نظمت " الجامعة الحرة " نقاشا ادبيا حول رواية " السد " للأستاذ محمود المسعدي ، شارك فيه نخبة من اساتذتنا : فتحية مزالي ، محجوب بن ميلاد ، الشاذلي القليبي ، الطاهر قيقة ، البشير العريبي ونظرا إلى قيمة هذا النقاش الادبي وإلى الاضواء التي يلقيها على رواية " السد " رأينا من المفيد ان ننشر كل ما دار فيه على علاته ، من غير حذف ولا زيادة رغم بعض هنات لا يخلو منها كلام مرتجل . ونحن اذ ننشر هذا الحوار على طوله فإنما نقوم بواجب نحو الادب السامي ونعبر عن كبير اعجابنا بهذا الاثر الفلسفي الادبي الخطير وعظيم تقديرنا للمؤلف . - الفكر -
فتح النقاش الاستاذ محجوب بن ميلاد بقوله :
لست أشك لحظة في اننا لو وضعنا امامنا اكداسا مكدسة جميع الآثار الادبية التي أخرجتها لنا ديار الطباعة العربية بالمشرق والمغرب معا منذ نصف قرن تقريبا ثم حاولنا ان ننتخب منها اثرا يكون في حين واحد ازكاها جوهرا واصفاها منبعا وابرعها اسلوبا وابدعها إنشاء واشدها جرأة واصدقها اخلاصا واقواها سحرا واقدرها على اغراء الفكر وعلى تحريك سواكن الاحساس الشرقي لما وجدنا اثرا واحدا تقدم على السد ، اقولها صريحة ومن دون تحرج وان ظن ظان انها صادرة عن فرط تعصب للادب التونسي الجديد او عن اجحاف بالادب المشرقي . فالسد فتح مبين في الادب العربي الحديث ، هو حري بأن يفتح عهدا جديدا يضم الى عهوده الزاهرة الغابرة ، هو اشارة بليغة الى سبيل من سبل البعث الحقيقي ، هو نفحة إحساس استجد ، وفكر استيقط ، وفن اطرف ، ولئن ظهر السد فلم يثر ما كان من المنتظر ان يثيره من ضروب النقد وألوان البحث وصنوف الجدال وانماط النظر فقد يكون ذلك راجعا الى ان ادباء العرب في اشغال شاغلة عن جوهرى الامور فى ميادين الفكر والفن والادب ، او الى انهم ما زالوا على سابق حالهم غرباء في مفاوز الطلب وفياقي التكدية الروحية ، ليس بينهم وبين غصص الفكر الانساني وصيحات اشواقه المحرقة اوهى صلة وادنى وشاجة ، وليس بينهم وبين الادب والفن سوى روابط البهرج اللفظي المعرب عن مألوف العوالم ومبتذل الاجواء ومجاج المعاني . فهل تريدون ان تنصت معا الى هذا الحوار البارع الذي يجري في صفحات السد بين مختلف ابطاله سواء أكانوا بشرا او هواتف او حيوانا او جماد ؟ هل تريدون ان نلج هذا العالم الذي يعرضه علينا الاستاد محمود المسعدي رجاء ان نغوض عن بعض اسرار روعته وان نستكشف بعض مقاصده ؟ هل تريدون ان نتعاون على استجلاء بعض المشاكل التى لا يمكن الا ان يصطدم بها القارىء كي نعينه على ادراك معانيه واكتشاف جوانبه وتذوق فنه ؟ ارى ان احسن طريقة هي ان ينظر كل منا في الجانب الذي لفت نظره واهتم به وكانت له كلمة فيه يريد ان يقولها . اظن ان السيدة فتحية مزالي سيكون لها كلمة تقولها لنا عن المرأة وعن دور المرأة في السند .
الاستاذة فتحية مزالي
يمكن للانسان الذي تهمه المشاكل النسائية ان ينظر اليها من زوايا مختلفة فيمكنه ان يتعمق في الابحاث العلمية من فيزيو لوجية ونفسانية وتاريخية او ان يأخذ في العمل ويصقل أفكاره وآراءه بمجابهة الواقع او ان يلتجئ ايضا للادباء منتظرا ان يجد عندهم تجربة صاحب الحس المرهف الذي تأثر بالواقع ولكنه لم يرض به وبالاحرى لم يرض بنظرة العامة اليه فيصوره لنا في اسلوب طريف مؤثر ، مصطبغا بصغة جديدة هي صبغته .
ويلتجيء الباحث الى الادباء طالبا منهم المعونة على فهم الوضعية البشرية وسبب شقائها ويبرز " السد " للاجابة .
ويخطر ببال القاريء أن غيلان يمثل الانسان العادي العاقل الفياض عزما وقوة ، وقد يعتبر ميمونة ممثلة لنفسية غيلان وشعوره وميارى لخياله واحلامه اذا اقتصر على الاشخاص الذين يبرزون لخياله في صورة بشرية من نساء ورجال .
فلا يظهر في القصة الا رجل واحد وهو غيلان لا صفات له ولا ثياب خاصة به فهو الانسان المطلق ممثلا لكل انسان وتتصور لنا امرأتان لكل واحدة منهما صفاتها الخاصة ومظهرها وثيابها ودورها الخاص في الرواية ، وهذا التخصص لا بد ان ينقص من قيمتهما كممثلتين أصيلتين للانوثة .
وبين انه لا قيمة لهما الا بالنسبة لغيلان ، فتتعرض الاولى لكل اعماله وتتجاسر على انتقاده لاحئة الى عظمة الآلهة والانبياء ، ولا تحلم في نومها الا " بالسد " موجهة اهتمامها كله الى مصير غيلان وعندما أضجرته وعجزت على متابعته انصرف عنها تاركها لبكائها مرفوع الرأس منصتا الى ميارى وانصرف يجادثها لانها تؤاسيه وتشجعه على متابعة احلامه وتحقيق أمانيه وهي لم تتعرض له في طريقه الا لمرافقته من دون جدال ولا نقاش ولكن غيلان لم يقدر على التخلص من ميمونة ويبقى السيد بين الامرأتين حتى تهدم السد فينطلق حينئذ مع ميارى .
هل صحيح انهما امرأتان ؛ عسير على المتفرج الذي قد يشاهد الرواية على خشبة المسرح يوما ان يدخله الشك في ذلك ولا بد ان يرى فيهما نماذج من النساء المعروفات لديه ويرسخ في مخيلته شخص ميمونة وضعفها وسلبيتها وميلها الى الاعتقاد في كل الخرافات مع شيء من العناد ، ويذكر من ميارى قلة التروي والسطحية وعسر ايضا ان يتصور المتفرج غيلان ممثلا للمرأة والرجل معا وان
يعتقد ان امرأتي الرواية ليستا الا جزأين من الانسان يكملان شخصيته !! واذا كان بالاخص يعتقد ان المراة مكملة للرجل بينما لا تحتاج هي الى الكمال ظن ان المؤلف اراد ان يصور الطبيعة البشرية كما هي .
ولو فرضنا نحن ان المؤلف أراد ان يصور الحقيقة كما يراها هو ، فهل يصح ان نقول انه تعرض الى نفسية المرأة بصفة خاصة ؟! يظهر بالعكس انه اكتفى باستخدام النساء في القصة لانه لا بد من دور للنساء فيها سواء كان دورهن دور الشيطان الوسواس أو دور الرقابة المضجرة المقلقة .
ولا يدل شيء على اعتبار غيلان ممثلا لنفسية البشر عامة نساء ورجالا فهو يتخبط في مشاكل الخلق والايمان ومنزلة الانسان بين المخلوقات ، فقوم صاهباء مثلا راضخون لآلهتهم نساء ورجالا اما غيلان فاذا اعتبر نفسه آدم قادرا على الخلق لا بد ان تخضع له المخلوقات فمن المتحتم ان يجد بجانبه حواء ترافقه ، لا قدرة لها ولا عزيمة قضى عليها ان تخضع للربة او لغيلان .
ونترك القصة عاجزين على الجواب . هل يعترف المؤلف للمرأة بجميع صفات البشرية وتبعاتها ام لا ؟ لعله اكتفى بتحليل الوضعية عامة وترك للمراة الاختيار كما تركه لكل انسان يتساءل هل هو غيلان ام لا ويتعرف الى حقيقته وماهيته وبالخصوص لمنزلته في الوجود .
الاستاذ محجوب بن ميلاد
فيما يخصني أرى أن السيدة فتحية مزالي عندما تعرضت للمرأة ولحقيقة المرأة تحدثت حديثا ربما كان مجردا وربما كان أحسن أن ننظر للحياة كما هي وهي مسرح عليه نساء ورجال أرادت ظروف القضاء أن يعيشوا معا وان يتشاطروا الحياة معا وأن تلعب المرأة دورا بالنسبة للرجل وأن يلعب الرجل دورا بالنسبة للمرأة فكان لا بد من أن تكون بينهما علاقات ، وكانت هاته العلاقات تقضي بأن يكون للرجل تبعاته واتجاهه كما للمرأة تبعاتها واتجاهها ، وفيما يخصني ربما كنت لا أشاطر السيدة فتحية مزالي رأيها فيما يخص ميمونة . ميمونة لا يمكن لي شخصيا ان اعتبرها ظلا ظليلا لغيلان فحسب لانها من أول القصة الى آخرها هي الجدال العنيف يجري بينها وبينه ودائما وأبدا نجدها هي التي تنقده وتسخر
منه وهي التي لا تؤمن به مثلما يؤمن هو بنفسه وبالحياة وبالفعل . فعندما أقرأ القصة يبدو لي أن هناك مشكلا كبيرا ، هو المشكل مثلما نشاهده في الحياة ، كيف يرغب الرجل أن تكون المرأة وكيف ترغب المرأة أن يكون الرجل ؟ فمثلا يمكن لى بإيجاز أن أقول إن ميمونة فى كثير من المواطن ليست المساعدة للرجل على أعماله واندفاعاته وكفاحه ، هى دائما وأبدا تثبط مساعيه بنقدها وبسخريتها وبملاحظاتها ، قولوا بكفرها ، فى حين أن الرجل كان بوده لو وجد المساعدة التى تعضده وتقف جنبا لجنب واياه والتي يمكن له أن يعول عليها ، هذا ما يجعلني أرى أن ميارى ليست شخصا من لحم ومن دم . المؤلف يقول لنا انها خيال فهي اذن ربما كانت الصورة المثالية التى يرغب فيها رجل الفعل . كان بوده لو كان بجانبه لا ميمونه لتنتقده وتسخر به بل كان بوده لو كان بجنبه ميارى من لحم ومن دم ، لا كخيال تؤمن به ، ويقع الانسجام بينه وبينها فيصبحان رجلا ومرأة كائنا واحدا يندفع ليعمل ولينجز وليحقق المطامح التي اعتبرها مطامح حياته . لكن هذا من شأنه أن يجرنا الى الخيال اذ ميارى بنت خيال فهى عروس من عرائس الخيال فربما كان للاستاذ قيقة ما يقوله لنا عن الخيال في السد.
الاستاذ الطاهر قيقة
نعم ، اني أقف مختارا أمام هذه النظريات حول ميمونة وميارى وأظن أن ربط ميمونة وميارى بعالم محمود المسعدي واجب اذ اني لا اعتقد أن الشخصية المسرحية أو الشخصية في القصة هي شخصية مستقلة عن الاطار وعما حول تلك الشخصية مما أسميه ( عالما ) وأشكر الزميل محجوب بن ميلاد اذ مكنني من التعبير عما أراه فيما يخص خيال محمود المسعدي .
ان عالم السد هو عالم صلابة وكثافة وثقل وجفاف أي نفي اللين والنور والخفة والماء . يقول المسعدي : جبل أخشب غليظ حزيز نباته كالابر وأرضه ضمأى وغباره كثير . ان عنصر التراب هو المتغلب إذن على عالم المسعدي : " منها خلقناكم وفيها نعيدكم " وينبعث من الارض ذائدا عن حماها طير أسود " هامة او صدى " ويصبح ذلك الطائر آلافا مؤلفة في رؤيا ميمونة . وعندما يتحطم السد وتلتوي على الطائر وتنشب
فيه أظفارها حبة غبراء وليدة غبار الارض ويعوي دئب ثلاثا . أرض قاحلة عجوز وطيور أبابيل وحية وذئب يعوي في الفضاء ، في الافق البعيد ، تلك صورة عربية جاهلية متوغلة فى الجاهلية . ذاك ما أسميه بالعالم اليمني أي بذلك العالم الذي يرجع عهده الى ما قبل بناء سد مأرب . لان هذا الاثر الفني . في رأيي - هو وليد صدمة ربما بقيت في النفسية العربية وهي صدمة انفجار سد مأرب وتشتت عرب الجنوب بعد تلك الكارثة . ان الاخ الشاذلي القليبي يلمح الى ذلك تلميحا ( فى مقدمة الرواية ) ولكن أريد أن أقولها جهارا : ان هذا الاثر الفني هو أثر صدمة كبرى أصابت الامة العربية في عهد من عهودها الغابرة وبقي أثر تلك الصدمة في أغوار النفوس في صورة مركبات تتوارثها الاجيال جيلا بعد جيل ولكن ذلك العالم الصلب ينطوي على بهتان يغري به وذلك البهتان هو نور الشمس وهاجة محرقة وهذا شيء عجيب : ان النظر الى الشمس ، الشمس التي تولد الكذب والبهتان وتولد السراب هى نظرة عربية صحراوية اذ أن اليونانيين يعتقدون الضد ، فشمس أبولون تحيي النبات وتحيي البشر وأبولون نفسه إله الشمس هو ايضا اله الاطباء . هذه النظرة هى نظرة عربية " شمس وهاجة محرقة تولد أطيافا خفافا تذوب كتريع السراب " هذا ما قاله المسعدي ، انه عالم ينطوي على غش او عالم زائف يقول غيلان عن اهل الوادي " انما هم قوم أفعمت نفوسهم مياه كاذبة ورطوبة كاذبة وسماء كاذبة " اذن هو عالم تزيفه فى كل حين شمس كاذبة لا تبعث الحياة . عالم سراب . ونزل غيلان بذلك العالم وكان نزولا ولا نزولا لان ذلك العالم يشبهه ذلك العالم صورة من غيلان ، ويعوي الذئب ثلاثا ويذكرنا بعواء دئب امريء القيس " وواد كجوف العير قفر قطعته " تلك الابيات المعروفة التي يشعر فيها امرؤ القيس بان الذئب فخور وبانه يعوي وبانه يبعث عويلا هو عويل الانسان . هذا يربط علاقة بين غيلان وبين ذلك العالم المزيف ، نزل بذلك العالم وكان يحمله في قرارة نفسه ، كان يحمل ميمونة . ما وجدت في ميمونة شيئا من الانوثة ، - وفي هذا اشارك نوعا ما الزميلة الاخت فتحية مزالي - كلها انطواء . ولكني وجدت بينها وبين العالم اليمني علاقة متينة ووجدت عندها وعند غيلان شعورا بقرابة متينة تكاد تكون حلول احدهما في الآخر . تقول ميمونية " وتنتظرني وانا بين يديدك وانتظرك وانت فتي " ويقول غيلان على لسان آسال " ولئن اكتفيت
بك فاكتنفتنى ، اننى اذن لجبان . وقد حذرتك ان تكوني ظلي وبرودتي ونهاية طريقي " وكان غيلان يحمل عزما حديدا : إحبال تلك الارض بالماء . وكان ذلك العزم الذي يسعى لتحقيقه يتصور له فى صورة الماء " هذه الارض المتجعدة المغبار كالعجوز الفاجرة لاحبلنها ماء ولاملان بطنها فاخرجن حياة " ها قد اتضح الامر : نقطة انطلاق ذلك العالم الزائف ونقطة وصول مياه قوية متدفقة تغمر الاوهام فتغرقها ، ولكن نرى هذا العالم الذي يحمله بين جوانحه ، ويحاول ان يحققه بواسطة سده الذي حطم فأعيد مرات ، يتعفن شيئا فشيئا ويداخله الغش . إن حلم المياه الحية النابضة تزيفه المياه الميتة الآسنة . إن زيف مياه السد هو الرطوبة والنعومة والذهب المذاب الذي نراه يطغى شيئا فشيئا على رواية السند فيجذبها الى الميوعة . وهكذا تنشأ ميارى من نفس غيلان صورة لعزيمة انحلت ، ميارى التى نفضت نور الشمس " فأسقطته كخرشاء الحية " تبدو لنا جمالا ضعيفا مائعا هباء هي " وردية حمراء شذاها من زرقة السماء " واني أؤاخذ الاخ محمود المسعدي على مبارى . انها صورة ضعيفة مائعة متكلفة . ان ميوعتها ترجعنا الى بعض لوحات فرنسية تكاثرت في القرن الثامن عشر ولقد نشأت ميارى في الحقيقة اثناء كامل الرواية . نشأت من ذلك اللبن المشاع الذي كان يجعله محمود المسعدي في سمائه ونشأت من الغمامة البيضاء فأتت لنا في اختلاج جنح حمامة ، وانتم تعلمون ما تركت صورة الحمامة من قصائد شتى في الادب العربي وفي كامل الآداب . هكذا زيف عالم القوة عالم الارادة عالم تحقيق الحلم ، زيف عندما عوض الماء بصورته ، بسرابه ، عندما عوض الماء بضوء القمر ، وينفجر السد ويتحطم العالمان وتنحدر ميمونة او نصف غيلان في الهاوية حيث مصيرها . وهي الناحية الظلية منه ، الناحية الثقيلة من غيلان . ويصعد غيلان حاملا معه صورة اخرى من زيفه وهي ميارى . ولذلك اوافق الاخ المسعدي اذ يقول ان غيلان مخلوق زائف . اظن ان الرحيل وقع في قرارة نفس اي ان الرحيل لم يقع ، هو رحيل وليس برحيل . هو رحيل في انطواء . ان المأساة مأساة نفسانية . ان غيلان مخفق من البداية لانه لم يقم بتطهير نفسه . كان عليه ان يقتل ميمونة في نفسه ولكنه لم يقتلها فضغطت عليه فخلقت ميارى نقيضة ميمونة . كان عليه ان يرتحل عنها وكأنها تدعوه الى ذلك عندما تدفعه الى ان يقص عليها قصة آسال ونائلة . لكن غيلان لم يفهم لانه ثمرة دائرة كما تقول ميمونة نفسها .
بقي البغل في ذلك العالم ، وابقيته في الآخر . ذلك البغل الذي نراه احيانا في الرواية يقول كلمة عميقة قصيرة وكنت لا افهم للبغل معنى وكنت ساخطا على البغل ولكننى فهمته منذ ايام : البغل هو الانسان العادي الذي يقذف في مأساة لا يفهمها فتراه يبدي آراء تبدو لنا عميقة وهي في الحقيقة راي ابناء الشعب وابناء الازقة . ان ذلك البغل هو في رايي الشاهد الذي شاهد الرواية وفهمها كالانسان العادى وما فهم منها الا القليل ولكنه على الاقل يعطينا درسا في سلامة الحكم هذا العالم كان يحتاج الى فيلسوف ، وهو البغل ، ذلك البغل الذي بقي مربوطا الى صخرة في آخر السيد وشهد نسف العوالم امامه وبقي يدور وقد ابقاه الله لنا لياتي بالنبأ . هذا ما اردت ان اقوله فيما يخص الخيال في السند .
الاستاذ محجوب بن ميلاد
مما لا شك فيه ولا خلاف ان الحديث عن الخبال في حاجة الى خيال . هنالك صور واشباح وهنالك اطياف واوهام يعج بها السد عجا . ومما لا شك فيه ولا خلاف ان هذا مما يجعل من عالم السد عالما خصبا ثريا ذا الوان مختلفات واصباغ مختلفات متزاوجة متنافرة وقد يصعب أحيانا ان ننظر اليه النظرة الموحدة والموحدة في حين واحد وفيما يخصنى كان بالامكان ان انظر للخيال خلال تلكم الاساطير التي امتلا بها السد اساطير اليونان : الهواتف الاصوات ... فهذا يدل على خيال كبير وعلى فكر يريد ان يخلق اكوانا ، قد تكون على شاكلة هذا العالم وقد تكون مخالفا في هذا العالم ولذلك احسن طريق عندي لفهم الخيال عند محمود المسعدي ربما كان طريق الاسلوب .
لو درسنا اسلوبه ووسائله لنفذنا الى كثير من الاشياء مما يفهمنا هذا العالم فى متناقضاته فى مائة وشمسه فى ناره وحره فى صحائه وواحاته . مما لا شك فيه ولا خلاف ان الحديث عن اسلوب المسعدي حديث يطول فمن اراد ان يستجلي خصائصه وطابعه وان يستكنه اسرار سحره ووسائل بيانه وعوامل اغرائه مضطر حتما الى تحرير دراسة جمالية ضاقية دقيقة بل قل ، وهي عبارة عندي ادق واصح هو مضطر حتما الى ان يقبل على كيمياء عجيبة تهدف الى هتك استار الصنعة بتحليل انماط الجمل التى يهيم بتركيبها الاستاد المسعدي وبالكشف عن الاسباب
الخفية التي تحبب اليه تلك الانماط من الجمل دون سواها بل تكرهه عليها اكراها ثم لا بد له من ان يدرس خصائص تلك الجمل من حيث المبنى ومن حيث الربط من حيث الموسيقى من حيث الايجاز من حيث الاطناب من حيث الوصل من حيث الفصل من حيث القدرة على الايماء الى خفي العوالم من حيث التوفيق في الهجوم على شرارة المعاني في اقتناص فرائد الاحساس في تخير فصيح اللفظ في تصيد حي العبارة في افتضاض بكرة اللغة ... أليس معنى هذا انه مضطر حتما الى ان يثير اهم مشاكل التعبير البياني الانساني وادق مسائل البلاغة ومسائل البيان ؟ أليس معنى هذا انه مضطر حتما الى النفاذ الى اعمق اعماق احساس المسعدي للكشف عن دفين اشواقه الفنية وقهار مقتضيات ذوقه وصارم اوامر طبعه وفكره اثناء صراعه جوهري شؤون المصير الانساني ؟ أليس معنى هذا ان الحديث عن اسلوب الاستاذ المسعدي ينتهي بنا حتما بفضل تلك المناسبة اللطيفة التي تربط بين الاثر وصاحبه الى الكشف عن بؤرة نفسه ، عن سر سرها ، عن اقدس اقداسها حيث تنعقد عناصر الذات المعربة خلال منشور العبارة ، عن حيراتها وشكوكها واندفاعاتها ومطامحها وصبواتها حارة متقدة فيحياء محرقة ، نيرة وسط ظلماتها ، ظلماء وسط أنوارها ، مستقرة او طالبة القرار في حركتها متحركة او ناشدة الحركة في قرارها ، عاجزة او معلنة العجز باقتدارها ، مقتدرة او راغبة فى الاقتدار بعجزها ، فانية او مذعورة بالفناء رغم بقائها باقية او طماحة فى البقاء رغم ذعرها من الفناء ، منطلقة او مريدة الانطلاق كالسهم رغم قيودها واغلالها ، مقيدة مغلولة فى انطلاقها . وفى الحق فانا الى هذا منتهون ولسنا بمنتهين الى امر سواه عندما نقبل جادين لا هازلين على دراسة اسلوب المسعدي وتحليل وسائل صنعته واسباب بيانه ، ولما كان الوقت ضيق الرحاب اكتفى بأن ادل على عناصر الدراسة وعلى اتجاه سبيلها :
اولا - التأمل في جمل المسعدي في انفصالها عن بعضها وفي حيادها عن الحروف التي تربط بين الجمل العربية عادة كواو العطف وفاء السببية وفي عدولها في غالب الاحيان عن ادوات الاستنتاج وعن سلاسل المنطق وعن اثقالها يكشف لنا الغطاء عن توق متلف في اعمق اعماق المسعدي الى ضرب من الحرية او من الانطلاق يخرجه من المنزلة الانسانية ويسمو به الى ضرب من الوجود هو الى الربوبية اقرب لانعتاقه من كل القيود والاغلال والاعباء والتكاليف .
ثانيا - التامل في استعاراته ورموزه ونعوته يزيح عن ناظرك حجبا كثيفة
فيتجلى امامك عالم شعري خالص الى جانب العالم الاخشب . عالم شعري خالص هو الانسجام هو النغم هو النقاء هو الطهر هي الحياة وقداسة الحياة ويسر الحياة وخصب الحياة وروعة الحياة وسحر الحياة كما يحلم بها الصبي في براءة اشواقه وغرور اندفاعاته ومجانية عبثه . لو كان للفراشة منطق لما تصورت العالم على غير هاته المجانية الحالمة المغردة الكافرة بكل جهد واجهاد . وهل توق البشرية برمتها الى الطمأنينة والى السكينة والى القرار في كثير من المواطن شيء آخر سوى العبارة عن اشواق فراشتنا الحالمة الشاعرة .
هو ذلك مع زيادة ! ذلك ان الانسان الذي تتعلق همته بتحقيق ذلك التوق الى الطمأنينة ، والى السكينة ، والى القرار ، والى الاعتدال يصطدم - حتما - بما جبلت عليه نفسه من ميول مختلفة ، متدافعة ، متهاجرة ، متناقضة ... فمن جاذب الى فوق ، الى جاذب الى تحت ، الى جاذب الى امام ، الى جادب الى وراء ، الى جاذب الى يمنة ، الى جاذب يسرة ... ولا بد من تحقيق " تاليف " بين تلك القوى ولا بد من الهيمنة على تلك القوى ... ولا بد من الظفر بسر التاليف ، بسر النغم !
اليس معنى هذا ان الفوز باشباع ذلك التوق الى الطمائية ، والى السكينة ، والى القرار ، والى الاعتدال ليس يمكن الا عن طريق إرهاص النفس ارهاصا يطهرها تطهيرا من شوائبها وما تغص به غصا من عناصر تضحى معها هي البلبلة ، والاضطراب ، والحيرة ، والحرقة ، والعجز ! ...
اليس معنى هذا ان الطمانينة ، وان السكينة ، وان القرار ، وان الاعتدال ليست من الحقائق المجانية - في مستوى الانسان بل هي فتوحات الجهد والاجهاد ! . . هى " الواحات " التي لا ينتهي اليها الا من أوتي الاخلاص والصدق والجرأة على تقحم أخطار كل المفاوز ! ...
ثالثا - التأمل في بعض النعوت التي يكثر استعمالها المسعدي كالنعوت المصدرية : " النواميس الارواح " الاخوة " الوفاء " السماء البكر " " الحكمة الحقة " وألاحظ هو ان المصدر اذا استعمل نعتا لا يؤنث ، تقول رجل عدل وامراة عدل - او كالنعوت المشتقة من المنعوت نفسه : الحياة الحية . والتامل في ميله القهار الى استعمال المفعول المطلق : " دكه دكا " او التمييز : " يسيلون عرقا ويجهدون أنفسا " او الفاعل المشتق من الفعل نفسه : " صعقت الصاعقة " كل هذا - والامثلة هنا لا تحصى ولا تعد - يشير صريح الاشارة الى حرص
حريص على الحياة القوية الجبارة . فكان فراشتنا تريد ان تنقلب ، بعد ان كانت دودة ، الجبار القهار الفعال لما يريد ، الكافرة بالحدود والسدود والعراقيل .
هنا نخرج من عالم " المجانية الحالمة " عالم ميمونة - وندخل عالم غيلان . والجدير بالملاحظة ان هذا العالم على نقيض عالم ميمونة . هو عالم اخشب ،
صلب ، هو عالم الجهد والاجهاد ، عالم العراقيل تحطم ، والسدود تكسر ، والانجاز ينجز . . وليس من شك فى ان " السد " يشتمل على اروع صفحات العربية في تمجيد الفعل ، والايمان بالفعل ... هو عالم " القدرة القديرة " ...
رابعا - التأمل في اشراق الاسلوب جملة لا تفصيلا وفيما يمتاز به من الرواء الشعري الحسي رغم كونه عاريا عن زيف الطلاء يدلنا دلالة صريحة كذلك على توق دفين الى الصدق الى الاخلاص الى صفاء النبع الى طهر البداية الى كرم الاصل . وهنا اني سعيد بالملاحظة التي ابداها زميلي قيمة عندما لوح الى سد مآرب الى الجرح الدفين الذي تحمله الحساسية العربية هو الرجوع الى البداية الى كرم الاصل ، وهنا البدوي يثأر لنفسه فيسلك الطريق الملكي في البيان فيبحث عن نماذجه في اصفى ينابيع البيان العربي : ابو حيان التوحيدي في مقابساته ، الاصبهانى في اغانيه ، زيدوا : القرآن . رتل معي آي انجبل صاهباء تقتنع بذلك ، " أعود بصاهباء من الانسان الرحيم ، واهوينا على السحب بمعول من صخر وقلنا للارض كوني ، فوضع السحب ارضا من صخر وشدة اني أنا الخالقة الربة ثم جاءتنا الملائكة فسجدت وقالت الارض صخر ولا حياة فيها صاهباء فأمرنا العواصف والرعد والسحاب والبرق والزلازل . . . فانفلقت جميعا ودوت دويا . وارسلنا الصاعقة فشقت صدر الارض واودعته حياة حية فقام الكون فسبح باسمي إني أنا الخالقة الربة "
ألم أقل لكم ان النظر في اسلوب المسعدي يؤدي بنا حتما الى الكشف عن سر سر نفسه حيث نجد كل المتناقضات وكل الاشواق وكل الاتواق التي تضرب بعضها بعضا . ومن البدهي أنا لو اتخذنا شوقا من الاشواق لكونا عالما ولو اتخذنا شوقا آخر لكونا عالما آخر في حين ان السد هو مزيج هاته العوالم في حين واحد . هذا بالضبط هو الذي حدا بي ان قلت في مقدمة السد : " تطالع السد فتعجبك منه وتبهرك هذه اللغة العربية المتينة التي تذكرك بأروع عصور العربية وافصح اساليبها ، هي لغة فريدة في ادبنا العربي قديمة وحديثه هي لغة
فاتح من الفاتحين في الادب ممن تراهم جديرين بمجد تجديد نظرة الادباء الى شؤون الفن واساليب البلاغة " . تلاحظون ان النظر الى اسلوب المسعدي جرنا حتما الى النظر في شخصية المؤلف وفي اشواق المؤلف وفي صبوات المؤلف . . . اظن ان الاستاذ قيمة يريد ان يلقي كلمة لنقاشي .
الاستاذ قيقة
كأني بالاخ محجوب بن ميلاد استبد بالكلام فأريد أن أقول كلمة قصيرة فيما يخص الاسلوب كأني اشعر بأن الاستاد محجوب بن ميلاد لم يلتفت الى مسائل أعتبرها أساسية في أسلوب المسعدي . أظن ان اسلوب المسعدي متأثر من ناحية بالقرآن تأثرا عميقا جدا ومتأثر بنوع من الاسلوب الفرنسي يرجع عهده الى المدرسة الرمزية الفرنسية وأحيانا الى القرن الثامن عشر الفرنسي . أظن ان اسلوبه هو من ناحية اسلوب عربي عريق فيه طابع قرآني واضح - وان المسعدي لا يخفيه - اذ أننا نجد كثيرا من العبارات التي لها نغمة قرآنية لا شك فيها " ثم يخرجون ستة وسابعهم طبل " ثم يخرجون ستة وسابعهم نعيق البغل " ذلك الاسلوب العاري العراء كله الاسلوب القاحل الذي فيه جمال وروعة جمال الصحاري جمال الجفاف ، العراء الذي نجده في عبارات بسيطة للغاية ، في ذلك الميل الذي نجده عند المسعدي في حذف الفعل والاعتماد على حرف التعدية والضغط على حرف التعدية او تحوير حرف التعدية العادي بحرف آخر اي ميل الى العبارات النفيسة النادرة وهو ميل عريق في العربية يرجع عهده الى الاصبهاني كما قال الاخ محجوب بن ميلاد .
ثم اني ألاحظ ان المسعدي في اسلوبه يميل الى الصيغ الفعلية .. " تتهاطل الاصوات .. " ويصعدان يسعدها - وكاد يتكامل السد " . كل ذلك يرجع بنا الى عهد معلوم في النشر العربي ونجد من ناحية اخرى اسلوبا يعاكس ذلك الاسلوب ، اسلوبا نجد فيه هذا النور " كاشهى الطعام " وهو اسلوب يذكرنا ببعض الاساليب الفرنسية " وتنفجر الشمس " هذه عبارة في قوتها لها علاقة بناحية خاصة من الادب المعاصر . اذن نجد ، وهذا شيء اريد ان أؤكد عليه ، نجد اسلوبين في الحقيقة عند المسعدي اسلوبا عاريا جافا واسلوبا مائعا اسلوبا رطبا اسلوبا طريا كالعجين
وكل من قرأ السد يتذكر العجين ، ويذكر سماء كالعجين هذا ما اردت ان الاحظه اي اريد ان أؤكد على وجود اسلوبين ، على وجود ثنائية حتى في الاسلوب ...
الاستاذ محجوب بن ميلاد
مما لا شك فيه ولا خلاف اني اوافق الاستاذ قيقه في اكثر ما قال . فقد قلت عندما تحدثت عن هذا الاسلوب اني لست اريد ان آتي بهاته الدراسة الجمالية الفياضه الدقيقة لضيق الوقت وقلت انه يجب علينا ان ننظر في جميع وسائل الصنعة ولم ازعم اني استعرضتها جميعا .... ان كان الاستاذ المسعدي يريد أن يقول كلمة فله ذلك ....
الاستاذ المسعدي
ايها السادة .... انا شخصيا افضل ألا يكون كلامي الا في آخر النقاش لان النقاش نفسه عساه يأتي على الكثير مما أحتاج الى الاجابة عنه وأظن أن موقفي هنا موقف طفيلى ؛ موقف الاجنبي او الذي يكاد أن يكون اجنبيا عن الموضوع كما سأبينه عندما أقول كلمتي ، عندما آخذ الكلمة في آخر الكلام ، وأفضل الآن أن أترك للزملاء الافاضل كامل الحرية في أن يتكلموا كما يشاؤون وان يعربوا عن آرائهم بكامل الحرية ...
الاستاذ البشير العريبي
كنت اود كما ود من قبلي الاخ الطاهر قيقة ان لا يستبد بالكأس مديرها . ولكنه قد فعل . . قد استبد بيد ان استبداده لا بأس به عندي ، لانه اسلمني الى موضوعي ، وماذا عسى ان يكون موضوعي هذا ؟ ستعجبون عندما تسمعون اني فضلت أن اتحدث عن ( شخصية المسعدي في السد ) ستعجبون أو سيعجب بالاحرى الذين يعرفون أنه ليس بيني وبين الاستاذ من الصلات ما يجعلني أعرف بشخصيته الحاضرين ، ولكنى مع ذلك قد اردت ان اتحدث عن ( شخصية المسعدي في السند ) وقبل ان
ادخل في هذا الحديث اعلن عن رغبة لي اخرى كنت اود ان لو اغناني عن اعلانها الاستاد محجوب بن ميلاد . انه قد تعرض الى جوانب تمس تدين المسعدي .. تحدث لنا عن هذا الانجيل : ( انجبل " صاهباء " ) وتحدث لنا عن الانطلاق في اسلوب المسعدي ذلك الانطلاق الذي يتأدى بالمسعدي الى الربوبية ... او يشعرنا برغبته في البلوغ بانطلاقه الى حد يشبه ان يكون حد الربوبية ... ثم انتهى الحديث .. والذي كنت اوده ان لا يفرط الاستاذ ابن ميلاد في الحديث عن ( الجانب الديني في السند ) لذلك اترك له الحرية فيما اذا اراد ان يتناول الكلمة فيه ، واعود الى موضوعي الخاص . اعود الى الحديث عن " شخصية المسعدي في السد " .
قلت ان الاستاد محجوب بن ميلاد قد اسلمني الى موضوعي عندما تحدث عن أسلوب السد ، ذلك لان الأسلوب في الحقيقة يدل على صاحبه فأسلوب الرجل هو الرجل ، وفي هذا المجال يبدو لي ان السد في اسلوبه صفيق عتيد ، ولكنه بازاء شخصية كاتبه شفاف بالغ الشفوف . . ان شخصية المسعدي تلوح لقارئه في كل فصل من فصول السد ، او قل كل صفحة من صفحات السد ، بل اكاد اجزم بان شخصية المسعدي تبدو لنا بين الفينة والفينة بين السطور ايضا .
وليس من شك في ان كل كاتب ينتج اثرا يطبعه بطابعه ، ولكني ارى ان الاستاذ المسعدي قد تعدى هذا الحد ... انه لم يطبع السد مجرد طبع بشخصيته ، بل انه تقمص شخصيات بعض ابطاله ، واصبح هو البطل الحق ، فصرنا كلما قرأنا سطرا السد تعرضت لنا شخصية الاستاذ المسعدي في ذلك الفصل ، او في تلك الصفحة او في تلك السطور .
واذا كان الذين يعرفون الاستاذ المسعدي معرفة اليقين يستطيعون ان يصلوا الى ذلك بانفسهم وبغاية اليسر ، فاني على شبه يقين بان الذين لا يعرفون الاستاذ المسعدي تلك المعرفة الجازمة ، - وانا منهم - لا يخطئون المرمى عندما يستنتجون من بين تلك السطور شخصية الاستاد المسعدي ، مع فارق واحد هو اني لست اشك ايضا في ان هذه الشخصية التي تلوح لهؤلاء في السند ستكون معقدة شيئا ما وستكون متناقضة كذلك بعض التناقض .
قديما كان الناس يقولون : " الواحد بالشخص له جهتان " وانا استطيع ان احد في شخصية المسعدي جوانب عدة عندما أقرأ السد ، وهي وان كان بعضها متداخلا في بعض لا يعوز الذي يريد الفصل ان يفصل بينها . . . لذلك حاولت جهد الطاقة ان اعود الى هذه الشخصيات فاستشفها من بين تلك السطور .
للمسعدي في السد شخصية دينية ، وشخصية اخرى فلسفية ، وشخصية ثالثة هي شخصيته الاجتماعية ؛ وهذه الشخصيات الثلاث متداخلة ملتحمة ، لكننا قد نجد بينها فواصل . . نجد بينها حدودا تفصل ... وللمسعدي فوق هذا شخصية اخرى هي الشخصية الاقتصادية ، وهي ترتبط من اكثر نواحيها بشخصياته الثلاث الاخرى لكن اريد هنا ان ارى ما اذا كانت شخصية الاستاذ المسعدي الدينية او غيرها متميزة حقا عن الشخصيات الاخرى التي تلابسها ملابسة ما .
ان شخصية الاستاد المسعدي الدينية تبدو لقراء السد شخصية مجتهدة فاتحة كما يقول الاستاذ محجوب بن ميلاد . هي شخصية لا تتهيب امام مشاكل الدين عن ان تقول في الدين كل شيء ، هي شخصية فيها من الشجاعة ما لا يدعها تتهيب تلك المواقف الدينية ، ولكن فيها مع ذلك شيئا من الحذر الذي لا يخلو منه شجاع .. انه لا يعلن عن آرائه اعلانا صريحا . بل يلجأ الى الرمز فيلف فيه تلك الآراء ، ويجعلها مكتنفة به لا اكتناف الغموض ولكن اكتناف الرمز كما قلت . وهكذا استطيع ان استخلص من شخصية المسعدي هذه انها شخصية شجاعة ، حذرة ، مع شئ آخر هو هذه البراعة في اخفاء تلك الشخصية بعض الشيء .
أما ثانية الشخصيات فهي شخصيته الفلسفية ... هي شخصية المثقف الواعي .. شخصية المفكر البصير ، ينظر الى ظواهر الكون فيلتمس لها بعض التعليلات ، ويبحث لها عن تفسيرات منطقية تلائمها ؛ ويلابس الناس ويتصل بالبشرية فيبحث أيضا عما يمكن أن يعلل به سلوكها . ويفسر به كل ما تقوم به من اعمال . وهكذا نرى للمسعدي شخصية اخرى .. شخصية لا تريد ان تمر بالاشياء فتقرها كما وجدتها ، او تنظر اليها نظرة سطحية بسيطة ، بل تريد ان تتعمق فيها ، تريد ان تنظر اليها نظرة تبرأ من السطحية وتبحث عن العلل الحقيقية لها . ومن طغيان هذه الشخصة الفلسفية فيما اعتقد ، أنه يحاول ان يخرج بنا من عالمنا الواقعي الى عالم آخر هو هذا العالم الماورائي . . أو قل : فوق الواقعي . . او العالم " السريالي " هذا العالم الذي لا يكتفي بالاحوال الواقعية بل يخرج بنا الى عالم آخر يضعنا بازاء الاجواء الثانوية التي تحيط بالواقع .
ان مذهب ما وراء الواقع او ما فوق الواقع لا يقنع بما يرى وبما يشهد ، بل يحاول جهده ان يضيف الى ما يرى تعليلات خارجة عن نطاقه ، وهذا ما يفعله الاستاذ المسعدي بنظرته العميقة ، بنظرته البصيرة الواعية ... نجده يتحدث عن كل ما في الكون فيحيله عن طبعه ، حتى لينطق الصلب ، ويقارن بين اجراء هذا
الكون التي تمر به فيعقد صلات بين كل شئ وآخر . انه يجهد في كل مرة ان يعطينا رابطة ما بين هذه الشخصيات التي اختارها لروايته ، وهذه الحيوانات هي في واقع الامر - حسب نظري في الاقل - ليست الا شخصيات من نوع آخر ، فمن هنا جاءت هذه الصلات التي يعقدها جاهدا بين الشيء والشيء حتى ليسمي بعض من يلقاه من البشر الذي يمتاز بخصائص البغل - يسميه باسم البغل ، وبعض من يلقاه من الناس ممن له خصائص الحجارة او خصائص الرخام او خصائص الجماد على الاطلاق يسميه باسم الحجارة او الرخام او نحوهما وهنالك شخصية ثالثة للمسعدي هي شخصيته الاجتماعية .
ان شخصية المسعدي الاجتماعية لتتجلى في هذا الاشفاق البالغ على المجتمع ، المجتمع الانساني على العموم ، والمجتمع الذي يلابسه المسعدي على التخصيص ، فكلما كان المسعدي على صلة بطائفة من البشر أشفق عليهم وحاول ما استطاع أن ينقذهم مما هم فيه من ويلات . انه يشفق على الناس لانهم مستسلمون ، لانهم قانعون خانعون ، وهو يشفق عليهم بالخصوص لانهم يعانون بسبب استسلامهم ذاك وايمانهم المزيف وخنوعهم ، ما يعانون في هذا المجتمع من ويلات . وهذا جانب اجتماعي له خطره .
اما شخصية المسعدي الاقتصادية او المتأثرة بالاقتصاد ، فهي تلك التى آلت على نفسها آلية لم تر لها فيها رجعة ولا ثنيا بأن تخلق كل شيء .. تحبل الارض فتحيل ما فيها من جدب وقحط وبلاء ، الى خصب وري ورخاء .
على ان هذه الجوانب سواء اعتبرناها متآلفة بعض الشيء أو متخالفة ، توجد جانبها شخصية اخرى للاستاذ المسعدي ، تتصل به اتصال المرء بذاته ، وترتبط به ارتباط الكيان بالنفس
لست اريد ان اسرف في حديث الذات ، فان المسعدي الآن بيننا بلحمه ودمه ، ولكني اريد ان استفهم : الى اي حد يصور لنا " السد " هذه الذات بمكنوناتها والى اي حد يبرزها لنا بدمها ولحمها ؟؟
اما انا فمؤمن في قرارة نفسي بأن السد قد وفق في تصوير المسعدي بذاته الى حد بعيد ، انه قد صوره لنا كاملا غير منقوص . . صوره لنا بكل ما فيه من خصائص جسمانية ، بكمالاته وتقائصه ان صح ؛ بكل ما فيه من انسجام مع مجتمعه
الصغير والكبير ، وما فيه من شذوذ ؛ بكل ما فيه من وضوح ، وما فيه من تعقيد ، بكل ما فيه من رغبة في تغيير هذا الواقع الذي يعيشه مجتمعه الصغير او مجتمعه الكبير الانساني ..
ولو كان لي ان اجزم في هذا الشأن بشيء او ادل على شخصية المسعدي في السد بدليل هو اقوى مما كنت اتحدث به ، لما قلت اكثر من انه ( غيلان ) . اجل انه في رأيي قد تقمص شخصية بطله قبل ان يكتب ، بل انه قمص البطل غيلان شخصية الكاتب الذي هو هو .
لقد أخضع المسعدي " غيلان " الى نفسه وجعله خيال ظله ، جعله بهذا يفكر برأي المسعدي ، ولست اقول انه يفكر برايه فحسب بل انه ينطق بلسانه ايضا . فكلما نطق غيلان كان ذلك حديثا للمسعدي ، وكلما تنقل المسعدي كانت تنقلاته برجلي ذلك البطل .
اني ما قرات جملة من جمل غيلان الا تمثلت المسعدي امامي يقول او يعمل .، يقول بصوته الغليظ الجهير في حزم ، ويعمل بجسمه النحيف النشيط في غير كلال
والى جانب هذه الشخصيات كلها تبرز في السد شخصية اخرى من شخصيات المسعدي ، او قل جانب اخر من جنبات شخصية المسعدي ، هي شخصيته الادبية . وهنا لا اجد لي ما اقول في شخصيته الادبية بعد الذي تحدث به الاستاذ محجوب ابن ميلاد عن اسلوب المسعدي الذي هو مرتبط على نحو من الارتباط بشخصية المسعدي الادبية ...
الاستاذ محجوب بن ميلاد
أنصت الى الاخ العريبي فوجدت نفسي مجرما ، وجدت نفسي مجرما لاني ذكرت كلمة كيميا وكلمة الصنعة وسمحت لنفسي في أن استعمل كلمة الكيميا وكلمة الصنعة باعتبار الاسلوب فتجاوز رفيقنا فشرح المحمود نفسه ، مما لاشك ولا خلاف ان السد يمكن لنا بمناسبته ان تثير مشاكل كثيرة . من سوء الحظ ليس لنا متسع من الوقت لنثير تلك المشاكل فتتحدث عن المشكلة الدينية او عن مشكلة السخرية في السد الخ .. لكن ارى ان جدا لا يجري بيننا اليوم ولا يدور فيه الحديث عن
أم المشاكل بالنسبة للسد اي مشكلة الفعل فان هذا الجدال يكون ناقصا . اعرف أن الاستاذ القليبي مغرم بالفعل وبالخصوص بتحليل الفعل .
الاستاذ الشاذلي القليبي
جاء في حديث الاخ البشير العرييى ان غيلان هو المسعدي وان المسعدي هو غيلان . هذا صحيح الى حد ما باعتبار ان تاليفا من تآليف الانسان يمكن ان يصوره او ان يعطينا عنه صورة في وقت من الاوقات ، في فترة من الفترات . ولا اعتقد ان السد وهو المؤلف الوحيد الذي ظهر الى الآن للمسعدي ، يمكن ان يعطينا عن المسعدي صورة كاملة وخاصة عن شخصيته واتجاهاته المتعددة التي تحدث عنها الاخ العريبي ، ولست اريد ان اتحدث عن شخصية المسعدي وانما اريد ان المح الى مشكل هو فيما اظن اهم مشاكل هذه الرواية وله مساس بشخصية المؤلف ولا يمكن ان نفهم اتجاه هذا الكتاب ، هذه الرواية - وفي كثير من الاحيان تنسى ان السد هو رواية وتتكلم عنه على انه كتاب وهو رواية مسرحية او يدعي صاحبها انها مسرحية - لا بد للفهم شخصية المسعدي كما حاول ذلك الاخ العريبي أن نظر في غيلان هذا ، غيلان هو رجل يقول عنه المسعدي في تقديمه انه رجل مزيف ، وقد ذهب الاخ الطاهر قيقة الى تصديق هذه الكلمة تصديقا حرفيا . زيفية غيلان - ان صح هذا - انه يحاول الفعل . كلمة الفعل هي كلمة المؤلف ، ونحن تقول العمل ، ان شئتم ، الفعل في الميدان الخارجي ، اد هو يريد ان تقيم سدا وان يخلق به السعة والنعيم في مكان في وادي صاهباء الذي احترق حرارة وعطشا وضمأ ، وان يعوض اذن هذا القحط بنعيم كما عوض في سالف العصور عندما شيد سد مأرب . الا ان هذا الفعل الواقع في العالم الخارجي ، في العالم الظاهر ، والدافع اليه في نفس غيلان ليس دافعا انسانيا ، ليست رأفة بمواطنه ، كما تقول اليوم ، بإخوانه أو بهؤلاء السكان الذين يسكنون في وادي صاهباء الدافع اليه هو دافع فردي نفساني أناني ، هو دافع ان شئتم ، وجودي . غيلان محتاج الى تأكيد وجوده والى إنشاء خلقه بأن يركن الى الخلق الخارجي بان يقوم بعملية خلق تحتل مكانة في الكون . ترون اذن ان عملية الخلق في العالم الخارجي لها قيمة رمزية في نفس غيلان هي عملية وجودية يريد أن يفرض بها وجوده أو يؤكده بهذه الانجازات
الظاهرة الخارجية . إذن هو يهدف من وراء انشائه السد الى عملية وجودية بانشاء كيانه الباطن ، بإنشاء كيانه الذاتي . فهو بذلك يريد ادن ان يتخلص من منزلة البشر الذي يعيش ويستكين ويستسلم لهذا العالم الموجود الواقع بأن يخرج من هذه المنزلة او يتجاوزها الى منزلة الخلق . فهو يروم أن يظاهي الآلهة فيما تمتاز به وتختص : اي الخلق والانشاء . اذا دققنا النظر في هذا الموقف وفي هذا السلوك فانا نجده او نجد له معنى الثورة على المنزلة البشرية وبذلك نجد له معنى الثورة على النظام الذي فرضته الآلهة اذ نحن في السد في عالم خرافي أو عالم الاساطير القديمة يكتظ آلهة وسحرا . هي ثورة اذن ثورة الفرد أخذه الصلف وأراد ان يقوم بتلك الثورة الشيطانية التي تعبر عن طموح الانسان الى الخروج من قيوده الدنيوية من قيوده هذه التي تفرض عليه من وجود في مكان ومن موت في حين من الاحيان لذلك نرى ان غيلان يعيش في جو يشبه كثيرا جو الروايات اليونانية القديمة أي تلك الروايات اليونانية القديمة التى يهيمن عليها القدر . فهناك قدر يهيمن على اعمال الناس واعمال غيلان ، لا بد ان نصطدم بهذا القدر بهذا القضاء في يوم من الايام وان الفشل محتوم في آخر هذه الجهود ، وغيلان كأشخاص الروايات المسرحية اليونانية القديمة يعرف ذلك . يعرف ان هنالك قدرا ينتظره وسيحطمه يوما من الايام وذلك لا يردعه عن مواصلة الطريق ، عن القيام بالجهود التي يقوم بها . هو اذن مثل أولئك الاشخاص اليونانيين موقن بالهلاك ومصر رغم ذلك على الجسارة والشجاعة وعلى العناد ويؤمن اذن بفعله ايمانا جديدا بقدر ما يؤمن بفشله ، بخيبته . فان وجود الانسان عنده مغامرة او محاولة مآلها الفشل وانما هي محاولة ضرورية لا بد منها لازمة . فيصبح الفعل الانساني اذن بالنسبة لغيلان وللمسعدي ايضا في تلك الفترة شبيها بعمل " سيزيف " ابن ملك " كورانت " عند اليونان الذي حكم عليه بعد موته بأن يحمل ، بأن يرفع صخرة عظيمة الى قمة جبل وهذه الصخرة دوما تسقط الى سفح الجبل . فان عمل الانسان شبيه بعمل سيزيف ، هو عمل ضرورى لا بد منه ولا يؤول الى نتيجة . والسد ليس بقصة ، كما قالت الاخت فتحية مزالي ، تحدثنا عن اشخاص معينين في وقت من الاوقات ، في مكان معين ، هي قصة ضرورية ، وبذلك تدعي انها تحدثنا عن منزلة بشرية لذلك نحن محقون اذا طالبنا المسعدي بأن نسال ان شئتم عن موقفه من هذا الفعل : هل هذا الموقف موقف مؤقت ؛ هل هو حكم بات مطلق على الفعل الانساني ؟ أظن أن كتاب السد ، أن رواية السد
كتبت في ظروف خاصة بالنسبة للمؤلف وبالنسبة الى الجماعة التي يعيش فيها ، التي ينتمي اليها المؤلف في ظروف اجتماعية خاصة تعرفونها في ظروف ثقافية كذلك خاصة تعرفونها تكونت منها اضطرابات وبلبلة في الاتجاهات الروحية والاتجاهات الثقافية وامتزجت فيها الى حد ما الثقافة او الروح الشرقية بالثقافة الغربية بصفة عامة ، وحصل من ذلك تشويش دواليب وقلق وحيرة . فمن الجدير بالملاحظة أن المسعدي من يوم أن الف السد بدأ او نراه قد اخذ يتحرر من ظل غيلان ومن احكام غيلان ومن مواقفه من الفعل والعالم . بدا بعد تاليفة للسد يزج بنفسه في عالم الالتزام ، ان شئتم ، في عالم الفعل الايجابي الاجتماعي . الا ان ذلك لم يكن ليحمل المسعدي على ان يردف السد بتأليف آخر يبين فيه موقفه او التغير الجديد الحاصل في موقفه ان كان هناك تغيير وبقي السد اذن رواية ناقصة تحتاج الى تتمة ، او للقاريء اليوم ان يخرج من عالمها المكتظ بالآلهة او المكتظ بالقيود والذي يهيمن عليه الخيبة وشيء من التشاؤم لابد ان يخرج منه اذن الى المطلق الذي طلبه غيلان . المطلق لا يبلغه الانسان الا في منعرجات الكفاح ، العمل اليومي . ولا يمكن للفرد ان يشيد ذاته ، كيانه ، عن طريق الاحلام والاوهام ولا يمكن ان يعتبر ان طريق الكمال الوجودي والخلق هو طريق مستقل عن الواقع . يجب ان تخترق تلك الطريق العقبات اليومية الواقعية وتتجاوز الانجازات الواقعية . عالم غيلان ادن فاشل لانه هدف الى غاية فردية انانية هي انشاء وجوده . الا انشاء الكيان الذاتي لا يكون غاية في حد ذاته : هو نتيجة لجهود ترمي الى شيء سواه . يقول برزوية حكيم " كليلة ودمنة " انه ادرك ان الطبيب يجب عليه الا يهدف الى المرابيح ، الى المال والى الشهرة التي قد يكسبها من عمله . يجب عليه ان يهدف اولا وبالذات الى انقاد المرضى من الالآم التي يقاسونها ثم المال لابد هو حاصل عليه ، كالعشب الذي ينبت في حقل الفلاح . كذلك الغايات الفردية الذاتية يجب على الانسان ان يقوم باعمال متجهة الى غايات جماعية او غير جماعية ، على كل الى غايات تتجاوز " البأنا " تتجاوز الحدود الذاتية الضيقة . ثم هو من خلال هذه العملية يشيد ذاته وكيانه ووجوده . اذن عملية الخلق الوجودي انما هي نتيجة لجهود متجهة التي غاية تتجاوز الفرد وتتجاوز
الذات . خطأ غيلان اذن في أنه وجه جهوده توجيها غير صائب . يجب أن نصوب ان شئتم " جدلية " جهوده يجب ان نجعل عوض الفرد في الاول او في الغاية التي يرمي اليها شيئا آخر : الجماعة او غير ذلك ، لكل انسان ان يجعل هدفا ما ،
وانما الاهداف الذاتية أو الغايات الشخصية يجب أن يبلغها من حيث لم يهدف اليها ومن حيث لم يردها هي بالذات .
الأستاذ محجوب بن ميلاد
ليس من شك في ان مشكلة الفعل هي المشكلة الرئيسية التي يدور حولها السد في الظاهر . مما لا شك فيه كذلك أن السد وقع تأليفه في فترة زمنية تاريخية معروفة هي ما قبل الحرب ، وان المؤلف كان في ظروف اجتماعية ربما دعت الى ضرب من الانزواء أو ضرب من الانطواء . هذا لا شك فيه ومع ذلك فاني لا أرى أن السد موقوت مطلقا أعني أن السد لو كان ثمرة ذاك الحين وثمرة ذاك الحين فحسب فانه لا يمكن ان يكتب له البقاء . معنى هذا أن مؤلفنا بالرغم من انه خضع الى تلك الظروف وقاسى كابوسها فالمشكل الذي طرحه في الكتاب هو مشكل يتجاوز ، وبكثير ، الظروف الضيقة والزمنية التي كان فيها ، بدليل أنه بتحدث عن الانسان مطلقا وعن الفعل مطلقا . فان كان كتاب السد يمكن أن نعتبره ثورة على المنزلة الانسانية فليس هو ثورة على منزلة انسانية موقوتة ضيقة بل على المنزلة الانسانية على الاطلاق . هنا ربما كان المشكل يصبح أدق فأدق وأوضح فأوضح لو قلنا ان مشكلة الفعل تثير ثورته لان الاقتدار الانساني عجب ، والجاحظ كما تعرفون عندما يتحدث عن الانسان يقول : ذو العقل والتمكين ، ذو القدرة والاستطاعة ذو التصريف .. فالانسان امتاز بالقدرة بالفعل والعمل وبحرية الارادة . المشكل بالنسبة لمحمود المسعدي ليس في أن الانسان لا قدرة له البتة بل هو له رغبة في ان يكون كما قلت منذ حين الجبار الذي لا حدود لطاقته ولا حدود لقدرته فان كان للقصة اذن ذيل فذاك الذيل لا يمكن الا أن يكون تطورا شخصيا يصبح اسلاما بالمعنى الصحيح ، يعنى أنه يرضى بكونه انسانا ويرضى بكون هذا الانسان مقيدا بقيود ، ورغم تلك القيود وبفضل تلك القيود ، ينفذ ما يستطيع ان ينفذه دون أن تكون له جرأة على القدرة الربانية نفسها . وأحيل للمؤلف الكلمة .
الاستاذ محمود المسعدي
لعلكم تدركون أن أحرج موقف اليوم هو موقفي . فقد سمعتم ما سمعتم وأنتم تسمعون على أنكم مشاركون للزملاء الافاضل الذين تناولوا كتاب السد من نواحيه وتعرفوه وعرفوا بما رأوا فيه أما موقفي أنا فاشبه شيء بموقف العليل يطرح على مائدة التشريح وليس له الا ان يرى الطبيب يتحرك والممرضة تتحرك والالآت تعمل عملها فهذا بالقطع وهذا بالتشريح وهذا بالتضميد وهذا بالدواء ، والعليل ليس له في كل ذلك الا أن يتحمل الالم ويلتذ بالدواء ان وجد منه راحة ، والحقيقة انه ان كان لا يوجد في هذه القاعة شخص ليس له الحق في أن يتكلم في السد فهو أنا ، وذلك لاني أرى أن التأليف اذا طبع ونشر بين الناس فقد انتهت له حياة وابتدأت له حياة أخرى . الاولى قرارتها قلب المؤلف وشعور المؤلف وفكر المؤلف وحياته الثانية هي التى تكون للتأليف وهو متاع مشترك بين الناس ، ومن بينهم المؤلف نفسه بدون شك . فالمؤلف بهذا الاعتبار واحد من القراء لا يزيد عليهم بل لعله ينقص عنهم لانه لا يستطيع ان ينظر الى التأليف من حيث ينظرون ولا بعين كأعينهم تتناول التاليف من الخارج . بل هو بين نظرته الى تاليفه من الداخل ونظرته اليه كسائر القراء من الخارج مضطرب البصر متداخل النظرات ، على ان الذي يعلمه المؤلف وله الحق في ان يقوله بكل ضبط وتدقيق - هو ما اراده وما قصده من تاليفه . فالمؤلف يؤلف كتابه وهو قاصد منه الى كذا او رام فيه الى كذا ثم يتجه اليه الناس فيقولون له قد تكون قصدت كذا او كذا ولكننا نحن قد وجدنا كذا او كذا وفي مقدار الفرق او البون بين ما قصده المؤلف وبين ما يقول القراء إنهم وجدوه قلت في ما بين هذا الفرق وذاك مجال للكلام يمكن أن يستعمله المؤلف ، وسوف يكون كل ما اقول في هذا النطاق . ولتسمحوا لي بأن أبدأ بقول قد يكون فيه شىء من الدفاع عن أحب شخصية في الرواية الى نفسي . فقد حملت الاستاذة الفاضلة السيدة مزالي على ميمونة حملا وجدت منه في النفس شيئا من الالم ، ذلك اني أعتقد ان هذه المراه ميمونة وادا تحدثت عن المراة في السد فاني لا اقصد الا ميمونة لان ميارى كلام ولغو من الكلام أو لغو من الصور المرأة الوحيدة هي ميمونة وميمونة هي في الحقيقة الشخص الحي الوحيد في كتاب السد هي ان شئتم من بعض النواحي نصف الرواية وهي ان شئتم نصف غيلان ، والقراء
أحرار تماما في أن يفهموا من الكتاب ما يريدون ولتسمحوا لي قبل أن استرسل في الكلام عن ميمونة ان اقول ملاحظة هنا هي انه ينبغي الا يترقب حضرات المستمعين الافاضل ان يتكلم المؤلف عن السد وكأنه يتكلم عن طلسم سحري يترقب من صاحبه أن يستكنهه وأن يكشف سره فليس كتاب السد ولا أي كتاب ولا اي رواية طلسما سحريا له سره يجب أن يعرف من أصحابه أو من صاحبه بل أنا اعتقد ان كل مؤلف يوحي الى القراء بما يوحي ويبعث في انفسهم ما يبعث فالذي يبعثه في الانفس والذي يوحي به الى الافكار والى القلوب فذاك هو الكتاب . فقد يخطئ القارئ او يظن انه اخطأ والحقيقة أنه إن اخطأ او اوحى اليه الكتاب بما لا يطابق ارادة المؤلف او نية المؤلف فقد يحمل ذلك على نقص في قيمة الكتاب او على قصور في صناعته هذه ملاحظة او تدقيق اردت ان ابينه قبل ان اتكلم او ان اتم كلامي عن ميمونة . قلت منذ لحظة اني شخصيا قد اردتها نصف الرواية واردتها نصف غيلان واردتها فوق ذلك لانها ان اعتبرتموها نصف غيلان فهي في الحقيقة اقرب الى الحياة منه ، هي طينته او كل طينته البشرية وانا اعتقد ان غيلان ليس في الحقيقة شخصا الا بارادته وبمشاكله اما بدمه ولحمه فلا . الدم واللحم في ميمونة ، والارض في ميمونة ، والحياة الرافة الخافقة في ميمونة ، الحياة التي هي خلجة من خلجات الكون في ميمونة لا في غيلان .. فان كان شأن غيلان يوحي الى النفس بجملة من هذه المشاكل الفلسفية او الاجتماعية او غيرها فذلك شأنه الذي اريد به في الكتاب اى ان يكون مثيرا للمشاكل او ان يكون مثارا للمشاكل . نظرته الى الانسان والى وظائف الانسان في الحياة قد تكون خاطئة او مصيبة لست ادري ولكن على كل حال غيلان في الرواية ليس الا موضعا استقرت فيه جملة من المشاكل ولا اظن ان واحدا من القراء يشعر بان غيلان او اود ان اعتقد انه لا يوجد واحد من القراء يشعر بان غيلان اقرب الى نفسه واقرب الى دمه وجسده من ميمونة . وعلى كل ولو فرضنا ان ميمونة نصف الرواية او نصف غيلان فلست ادري لماذا نفضل غيلان على ميمونة فان اختص كل واحد منهما بناحية من المشكلة الوجودية برزت فيه او ان اتجه كل واحد من الشخصين اتجاها خاصا في الحياة تناولها من طرف لم يتناولها منه الشخص الثاني فلا ارى وجها لان يقال هذا الوجه او هذا الطرف أفضل من الآخر او هذا اقرب الى الحياة من الآخر . فلميمونة مذهبها الخاص في الحياة وفهمها الخاص
للحياة لها ايمانها كما لغيلان ايمانه ولها مذهبها في الفعل ولها مذهبها في حدود الفعل ولها مذهبها في شان الانسان في الحياة ولها مذهبها في مصر الانسان ومنزلته كحي في الكون ولغيلان كذلك مذهبه ، ولها فوق هذا كله ما ليس لغيلان لها مذهبها في تذوق الحياة ، فهي منصرفة الى الناحية الشعرية من الحياة ، الى الناحية الوجدانية من الوجود ، الى الناحية الملتذة ، الى ناحية المتعة من الوجود ، وانا اعلم ان بعض القراء وجدوا كتاب السد او وجدوا على كتاب السد مسحة من التشاؤم او راوا ان جوه قاتم نوعا ما . ذلك انهم فيما اظن لم يلتفتوا التفاتا كافيا , الى كل ما يجدون على لسان ميمونة من تغن بجمال الحياة وبمتعة الحياة وبلذة الحياة كحياة - لا اعني بذلك المتعة واللذات المعروفة - اني التمس عذرا حين اطلت في الكلام عن ميمونة ولكن ميمونة كما قلت لكم شخص محبب الى نفسي وسوف يكون كلامي في ميمونة اطول ما سأقول لانه لم يبق لي الآن بعد ما قلت الا ان ازيد بعض ملاحظات فيما يتعلق بما قاله بقية الزملاء .
أود أن ألاحظ للاستاد الطاهر قيقة أنه عندما تحدث عن ميمونة أهمل شيئا لعلني طويته طيا شديدا في الكتاب هو أن ميمونة في آخر أمرها ترجع الى الارض أو هي تحاول أن ترجع الى الارض ولكنها تجد الارض تتهاوى لانها لم تمر بها هذه التجربة الوجودية التي مرت بها مع غيلان الا وقد غيرت من منزلتها ومن فهمها للوجود نوعا ما فهي شخص سيصبح بعد غيلان قلقا في الوجود اذ قد زحزحت عن منزلتها الراضية . هي في آخر القصة تلتفت الى الارض او تريد ان ترجع الى الارض فتجدها تتهاوى ، ذلك ان منزلتها تختلف عن منزلة البغل الذي يبقى مربوطا مسلسلا الى شأنه فينقلب العالم وتنقلب الاكوان وهو مضطر الى ان تذهب به العاصفة وتذهب به الصواعق في جملة ما تذهب . وأود أن أقول للاستاذ محجوب بن ميلاد ان أكره ما أكره فى السد انجيل صاهباء وأن أضعف ما اجد فيه من ناحية الاسلوب هذا الذي رأى فيه ما يمكن أن يمدح به السد . وأود أن أقول للاستاذ الطاهر قيقة أنه قد أصاب عندما تحدث عن المؤثرات المختلفة التي بدت له من خلال السد من حيث الاسلوب ومن حيث المشاكل التي وقع الخوض فيها أما الاستاذ البشير العريبي فأود أن أقول له اني بالرغم من شدة ما وجدته من ألم التشريح اعتقد انه قد لا يكون من النافع وقد لا يكون من المنتج ان نحاول استكناه شخصية المؤلف من خلال ما يكتب فالمؤلف الذي يؤلفه المؤلف يكون
كل ما تشاء قد يكون تصويرا لذات المؤلف وقد يكون غير ذلك . ذلك أننا في الحقيقة اذا رجعنا الى مفهوم التأليف أو اذا رجعنا بالاحرى الى ما أفهم من التأليف شخصيا قلت ان التأليف لا يؤدي في الحقيقة إلا ثمرة تجربة لا يمكن ان تكون ان كان التأليف صادقا الا تجربة المؤلف نفسه . وهذه التجربة الوجودية الكلية هي التي يجربها المؤلف ويحاول ان يخرج ثمرتها او نتيجتها هذا الكتاب ولست أظن ان كاتبا يكتب فيخرج لنا في كتابه ما ليس ثمرة لتجربته الا ان يكون تأليفا علميا تستقى مواده من الكتب او المراجع المختلفة ، وتكون شخصية المؤلف غائبة عنها غير حاضرة فيها . اما ادا كان التأليف من نوع الكتب الادبية التي تحاول أن تبحث بعض المشاكل وان تبسطها فلا أظن أن كتابا من هذه الكتب يكون خاليا مما هو بارز من شخصية المؤلف ، ولكن ليس معنى هذا ان المؤلف قصد أن يكون هو في مؤلفه ، وليس معنى هذا انه يكون من المفيد على وجه من الوجوه أن نحاول أن نعرف هل أن غيلان هو المؤلف وهل أن المؤلف هو غيلان وميمونة ، المؤلف هو غيلان وهو ميمونة وهو الحجارة والبغل في آن واحد اما المشكلة الاخيرة التي أثارها الاستاد القليبي فقد حرك بها في النفس ما لا أظن أن حضرات الحاضرين يستطيعون ان يقدروه فقد حرك من نفسي فوق ما يظن ذلك أنه سواء في مقدمته التي كتبها للسد او في كلمته التي قالها الآن قد تحدث عن صميم الرواية وأنا ارجوه المعذرة ان قلت له اني لا أريد أن أناقشه فيما قاله فهو حر وكذلك عامة القراء في أن يفهموا حلي لهاته المشكلة ( مشكلة الفعل ) على ما يرون وأن يروه حلا وقتيا أو حلا صالحا ويتوقعوا بعده ما يتوقعون ذلك لانه لا يمكنني أن أجيب الاستاذ القليبي الا بتأليف جديد فليترقبه ان بقي في النفس بقية .

