان نتمسك بصك منقوش على عهد الادارسة يحمل الاسم والتاريخ وان نلقى على كاهل " القرطاس " والآس " والعبر " تبعة ما نقلته عن غيرهم وفى الناس فريق قد يتمسك باسم فاطمة القيروانية كمؤسسة ولو ان اللوحة استعاضت عنها بالامام داود وذلك استئناسا من هذا الفريق بكون الشعوب قد تقوم بالمشاريع وترجو الى الملوك تبنيها تقديرا لهم وتكريما لمقامهم بيد ان عدم توفرنا على ترجمة مدققة لفاطمة من جهة ، وعدم نص المصادر على هذا التأويل " الجديد " من ناحية ثانية لا يساعد على الاطمئنان . .
بقى بعد هذا امر آخر لانرى مناصا من اثارته هنا . . . وذلك مملكة داود ؟ اين مبدؤها واين نهايتها ؟ ومتى امتد سلطان داود من تازة على فاس؟ ومتى انتهى ؟ ان التاريخ " كما سبق ان قلت " بخل على داود بن ادريس بأكثر من سطر لم يتجاوز عشرة سانتيميترات ! فكيف يمكن ان نتصور الامور على ضوء الاحداث ؟ بعد وفاة ادريس وزع ولى عهده محمد بلاد المغرب على " الثمانية الكبار " : عيسى والقاسم وعمر وداود الخ . ويحفظ التاريخ ثورة عيسى وتمرد القاسم كما يحفظ لعمر امتثاله لامر اخيه محمد لتهدئة الثورات والتاريخ بعد هذا سكت عن بقية الاخوة الذين ظلوا محتفظين بولائهم محترمين
لعهودهم . . . وبعد وفاة محمد هذا كان ولى عهده هو ولده على الذى لم يبلغ من العمر عشر سنوات والذى توفى مبكرا سنة 234 بعد ان عهد لاخيه يحيى الذى عرف بهوايته المعمارية والذى تنسب لايامه جامعة القرويين ، وتوفى يحيى الاول هذا فى وقت مجهول لياتى بعده يحيى الثانى الذى عرف بخلقه المائع والذى يجهل طبعا تاريخ توليته وتاريخ انسحابه من الحكم ، وبعد هذا تاتى " دولة " على بن عمر ادريس الذى جهل ايضا تاريخ توليته وتاريخ انتهائها !
اريد ان اتصور ان امر هذين الملكين : يحيى الثانى وعلى بن عمر " وامر توليتهما بدءا وختاما معلوم ! " لم يكونا شيئا يذكر وانما كان عمهما الذى يكبرهما سنا ويفوقهما حصافة فى الراى والذى كان فى عداد المتزنين الذين احتفظوا بمراكزهم اقول هذا العم كان هو المسيطر الحقيقى فى هذه " الفترة الغامضة الى ان تربع على الكرسى الملكى يحيى الثالث الذى اغتيل سنة 292 كان هو المسيطر والا فبماذا نفسر امره ببناء مسجد كمسجد القرويين سنة 263 وبأى ميزان نزن عبارة الوثيقة الهامة : " ابقاه الله ونصره نصرا عزيزا "
الخلاصة ان القرويين بنيت سنة 263 وليس سنة 245 ، وان بناءها تم على عهد الامام داود بن ادريس وليس على عهد يحيى بن محمد بن ادريس . وشئ ثالث من خلال هذا فان داود كان فى عداد الملوك الادارسة المبرزين الذين شيدوا وبنوا وليس فقط عاملا عاديا من عمال أخيه على الناحية الشرقية لمدينة فاس

