الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

نظرية جديدة في اللغة عند ، البشير بن سلامه

Share

فرحت وأنا اقرأ للاستاذ الكبير البشير بن سلامه كتابه الجديد (( نظرية التطعيم الايقاعى فى الفصحى )) ، لان الكتاب يثير بعمقه ، وجدة أفكاره ، ودقة منهجه ، وسلامة بحثه ، قضايا لغوية خطيرة ، ويدعو الى فكر لغوى مستنير ، ويحرك الجمود اللغوى الذى نعايشه الى أفق رحب تشرق فيه شمس التطور والتجديد والبناء والحركة ، ولان الكتاب جاء فى وزن مؤلفه الفكرى والادبى المستنير ، ويخطط لحياة لغوية جديدة .

ماذا يقول مؤلف الكتاب الاستاذ البشير بن سلامه ؟ وماذا يعنى بنظريه التطعيم الايقاعى فى الفصحى ؟ .

يقول المؤلف : (( ان كل عبقرى اضفى على الجملة العربية نمطا جديدا غير به ايقاع صياغته ونظامها ، فانه قدر فى الحقيقة على اقحام لهجته العامية المحلية فى الفصحى ، وتطعيم صوغه لها بهذه الايقاعات من كلامه ؟ ومعنى هذا ان امثال ابن المقفع والجاحظ والبديع والتوحيدى وابن خلدون وأبى نواس وأبى العتاهية والشابى ومحمود المسعدى وغيرهم قد طعموا شعرهم أو نثرهم بايقاعات لهجاتهم المحلية بدون ان يشعروا بذلك ، لقدرة حباهم الله بها لان اللغة العربية الفصحى باعجازها وطاقتها الكبرى قادرة على الديمومه والاحتفاظ بعبقريتها الكاملة فى نحوها ، مع الارتباط بواقع أهلها المتحول المتحرك الذى تعتبر اللغة المحلية جزءا منه ، يحمل خلاصة الحياة المعيشة ، ويترجم عنها حق الترجمة ، ولكن تبقى الفصحى دائما هى القادرة على السمو بذلك الواقع ، وتلك الحياة . وهذا سر من أسرار بقائها .

ويؤكد الاستاذ البشير بن سلامه انه لا يدعو بتلك النظرية الى العامية ، ولا الى الاستعاضة عن الفصحى بلهجة من اللهجات ، بل ان هذه النظرية تسد الباب على كل من يدعو الى العامية ، لانها تثبت ان الفصحى قادرة على امتصاص حيوية اللهجات للسمو بها . ويدعو مفكرنا الكبير الى دراسة اللهجة المحلية للكاتب العبقرى ، او الشاعر المبدع ، من حيث ايقاعاتها ونظامها ، ثم يبحث فى أدبه عن هذه الايقاعات .

ومن أجل ذلك بعرض أدينا الاستاذ البشير بحثه الذى فكر فيه طيلة خمس عشرة سنة ، والذى سيقلب - حينما يجد التطبيق العلمى عن طريق المخابر - الكثير من المفاهيم اللغوية المعروفة فى الشعر والنثر .

لقد درس الباحث تطور الجملة العربية عند المولدين ، فعرض لخصائصها عند عبد الحميد الكاتب وابن المقفع ، وفى شعر بشار وأبى نواس ، فابن المقفع مثلا يحول الاسلوب من مجرد جمل معطوفة بسيطة الى جمل مركبة متشعبة لا تكاد تنتهى . ولا ريب ان تطور الجملة العربية الفصحى عند المولدين ناشئ عن تأثير لغات هؤلاء الكتاب والشعراء ، وهى لغات تأثروا بها لانها اللغات الأم ، وهى بنفسها تمازجت مع اللغة السائدة للكلام وهى العامية ، وأضفت على كتاباتهم شعرا ونثرا موسيقى جديدة وايقاعات جديدة تطورت على أساسها الجملة العربية الفصحى .

ومن أجل ذلك يرى الاستاد البشير بن سلامه العمل على التقريب بين الشقة التى تفصل بين الكلام واللغة ، والحد من التفاوت بين الفصحى والعامية ، من أجل الظفر باللغة المثلى فى تمازجها مع الحياة ، وذلك ما كان طه حسين ينادى به ، ويرى للوصول اليه ضرورة تيسير الكتابة والقراءة أولا وتيسير النحو ثانيا للتحرر اللغوى من سلطات الذاكرة وخلق نثر جديد ، وكان القرآن الكريم حدثا لغويا باخراجه العرب من سلطان الذاكرة الى عالم النثر الحقيقى .

ويدرس باحثنا الكبير العوامل التى أثرت فى لغة طه حسين النثرية : من المواءمة لروح العصر والحرص على الطابع المصرى والشخصية المصرية ، والتمسك بكل ما يمس عبقرية اللغة ونحوها وايقاعها والتجاوز المطلق الشامل المفتوح على المستقبل .

ولهذا بحث الكاتب الكبير تطور الجملة العربية فى الادب الافريقى ، ووازن بين لغة ابن رشيق ولغة أبوليوس المفكر الافريقى القديم الذى كان يتصرف فى اللغة اللاتينية تصرفا مطلقا ، ويؤكد المؤلف ان كل عباقرة العربية الفصحى ، ممن بزوا غيرهم فى ميدان الخلق الادبى ، لم يخلدوا فى مجال الادب ، ولم يكتب لاثارهم البقاء ، ولم تكن اضافتهم اللغوية ذات خطر ، الا لانهم عرفوا كيف يضمنون لغة الخلق عندهم أجمل ما فى لغتهم العامية من ايقاعات ونبضات ونبرات وشحنة موسيقية من دون أن يدخلوا الضيم على الفصحى ، أو يمسوا عبقريتها .

ويرى ان القدماء مع جهودهم الكبيرة فى استقصاء أسرار العربية ، وضبط قوانينها ، ومع اهتمامهم بالالفاظ وظواهر تغيرها ، وذهابهم الى جواز القياس والى الاشتقاق والقلب والابدال والنحت والارتجال والاقتراض ، لم يولوا الجملة ونواميس تغيرها نفس العناية ، لا من حيث التراكيب بل من حيث موسيقاها وايقاعاتها وبما يجعل الجملة متعانقة مع الحياة الحية ، معبرة عن حركة الواقع وتموجاته ، منطلقة الى القفز فى مجاهل المستقبل .

ويبحث الاستاذ البشير بن سلامه ضوابط الايقاع بصورة مجملة ، ولكنه فى الوقت نفسه ينادى بدراسة تطور الايقاعات فى الجملة العربية من حيث الاسلوب والشكل عند الكتاب الخلاقين خلال العصور المتعاقبة ، بعد ان بدأ بعض الباحثين من عرب ومستشرقين مثل بلاشير فى وضع قواميس لضبط تطور معانى الكلمات العربية .

كما يرى ضرورة التجديد اللغوى القائم على الاستيعاب للتراث العربى الاسلامى ، والتمسك باللغة الفصحى وأصولها ، ومع الارتباط بالشخصية وبالثقافة القومية ، وملاءمة روح العصر التقاء بالانسانية عامة ، وابتكارا لاشياء جديدة .

ان هذا الكتاب الصغير الحجم ، الكبير المضمون ، الذى يحمل نظرية جديدة فى اللغة ، هى نظرية التطعيم الايقاعى فى الفصحى ، لجدير ان يأخذ مكانه فى مجال البحوث اللغوية واللسانية الجادة ، ليسير البحث اللغوى على هداه الى خطوات أوسع ، وميادين أرحب ، ولتنال الفصحى - بهذا التجدد والتأثر والتأثير - مكانها الرفيع الخالد دائما بين مختلف اللغات العالمية .

والاستاذ البشير الذى بدأ اتجاهاته الى الادب والكتابة والشعر مند عام 1947 وهو فى السادسة عشرة من عمره ، والذى أثار من قبل قضية اللغة  ومشكلة الكتابة فى كتابه القيم (( اللغة العربية ومشاكل الكتابة )) الصادر عن الدار التونسية للنشر عام 1971 ، والذى اختار دائما الفصحى لغه للادب الرفيع ، والفكر المتجدد ، اذ لم تكن الفرنسية له الا أداة لاثراء كتاباته بالفصحى محتوى ومنهجا ، ينادى دائما بأن الفصحى فى جوهرها هى لغة شعبية تطورت على أساس انها لغة الحياة ، وان اللغة وخاصة الفصحى لم تتطور بالالفاظ والمعانى فحسب ، بل بالايقاع الذى لم يعتبره القدماء أمرا هاما ، وأصبح اليوم مسألة جوهرية فى علم اللسانيات الحديث .

مرحبا بالكتاب ، وتقديرا لمؤلفه على هذا البحث العميق الجاد ، الذى وصل الى نتائجه بعد تفكير دقيق طوال خمسة عشر عاما ، وسوف يثرى البحوث اللغوية ولا ريب ، وسينهض باللغة ويسمو بمستواها الى المنزلة اللائقة  بمكانتها كلغة انسانية عالمية ، وكلغة حملت رسالة سماوية جليلة ، هى القرآن الكريم .

اشترك في نشرتنا البريدية