تتعامل اللغات فيما بينها كما يتعامل الاشخاص من ذلك انها تستعير الالفاظ من بعضها وتتأثر تراكيب الواحدة بتراكيب الاخرى ولا يعد ذلك نقصا فى اللغة الآخذة ولا كمالا فى اللغة التى أعطت وانما تلك ظاهرة طبيعية بين اللغات الحية فى العالم .
واللغة العربية مثل سائر اللغات دخلت فيها منذ القديم ألفاظ غير عربية الاصل أطلق عليها علماء اللغة عبارة » الالفاظ الدخيلة « وقد اهتم أيمة اللغة بهذه الظاهرة خاصة في القرن الثاني للهجرة عندما اعتنى العرب باللغة وضبطها وتحديد الفصبح منها وقد تعرض الايمة فى نطاق دراستهم للقرآن الى كلمات مثل : » زنجبيل « و » سجيل « و » سلسبيل « لم يستطيعوا ارجاعها الى أصلها اللغوي وايجاد صيغة صرفية لها فاختلفوا فى أمرها فمن قائل : انها اعجمية ومن قائل : بل هي عربية محتجا بقوله تعالى فى القرآن إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون « ( 1 ) ومن قائل أخيرا : انها اعجمية الاصل ولكنها اصبحت عربية فصيحة بالاستعمال واندماجها فى اللغة ، وهكذا ظهر عند أيمة اللغة والمفسرين مشكل عرف بمشكل الدخيل ويمكن من خلال اقوال الايمة المختلفة أول الامر ثم المتفقة بعد ذلك فى الامور الجوهرية استخلاص نظريتهم فى مشكل الدخيل وبسطه بايجاز قبل ابداء رأينا فيها .
استقر رأي أيمة اللغة العربية أخيرا على أن الدخيل من الالفاظ الاعجمية موجود فى القرآن وفي كلام العرب عامة ولما كانوا ــ وهم يجمعون اللغة ــ
ميزوا بين الالفاظ فعدوا البعض منها فصيحا والآخر غير فصيح وأصروا على الاحتفاظ بالفصيح وجمعه على حده فى معاجم خاصة ، شعر القوم بحاجة الى معرفة ما دخل اللغة العربية وانتشر فى مؤلفاتها من ألفاظ أجنبية ولهذا كتب الايمة فى المعرب وأفردوا له معاجم خاصة أيضا وكان لا بد من وضع طرق ومقاييس لمعرفة الدخيل والمعرب فكان أن توصلوا الى تلك المقاييس التى اوردها الخفاجي والجوالقي في مؤلفيهما وهي سبع طرق ( 1 ) تتلخص فى طريقتين اولاهما : الرواية وهي ان ينقل بعض الثقاة ان كلمة ما اخذت من لغة كذا وثانيهما : خروج اللفظ عن الاوزان العربية او استحالة اجتماع بعض الحروف فى اللفظ العربى الفصيح . . ومعيار الفصاحة عندهم هو خلوص اللفظة من تنافر الحروف والغرابة فلا يعسر النطق به .
وقد قسم الايمة الدخيل الى ثلاثة أقسام : قسم أول غيرته العرب وألحقته بأبنية كلامها فاصبح عندهم بمنزلة الفصيح مثل : » ديوان « و » درهم « وقسم ثان غيرته العرب ولم تلحقه بأبنية كلامها فلا يعامل معاملة الفصيح نحو » آجر « و » سمسار « وقسم ثالث لم يعربه العرب ولم يلحقوه بأبنية كلامها وأوزانهم فبقى على حاله فلا يعامل معاملة الفصيح ولا يعد معربا بل اتفقوا على نسميته دخيلا نحو : » ابراهيم « .
هذه بايجاز نظرية الايمة فى مشكلة الدخيل فما هى قيمة هذه النظرية ؟ وما هو مدى مسايرتها لمعطيات العلم الحديث ؟
لقد تفطن الايمة الى وجود الدخيل فى العربية بل أقروا به ، وما اعتناؤهم به والتصنيف فيه الا اثبات لوجوده واقرار به وهذا شئ محمود في حد ذاته بالمقارنة بما صدر عن بعضهم في أول الامر من انكار وجود ألفاظ أصلها اعجمي فى القرآن . . . كذلك وضع هؤلاء الايمة مقاييس لمعرفة المعرب خطوة حميدة لدراسة الدخيل . . . الا ان نظرتهم الى مشكل الدخيل كانت نظرة ضيقة جدا، فالدخيل فى اللغة كما نعرف اليوم ظاهرة لغوية عامة لا يمكن ان تسلم منها لغة من اللغات الحية ، فكما ان الامم والشعوب تتصل بالشعوب المجاورة لها وتتأثر بها ، كذلك الشأن فى اللغات الحية تتفاعل فيما بينها وتتبادل الالفاظ والتراكيب وربما الصيغ حسب وتيرة تقوى او تضعف باعتبار متانة الصلات
بين الشعبين صاحبي اللغتين . . وقد غاب عن أيمة اللغة العربية هذا التعامل اطبيع بين اللغات ثم انهم لم يتعرضوا الى مشكل الدخيل باعتباره حادثا لغويا عاما وانما تعرضوا له من جانب محدود اذ ركزوا اهتمامهم على مسألة ضئيلة تخص لغتهم ألا وهي وجود كلمات بل اسماء غير عربية فى لغة الضاد وتعرضوا للقضية عند دراستهم للقرآن واعتنائهم بكتاب دينهم ولدك لم يفردوا للدخيل بحثا لغويا خاصا كما يفعل اللغويون اليوم وهذا سبب كاف يفسر نظرتهم الضيقة الى المشكل .
ومما يلاحظ أيضا فى دراستهم للدخيل عدم شمول عنايتهم بالموضوع اذ ل يعتنوا الا بالاسماء فى حين يكون الدخيل فى الاسماء وغير الاسماء لكن لعلل ما يبرر ذلك هو قلة الدخيل فى الافعال نسبيا وربما لم يوجد شئ منه فى القرآن .
ثم ان الايمة العرب لم يعتنوا الا بالالفاظ التى شعروا بعجمتها اعتمادا على مقابسهم بينما توجد بعض الالفاظ لا اثر للعجمة فيها وهى فى الحقيقة أعجمية ولكنهم يدرسوها وهذا ناتج عن عدم تعمقهم فى دراسة المسألة وعن عدم معرفتهم اللغات الاخرى اذ كان الكثير من هؤلاء لا يعرف الا العربية وقليل منهم يعرف الفارسية او اليونانية او السريانية فبقيت دراستهم غير متعمدة على المقارنات ومفتقرة إلى التحري العلمي ويقيت في نطاق العربية فقط وهكذا يمكن أن نقرر بأن بحثهم لم يكن بحثا علميا بالمعنى المتعارف عليه اليوم اذ من خصائص العلم الشمول والتعميم فى القوانين . . . ولكن ليس من الصواب ان نبالغ فى نقدهم ولومهم ذلك ان غايتهم الاولى من اعتنائهم بالدخيل هى التمييز بين ما هو فصيح وغير فصيح في اللغة ومنه الدخيل . وقد قال الجوالقى فى مقدمة كتابه » المعرب « : » هذا كتاب نذكر فيه ما تكلمت به العرب من الكلام الاعجمي ونطق به العرب والقرآن المجيد . . . ليعرف الدخيل من الفصيح « .
وان تقسيم اللغة الى فصيح وغير فصيح واعتبار الدخيل من غير الفصيح لينطوى على كثير من التعصب القومى للغة العربية ، تعصب من يعتقد ان لغته أجمل اللغات ، فهذا التعصب من جهة والشعور الديني القوى الذى يغذى هؤلاء الايمة كان من شأنه ان ضيق نطاق اللغة اذ كان الايمة يتحرجون من الدخيل فى حين كان يحسن لهم تقبله بصدر رحب بما ان العرب قد نطقت
باللفظ فقد أصبح من لغتها ولا مبرر لعدم اعتبار هذا اللفظ الدخيل على قدم المساواة مع الالفاظ الاخرى .
ولنقل أخيرا كلمة عن المقاييس والطرق التى اعتمدها هؤلاء العلماء القدامى لضبط الدخيل : ان الاعتماد على مقاييس لضبط الاشياء أمر محمود لانه عنوا الالتزام بنظام معين هو أساس البحوث العلمية عادة ولكن لا بد مع ذلك من حسن تطبق المقاييس للحصول على النتائج السليمة. . . ويبدو لى أن علماءنا لقدمي في ميدان اللغة لم يوفقوا أحيانا فى استعمالهم مقاييسهم المذكورة بالمعيار الصرفي مثلا لم يعتمدوا عليه الاعتماد الصحيح بما ان الكلمات قد تغيرت بالتعريب وأخذت شكلا آخر يخالف أصلها عندما دخلت العربية ونطق بها العرب . والمقياس الثاني الذي ينص على استحالة اجتماع بعض الحروف فى كلمة عربية والذى اعتمده اسلافنا يمكن نقده من أساسه اذ الفصاحة قروها مسقا . . . وقد اهملوا المعيار التاريخي وهو هام جدا ويقتضى معرفة عميقة بالتاريخ والجغرافيا . . . وفى بعض الحالات لا يدلنا الا المعيار التاريخي على ان كلمة من الكلمات دخيلة وأما المعيار الصوتى ـــ وان وجدنا له اثرا فانه منعدم فى الغالب لانه يتطلب معرفة دقيقة لعدد كبير من اللغات وأصولها فقد يكون لمجموعة من اللغات أصل واحد لذلك تشترك فى بعض الالفاظ دون ان تكون اخذت الواحدة من الاخرى ودون ان تكون هناك عملية » دخيل « .
وهكذا فان مشكل الدخيل مشكل عويص جدا يقتضى الالمام به تبحرا فى العاوم ولم يكن هذا متوفرا لايمة اللغة العربية فى ذلك العصر ونحن مع قرارنا بالفوائد الجمة التى نجنيها من بحوثهم نميل الى الاقتناع بأن نظرتهم فى مشكلة الدخيل نظرة ضيقة اقتضتها ظروف تاريخية واجتماعية لا سيما ان المشتغلين بهذه القضية كانوا من قراء القرآن ومفسريه ممن يعتقدون ان العربية أفضل اللغات فى حين يقتضى البحث العلمى التخلص من مثل هذا الاعتبارات العاطفية . .
ان البحوث والدراسات الحديثة فى ميدان الالسنية وعلم الاصوات وما تسلح به علماء اليوم من تقنيات حديثة وآلات وأجهزة مع استغلال التعاون بين الخبراء في مختلف حقول المعرفة كل ذلك قد أتانا بعلوم ثابتة نطمئن اليها ونباركها وانه من التعسف بمكان ان نطالب أيمة اللغة القدامى بأن يأتونا فى ذلك العصر المبكر بمثل هذه العلوم الصحيحة . . .

