الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

نقد الفن التصويري

Share

امتاز فن النورى دمق (*) بالعاطفة النابضة، والروح الوثابة التى تتبدى من خلال الاحياء الشعبية، المكسوة بوقار القدم وهيبة التاريخ.

فمعارضه السابقة - التى تمكنت من مشاهدتها - جل لوحاتها مأخوذة من تقاليدنا وأحيائنا القديمة والجديدة، فتتجلى فيها تونس الامس وتونس اليوم.

وفى كل معرض من معارضه تلاحظ ان هذا الفنان يميل كثيرا الى تصوير المناظر الشعبية، فهذا شيخ من شيوخ صفاقس يسير فى الطريق ممتطيا حماره، وفي هيأة الشيخ ومسير الحمار وداعة وطمأنينة، تدرك من خلالهما الفروق الواضحة بين جيلنا الصاروخي الذي تعاورته عوامل العصر، فملأت كيانه حيرة حبلى بأحلام التطور، وبين جيل الاولياء والتبرك والقناعة العاجزة.

وهذا شيخ ثان قد التوت عمامته على رأسه كأنها حية الجاحظ، وقد أمسك بعصاه، وسار يتوكأ عليها بتؤدة ورفق، وعلى ملامحه علامات الضياع والهروب من الحاضر.

فهذا الخيط قد امتد فى معرضه الاخير الذى أقامه بالمسرح البلدى

بصفاقس (1) ولكن المناظر الشعبية قد صارت اكثر عمقا فى التعبير عن الواقع الاجتماعى.

ويمكن تقسيم معرضه إلى ثلاثة اتجاهات رئىيسية أولها:

1 - الاتجاه الرومانطيقي: هذه الظاهرة تجلب انتباه المتأمل، خاصة عندما يلاحظ شغف الفنان برسم المناظر الطبيعية والمناظر التى تثير الاحساس بالجنس كتصوير النساء العاريات.

ويمكن أن نأخذ مثالا عن ذلك لوحته "الحب العذرى L'amour sacre" التى تدلنا على هذا المنزع.

يبدو في اللوحة دائرتان متصل بعضها ببعض، تبدوان على شكل ثمانية (8)، مع خطوط دائرية لعلها رمز لما يطرأ على العاطفة البشرية من تلون فى الاحساس، وتغير سريع، وتهيب وتجهم، وخوف يشبه خوف الصوفي العابد. ويدل على هذه المعانى الالوان المختلطة المتداخلة: من أصفر وأحمر وأزرق وأسود، مع وجود خطوط خضراء واهية بين هذه الالوان كلها، هي عبارة عن الحلم والتلهف الى الطمأنينة التى يبحث عنها هذا الجيل اليتيم فى ظل عاطفة شريفة.

ويزداد هذا المنزع تأكدا فى لوحته "أمام المرآة" التى تمثل امرأة تجردت من ثيابها، وجلست أمام مرآتها تستنطقها علها تسر لها عن مدى جاذبيتها.

فاللوحة تترجم عن الغريزة الحقيقية الكامنة فى المرأة ويبدو هذا من خلال وضع الجسم على أرضية اللوحة، كما يتضح هذا من خلال الخطوط المتناسقة، التى تبرز أعضاء الجسم على نمط موقع متتابع.

وخذ كذلك لوحته "آهات الغرام" التى يغلب عليها اللون الفاقع، وتلوح على ارضيتها امرأة مستلقية على فراشها، وقد تشعث شعرها وبدت فى عينيها

آثار السهاد، كما لاح وجهها متورما من جفوة النوم ... ويأخذك احساس عميق بأن ما تراه فى اللوحة جسم يحترق ويذوب على مهل، ربما لرغبات فيه لم تتسع، او لذكرى حب خائب ... وتدرك وأنت تتأمل اللوحة، أن هذا الجسم الذى يتآكل على مراحل، هو نمط من الاجسام الكثيرة التى يلوكها ويطحنها عصرنا الصاروخي، ثم يبتلعها، ثم يلقيها فضلات فى مزابل الحضارة، فتنمو في التربة العفنة من جديد بشكل جديد، يكون حجر عثرة فى سبيل التقدم.

حتى لكأن الفنان قد أحس بهذا فأراد أن يبين لنا عاملا هاما قضت عليه حضارة اليوم ، وهو "الاخلاص" كيفما كان نوعه ، وذلك يبدو فى لوحته "الحب لا يهمه المطر"، التى تمثل فتاة واقفة تحت المطر، عليها سمات القلق وآلام الانتظار، وبرغم غزارة المطر، فهي واقفة كالشجرة أمام حكم الطبيعة، وهذه اللوحة بسيطة فى ظاهرها، ولكن مضمونها يحوى نقدا اجتماعيا، مفاده كثرة الخيانات التى تقع بين الجنسين، وما تخلقه هذه الترهات من نقمة على الوجود الاجتماعى، وما تخلفه من لا مبالاة فى تصرف الفرد مع الآخرين. فكأن الفنان اراد أن يحقق بلوحته هذه حلما لو يجده فى الواقع وهو "الاخلاص" والصمود لأجل عاطفة نبيلة حتى ولو كان ذلك فى هول العاصفة. وهو بهذا يترجم عن عطش هذا الجيل وبحثه اللامجدى عن عاطف شريفة غير آسنة، تخفف عنه متاعب الحياة التى يلاقيها، وتبعد عنه هول وجوده، وتنسبه - الى حين - آلام الآخرين ... وهذا الرأي يتأكد عندما تستقرىء لوحته "ما قبل الانتحار Avant le suicide" التى يعبر بها عما يقترفه المجتمع الفاسد من اعمال لا تتماشى ومفهوم الحضارة، يكون الفرد عادة ضحيتها، والخشبة التى تحترق فى أتونها، الشئ الذي يدفعه الى هوة الانتحار.

فهذه الفتاة الواضعة يديها على وجنتيها، الناظرة الى الارض فى ذل وانكسار، الغارقة فى تفكير عميق، لتدل هيأتها على هموم وجودية قد حاقت بها، ومصير مظلم يتربص بها وبمثيلاتها. فهى قلقة لأن شيئا ما قد أصابها فى أعز ما تملك، ودفعتها هذه المصيبة الى التفكير فى التخلص من نفسها، كى يتخلص المجتمع منها، وعلى قسمات وجهها يبدو الزمان قد امحي، لأنها مساقة قسرا الى مصير لا بد منه: هو الانتحار.

ويمكن أن نلحق بالقسم الرومانى لوحتيه: ))سمفونية الليل(( و ))أين الشعراء ؟((.

ففي اللوحة الاولى تختلط الألوان، ويطفو عليها اللون الأسود المتجهم، فيلتقى الفنان بابرازه هذا المزيج من الالوان مع الشاعر، فاذا الليل عنده بتهجمه وهيبته سمفونية تتصاعد أنغامها من جوف السكون ، فتلهم النفس الشاعرة هموما ميتافيزيقية تزيد فى غربتها، وتعمق جذورها فى أغوار الوجود. ويبرز هذا الاحساس الشاعرى أكثر فى لوحته "أين الشعراء؟" فهذا الغاب المهيب، ذو الاشجار الباسقة الخضراء، والالوان الراقصة الصافية، يترجم مقصد الفنان، الذي يريد ان يقول فيه: إن الشعراء مهما وصلت بلاغتهم هم عاجزون عن رسم الطبيعة وابراز الوانها بالكلام. فقوة التعبير فى هذه اللوحة وغيرها من اللوحات السابقة، والمهارة البادية فى الخطوط، لتدفعني الى التفكير فى لوحات تصور مناظر الطبيعة كذلك، كان قد رسمها ))بول قوفان (1)((  فى ))جزيرة تاهتى(( كما أن حيوية الالوان وتوهجها، وما تضفيه على اللوحات من حقيقة فنية، لتذكرني بقول ((لبول سيزان (2))) كان قد بعث به فى رسالة إلى أمه من سويسرا يذكر لها فيه: ((لقد حاولت كثيرا أن أصور الطبيعة فلم أفلح، وإن عزائى فى عدم قدرتى على نقلها، هو أن الشمس لا يمكن بعثها أو نقلها، بحيث تعطينا الدفء، ولكنني أستطيع فقط أن أصورها بالألوان)).

وهذا ما تتحدث به لوحات هذا الفنان عن نفسها. ولكنه يختلف عن بول سيزان في أنه لا يتخذ تصوير مناظر الطبيعة غاية في ذاته، بل يتخذ الطبيعة مطية لابراز وجهة نظره إزاء الأدب والفن، وذلك لبيان أيهما أبلغ فى النفاذ الى جوهر الأشياء والتعبير عن حقائق الحياة، كما يتخذ الطبيعة مطية كذلك للتعبير عن حقائق اجتماعية مثلما يظهر ذلك فى لوحته ((الجدول الوحيد)) التى تمثل جدولا صغيرا ينساب بين أشجار نامية على ضفتيه، تتغذى من

مائه، وتزهر في تربته، وهو رمز لمعظم العائلات الفقيرة ، التى لا يكون فيها غالبا الا عائل وحيد، فاذا ما مات العائل، جف معين الرزق على بقية الأفراد.

2 - الاتجاه التقليدى: اقصد بالاتجاه التقليدى ذلك الذى صور ضمنه الفنان مناظر من حياتنا الشعبية ، مثل لوحته (عازف الدربكة) التى تتضمن رجلا متربعا ، يوقع بيديه على الدربوكة توقعا متناسقا ، وقد وضع فوق احدى أذنيه باقه صغيرة من الياسمين. فهذه اللوحة تبدو في ظاهرها بسيطة الى حد بعيد ، ولكن باقة الياسمين توحى لنا بمضمونها الحقيقي ، اذ جعلها الفنان رمزا يشعرنا بسعادة مثال هؤلاء البسطاء من سواد الشعب وخلو قلوبهم من مشاكل الحياة وهموم المجتمع ، وذلك بسبب تناولهم الحياة من جانبها الهين ، وعيشهم للساعه التى هم فيها ... فميلان باقة الياسمين على الأذن وميلان الرأس قليلا الى الشمال ليشعرك بأن هذا النموذج البشرى من سواد العامة يسخر بالموت ، ويسخر بالمصير ، ويسخر من معضلات الآخرين ، لأنه ببساطته الجاهلة يتسامى فوق مشاكل الحياة.

ولتناسق حركات الضرب على الدربوكة ، كانت اللوحة حية مملوءة بالحركة ، التى ان دلت على شئ فانما تبرز بوضوح النشاط النفسى للفنان.

ويدخل ضمن هذا الاتجاه لوحتاه ( مشهد من صفاقس ) و ( جامع سيدي بو مخلوف ) ففى الاولى تشاهد بعض الاشخاص يتحركون ويسعون ببطء ، وفي الثانية يبدو لك جامع قديم تترجم الوانه الهادئة عن خشوع المتصوفة وايمان العباد.

أما لوحته (قرية) فألوانها على برودتها معبرة، لأنها تترجم عن نوعية الحياة في القرى الريفية، اذ هي حياة باردة كتلك الألوان ، لأنها مليئة بالروتين المقيت، والسهو المتواصل عن احداث المجتمع والعالم، وفوق ذلك كله مليئة بالانتظار - انتظار (فودو) الممل: ... ولهذه الابعاد كانت الالوان والخطوط أبعد ما يكون عن الحيوية والحركة.

3 - اتجاه التجديد: وتمثل هذا الاتجاه في لوحته (الحيرة والدوران Angoisse et tourbillon) التى ظهرت لى القمة الفنية فى هذا المعرض، وذلك لجدة الطريقة التعبيرية فيها

من ناحية، ولاحتواء مضمونها على الهموم الميتافيزيقية والاجتماعية لانسان عصرنا من ناحية أخرى.

فمن خلال الدوائر الكثيرة المتداخلة، التى تشاهدها على ارضية اللوحة، يظهر وجه شخص غارق فى هذه الدوائر المتشابكة، وعلى ملامحه يبدو صراع نفسانى عنيف بين عوامل كثيرة تتطاحن فى ذاته، فاذا هو وسط هذه الدوائر المغلقة ما إن يخرج من واحدة حتى يقع فى أخرى. ومن خلال عينيه وعدم استقرارهما يطل الشك - الشك في القيم القديمة، والتهيب من القيم الجديدة التى يحاول خلقها المجتمع الحديث.

- الشك في مقدرة مجتمع اليوم على إيجاد سعادة الفرد، أمام تناقضاته واديولجياته.

_ الشك في ما تقوله السياسة وما ينجزه التطبيق.

- الشك في ما يطمح اليه الانسان المعاصر من مستقبل خصب الجنبات بما يخلقه العلم من خير، والتعاسة السافرة التى يوجدها هذا العلم بالذات.

ولكن هذه الشكوك وهذه المخاوف لا تخلو من أمل، فمن خلال الدوائر السوداء الكثيرة المتداخلة تلاحظ بعض الدوائر الخضراء الممثلة لأمل الانسان وتطلعه - أمل يضع سؤالا عريضا: ايصبح الانسان فى السنين القادمة سيد هذا الكون كله، وغازى هذه الكواكب جميعها؟

لكن ما الفائدة من وراء هذا الغزو والانسان لا يزال فى الأرض تمتصه الامراض ويرهقة الجوع وتنهكه العبودية وتقطعه الحروب؟.؟

كل هذه الاسئلة يستنتجها المتأمل في هذه اللوحة من خلال تلك الدوائر العديدة المتكاتفة، والتي يغلب عليها السواد ويغشى ما بينها لون أصفر محمر ومتجهم يعبر عن الحيرة والقلق والتهيب، أكثر من الأمل والانطلاق.

ويصعب الادلاء بحكم مطلق على هذا المعرض، الا أن ما نلاحظه فى القسم الأول هو تغلب الاحساس الجنسى على الفنان مثلما هو فى لوحاته: أمام المرآة - الحب العذرى - الحب لا يهمة المطر - آهات الغرام. فهذا القسم أكثره يخاطب الغريزة الجنسية أكثر مما يخاطب حاسة الفن ، باستثناء لوحتين: (أين الشعراء ؟) و (سمفونية الليل). ولعل ذلك راجع الى أن المعرض قصد

به غاية تجارية، اذ الحيلة التى يلجأ اليها جل الفنانين لاخراج بضاعتهم هى مخاطبة الغريزة فى الناس قبل مخاطبة عقولهم. وهذا المسلك فى الفن يزيد فى حدة التوتر العصبى لدى الجيل الحاضر، الذي صار عنده الجنس من الأمراض المزمنة.

كما أن المظهر الروما نطيقى الذي يلمسه المتفرج فى جل لوحات المعرض لا يتناسب ومفاهيم الفن الحديث، الذى يعتمد بصورة مباشرة أو بأخرى ابراز خصائص العصر وقضاياه. ولئن عالج الفنان في بعض لوحاته بعض المشاكل المعاصرة ، فان هذه المعالجة لم تستوف حظها من التركيز على أرضية اللوحة، اذ يبدو أن هناك هنات فى اشكال الاجسام أحيانا، كما يتضح لك ذلك من خلال الخطوط، الشئ الذي يجعلك تتذكر معامل (فورد) و(فبركتها).

ولكن الذي يجذب حقا في هذا المعرض هو ذلك الشعاع الراقص من الأمل والتفاؤل، الذى يشع من خلال الألوان المضيئة حينا، والمتوهجة احيانا ، فتخال انك أمام انتاج مصور من مصورى عصر النهضة فى أروبا.

والذي يطمن فعلا، أن هذا الفنان لم يتخذ من الفن الحديث - مثل بعض فنانينا - مطية لتغطية عجزه وقصر باعه فى التصوير ولم يجعل من الفن لحديث مهرزلة حديثة ، بل كان فى كل لوحاته يصور برشاقة ونشاط نفسى ، مبديا الأجسام والمناظر على طبيعتها ، محملا لكل لوحة معني من معانى عصرنا المعقد.

هبيرة فى 6 /70/8

اشترك في نشرتنا البريدية