ما انفكت القصة القصيرة تثير التساؤل لا من قبل النقاد - وهم كما نعلم في حاجة مستمرة الى التاطير والتحديد - بل من الكتاب انفسهم وممن يمارسون منهم فن الاقصوصة بالذات . ذلك ان الاعمال الروائية اثبتت بما فيه الكفاية أنها كثيرا ما تكون مطبوعة بطابع الغرور والاعتداد عندما يبلغ الطموح ببعضهم مبلغ الادعاء بان فى امكانه أن يعرض فى روايته لكل شئ وان يحيط بكل دقيقة ويجمع كل شتات ويضم الحياة بما حوت ويغطي احداثها ويسبر اغوارها ومكنوناتها فى طيات كتاب.
والى جانب هذا الزهو الذي لا حدود له وعلى نقيضه تماما يبرز التواضع الذي يتحلى به كتاب القصة القصيرة فى غير افتعال ولا تكلف . فكأنما الاعتدال سجية من سجايا هذا الفن من فنون التعبير - وهي كثيرة - الذي هو بحق فن السكوت لانه فن الايجاز.
لكن التونسيين لم ينصفوا كتاب القصة القصيرة انصافا يخرجهم من ظلمة المغمورين فيبوؤهم بعضا من المكانة التى يستحقونها ... ونعلم انها مكانة لم يكتسبها بعد فى نظر " أساتذتنا المحترمين " من نقاد وحتى من مدرسين لا كتاب القصة ولا كتاب الرواية ولا كتاب المسرحية . . . الى عهد غير بعيد. التونسبون اذن لا يعترفون بقيمة الايجاز . والاقتضاب فى نظرهم بتر والعبرة عندهم بالفيض بالكثافة بالسيول تنهمر ... اي بالروايات فى اجزاء وفي محلدات ... فى الثلاثيات والرباعيات ... فيما يملا العين ... يسمن وبغنى من جوع . عند الحاجة بطبيعة الحال . . . لان التونسي لا يقرأ كثيرا . . لكنه كمدمن الخمر بطالب بالعديد من الاطعمة ولا يصيب منها الا نزرا.
والحال ان القصة القصيرة " كالمزى اللبنانية " فيما قل ودل ... من شأنها أن تتلاءم مع الاذواق الميالة الى التنويع مع التوفير . . . فنحن فى عصر السرعة . . . ومن الكلام ما تطغي عليه الثرثرة.
القصة القصيرة فى نظرى هى فى نفس الوقت حكاية تروى ولوحة رسم بعبر بألوانها عن حالات نفسية ونبرات شعرية لقصيد لم يكتب . فاذا احتوت القصة على هذه العناصر جميعها كانت آية . . . وكتب لها ولصاحبها الخلود. وقلما يبلغ الكتاب عندنا - وعند غيرنا - هذه المرتبة . لكنهم يسعون وفى سعيهم ذاته معجزة . تتمثل فى توق الانسان الدائم الى محاكاة عملية الخلق الاولى . . . ونعلم ان الانسان من علق وان الكون وليد سبعة ايام ... لا سبعة اشهر ولا سبعة اعوام.
والقصة القصيرة عند اخينا العروسي المطوى ( 1 ) فى اختصار مشاهدها وتركيز الانطباع فيها وجزالة لفظها وقوة اسلوبها . وهو يرد الظاهرة المميزة بين ما كتب من روايات وما كتب من أقاصيص الى طبيعة كل من الانتاجين :
"فبقدر ما تكون الرواية تعنى بالتفاصيل والجزئيات تعنى الثانية باللحظة واللفظة دون ان تفقد الاقصوصة الشحنة الذهنية المعوضة حتى يكون لها من الايحاء ومن التأثير ما يكون للرواية أو القصة الطويلة . ولن يتم ذلك الا اذا كان للاقصوصة من الشحنات الموحية ما يعوض مكاسب الرواية في هذا المجال" .
نعود هنا الى الايجاز الذي قصده الجاحظ فى " بيانه وتبيينه " بالاشارة التى تغنى عن الكلام مقترنة بالخط اذ " القلم ابقى اثرا واللسان اكثر هذرا . واللسان مقصور على القريب الحاضر بينما القلم مطلق في الشاهد والغائب ".
أما رشاد الحمزاوى فقد ادرج تجاربه القصصية فيما سماه بادب " المحنة والبدعة " ويضيف الى تحديده هذا ان فى المحن والبدع المعروضة فى مجموعة - طرننو - تعيش وتربى الريش - "ما يفوق كل زعم وكل ادعاء يترك امرهما لاهل الذكر من مؤرخي الادب العربي بتونس "
هذا ما دفع بعض الكتاب التونسيين الى خوض مغامرة القصة القصيرة . . وانها لمغامرة بحق باعتبار ما يلاقية ممارسو هذا الانتاج من غبن ومن استنفاص وقد رأيت أن اعرض فيما يلى لبعض أقوال كتاب معاصرين فرنسيين عن القصة القصيرة . تيسسيرا لفهم الوضع عندنا بالمقارنة بما يجرى وراء حدودنا فى نفس المجال .
يرى مانديارق A . P . de Madiargues ان القصة القصيرة لها القدرة الكافية على وضع القارىء فى موقف يجعله يقبل كل شطط وكل افراط من حيث المضمون وكل التجارب اللغوية حتى ما شذ وابتدع من حيث الشكل والاسلوب . وهذا بالذات ما يميز القصة القصيرة عن الرواية ومانديارق لا يفصل " الحكاية المقضية " عن القصيد النثري وهو فى تآليفة يقتفي اثر الكثير من الكتاب الالمان والفرنسيين الذين ذاع صيتهم في القرن التاسع عشر . ويذكر من بينهم : هو فمان وارنيم ونرفال ومريمي وبالزاك وفلوبار . وينتمى فى فنة الى النزعة الرومنطيقية الابتداعية ويعتقد ان الكاتب عندما يشرع في انجاز مشروعه القصصى يحاول فى واقع الامر ان يحصل النفسة وبالتالى للقارئ على تأثر هو اشبه ما يكون بالشعور الذى يطغي على الانسان عند قراءة اثر محمس مهيج للنفس.
وتقول كورينا بيل Corinno Bille انها تؤثر كتابة القصة القصيرة علي كتابة الرواية لانها لا تتحمل الانتظار معمة الصبر برمة بطبيعتها . القصة القصيرة لانها لا تتطلب الكثير من الوقت . . . ثم انها تعتمد الصدمة وكل انواع المفاجآت . والكاتبة من طبيعتها ايضا ميالة الى الغريب والشاذ والمحير وكل ما يستعصى أو يستحيل حله والخروج منه بسلام .
اما بيار بوى- Pierre Boillle - وهو من عشاق الكتاب الانقلوساكسون وفي طلبعتهم جوزاف كونراد gosph conrad وايدقار بو poe Edgar - فانه اعتاد ان بدأ قصصه القصيرة من نهاياتها . بحيث يعلم مسبقا اى المقاصد يقصد واى السبل سيسلك . ولا يمنع ذلك أن يحتل عنصر المفاجأة فى آثاره - وبصورة عرضية تلقائية - مكانه بارزة وانه لا يفهم ولا يبر الظاهرة التى تكاد كونية والمتمثلة فى عزوف القراء عن القصة القصيرة واقبالهم المفرطر عل الرواية القصصية . ويلاحظ أن اليابانيين وحدهم يحلون القصة القصدة المكانة التى تستحقها . فهل يلبس اليابان عصرهم اكثر من سواهم؟ ربما ... لكن ما نعرف عنهم بصورة لا تدع مجالا للشك ... هو
انهم قوم رهيفو الشعور رقيقو الاحساس وانهم من عباد الانوار والالوان. هذه بعض الخواطر عن القصة القصيرة فى تونس وفي فرنسا وأعلم ان لكل رأيا فى هذا الفن الذى يأبى التحديد والتأطير . فنظرة الكتاب العرب المعاصرين ونظرة الامريكان أو الروس الى القصة القصيرة تجعلنا نجزم بصورة مطلقة قطعية أن لا مكان لاى مذهب ولاية طريقة ولاية معالجة مثلى فى هذا الفن المتصل أساسا بطبيعة كل فرد وبزاده الثقافي وبما يميز حضارة قومه وربما مناخ منبته ومحط رأسه .
فان ما يحبب الى شخصيا تعاطي " صناعة " القصة القصيرة هو انها قبل كل شئ حكاية لكنها حكاية لا يمكن الفصل فيها بين المعاني والكلمات التى نعبر عنها . فهي كالقصيدة الشعرية تتطلب الايقاع والتواتر والاتزان والتركيز والتوحيد والتركيب . أحبها لانها تفرض على صاحبها لغة حية دقيقة محسوسة ثابتة ولان ما تعبر عنه يطابق تماما طريقة التعبير عن المقاصد . ولانها خفيفة الروح لا تتحمل الحشو والزيد والفراغ الجامد ولانها لا تعبر بصورة مباشرة وشعورية مقصودة عن مشاغل كاتبها القارة ولا تفسر ولا تصرح الا بمقدار اذ تترك لكل قارئ حرية تحليلها حسب هواه وفي مستوى واقعه المعيش يوميا . أحبها لانها تعرض ما تحويه ككل لا يقبل التجزئة من شأنه أن ينفذ الى الشعور جملة لا تفصيلا . وأحبها لان باستطاعتها أن تدرك وتجعل الناس يدركون مدى ما فى الكون من تناقضات ومن عبث ومن الزامية ومن ابتذال ومن سخافات . . . من كل ما لا يليق ولا يشرف ولا يقبله عقل ولا يستسغيه منطق . فكل هذه النقائص والآفات تؤثر فى نفس الشاعر وتشحذ احساسه وتحفز خياله . لان الشاعر يمح التافه والضح والمكرور والمجرور ، كل كسر وكل علة .
أحبها لان شاعر يكره قيود الشعر فلا يكتب ما اعتاد الناس ان ينظموا من شعر . وأحبها لانى اعشق " الخرافات " التى كانت تملأ أسمار أهلي وأحبها لان النكتلة الطريفة ضرب من ضروب المطلق الذي يتناول الحياة بعنف وقسوة ويخلق المأساة .
واحب القصة القصيرة لانها تمثل ما فى الوجود من اشكال ومن مسألية ... والشك بداية اليقين والوجود فى الشك ولا يقين ..
والقصة القصيرة هى الملاذ الوحيد الذى بقى للنثر أن يلوذ به ليظفر بالطريف والغريب والطارىء سواء فى مستوى العلاقات الطبيعية العادية
( تشيكوف) أو فى مستوى الصراع الاقصى ( ساد ) أو فيما يتصل بخوارق الاحداث ومتاهات الاشباح وكل الاخاديع السمعية والبصرية . ( كافكا)
وهل من فن - سوى القصة القصيرة - يسمح لك بتحليل الحوار الداخلى الذي يجريه مع نفسه الفرد ساعة القنوط المطبق عند الشعور بذروة الفراغ وهو معلق بين الارض والسماء ورأسه الى أسفل والناس من تحته كالنمل في سعى لولبى شبيه بتموج الديدان على صدور الرمم ؟ وهل من فن - غير القصة القصيرة كان يسمح لرشاد الحمزاوى - مثلا - بتصوير الانسان البعوضة والعملاق فى نفس الوقت وهو يقف فى مهد الوادى الخرافى متصديا كالصنم المستمر فى اعماق الارض فاتحا فمه ملتهما النهر التهاما شافيا غليله من الغيث المتمنع ؟
فمتى ... متى يا ترى يفكر اساتذتنا المحترمون من نقاد ومن مدرسين فى ضم بعض القصص التونسية فى مجموعات تنقل فى مرحلة ثانية إلى اللغات الاجنبية الحية ؟

