الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

نقد المرصاد

Share

للاستاذ ابراهيم غلالى من منشورات دار المنهل الغراء " ٤٢ " صفحة - مطبعة المصحف

صلتى بالاستاذ السيد ابراهيم هاشم فلالى هى صلة المعجب بأدبه المكبر لفنه ، والأستاذ الفلالي هو أحد الأدباء المخلصين لفكرة الأدب المنشيئين بوسائل اصلاحه وانهاضه والذابين عن حياضه والعاملين على الدعاية الصادقة له ، ثم هو أديب ناقد له ماضيه فليس هو بمقتحم حمى الفكر ولا بطفيلي على رسالة النقد ولا ببعيد عن مجالات الأدب فى بلاده وان نأت به الديار وشط به المزار .

سمعت بمرصاد الاستاذ الفلالي قبل ان اقراه ، سمعت به فقلت مرحي ها هو ذا أديب حجازي يحمل مشعل النقد فى بلاده ليصحح الاوضاع والمقاييس ويثبت الاوزان والمعايير ويضع للادب رصيده وما من شك في أن أدبنا محتاج إلى ناقد بصير يميز بين الصالح والفاسد ويقوم عوجه وما اكثر اعوجاجه لذلك كانت فرحتى على السماع كبيرة وتشوقي على البعد كثيرا .

وأخيرا وقع بيدى ) المرصاد ( وأخذت اقرؤه قراءة فاحصه ، ممعنة فوجدت الاستاذ قد عرض فى مرصاده تسع قصائد لتسعة من الشعراء هم الاساتذة القنديل والعواد والفقى ورجب والسرحان وعرب والجمال والعطار وكاتب هذه السطور ثم عرض في دراسة عاجلة لخمسة من الادباء جمع بعضهم للشعر والنثر هم الأساتذة العطار والسباعي والانصارى والزمخشرى والشحاته .

والذي أعرفه ان النقد شاق ومتعب ذلك لأن النقد فن له أصوله وقواعده فاذا اعتمدنا في نقدنا على أصل واحد أو قاعدة مفردة دون مراعاة غيرها من القواعد جاء نقدنا ناقصا مبتورا .

ولست أدري هل يرضى الأستاذ الفلالي أن نقول عنه انه ناقد ذكي وانه لبق في اصطياد الزلات الأدبية والعثرات الشعرية ؟ أم الذى يرضيه حقا أن نقول : انه ناقد يقيم احكامه على موازين سليمة وأسس حكيمة و نظريات معترف بها

واحب أن اقول للاستاذ القلالي انني واحد من الذين لا يقيمون لمتقادم الشهرة وبعد الصيت وزنا ولكنني ممن يحكمون على الشاعر بآخر قصيدة دون أن يفضلوا نتاجه ككل ؛ ومن الذين تخف فى معاييرهم وطأة الاعجاب بأدبائنا الكبار الى اقصى درجاتها ولكنني مع هذا لا استطيع أن الغي انتاج شاعر كالاستاذ القنديل لأقول عنه في استطراد مر ونقمة أدبية لاذعة إنا بآرائك ونوازعك الى ميدان النثر فان للشعر قيودا لا تستطيع معها التحليق وفيم كل هذا أيها العزيز ؟ الأجل قصيدة شاء وزنها وأسلوبها أن يغطي على بعض ما فيها من جمال ، أو شاء قلم الاستاذ الا يعرض إلا لنقد أبيات ثلاثة من ابياتها التى تزيد على الخمسين بيتا ؟ .

أما قصيدة الاستاذ رجب حقيقة في خيال والتى اذكر انني لم اعجب الا بالقليل من ابياتها فقد كانت القصيدة الارجوانية فى نقده وقد راح يجهد قلمه البارع في شرح مطلعها :

راح يمتدح باخلاص وصبر عجبيين هذا البيت ويحلل معانيه وظلال الفاظه ويكتفى من تقريظ القصيدة ومدحها بتقريظه واضفاء شتى نعوت الاستحسان عليه ! والبيت بعد لا يستدعي كل هذا الجهد والوقت من الاستاذ الفاضل الذي دعاه الى أن يخجل تواضع البيت ويبعث القارئ على التساؤل : هل يستحق البيت كل هذا الثناء ؟ .

أما الاستاذ الفقى فقد بدأ نقده له بانه فسر قصيدته ) محاورة ( مجملة نثرية ما كان يستدعا المجال ذكرها والحقيقة أن الدكتور محمد مندور كان أول من سبق الى تنبيه الشعراء لخطل وضع هذه الكلمات التى اسماها ) قصاصات ( على مفرق القصائد وذلك فى معرض نقده لصديقنا الشاعر الموهوب محمود حسن اسماعيل ولعل الذي دعي الدكتور مندور الى ذلك ما رآه من ) موضة ( وضع هذه الكلمات لتضير بعض ما قد يغمض على فهم القارئ من مرامى القصيدة ولعل مخترع هذه القصاصات هو الأستاذ عباس محمود العقاد الذي له عذره لأن شعره الفلسفي في حاجة إلى التفسير .

انا مع الاستاذ الفلالي اذن في ان هذه الجملة ) على قصرها ( ليست بذات موضوع ولكننى لست معه فى ان لفظة ) العجول ( في مطلع قصيدة العنيد كانت مقحمة فالعاشق مهما طال به المجلس مع محبوبه لا يرى هذا المجلس الا قصيرا لا سيما إذا جاء ) بعد لأى وبعد هجر طويل ( والعاشق الان مهما برح به العشق ومهما انهكه برح الغرام فهو أمام محبوبه متصبر متكتم جلد ، وان فضحته عيناه وكشفه سهده وسقمه فلا غرابة اذن أن يقول الشاعر :

خالني الزم الفراش من الهج     ر واروى من الدموع غليلى

ولكنه مع هذا نضو سهد وسقام يواريهما التجلد خوف الانهيار أمام سلطان الحبيب ، وأمام جبروت الحب وسطوته أوليس كثيرا ايضا على الشاعر ان يقول :

أنا اهوى نفسي العزيزة من قب       ل هو اى الجمال والسراء

فالشاعر يهوى نفسه هوى العزة والكرامة . مهما صلى بنار الحب ، ولصديقى الشاعر الرقيق الاستاذ صالح جودت والذى طالما ذاب غراما في وجده قصيدة اذكر منها للاستاذ القلالى هذه الابيات التى يخاطب فيها محبوبته خطاب المحب الهدل برجولته وكرامته :

أجل أنث فانتة انما       أرى عزة النفس لى أفتنا

وان كان عندك سحر الجمال      فسحر الرجولة عندي انا

وان غرروك بحلو الشباب .     فان الشباب قريب الفتا

الى ان يقول :

فلا تجعلى من غرور الأنو      ثة بابا يسد الهوى بيننا

فيكتم عنك شئون الهوى      ويظهر غير الذى ابطنا

أما نقده لقصيدة الاستاذ السرحان فقد كان مخلصا فيه فالسرحان شاعر كبير ونحن لا نتبع من شاعريته المحلقة بقصيدة ) الزمان ( وان كنت معجبا بصياغة هذه القصيدة كل الأعجاب واذا جاءت معا فى النثر حان يوما متوسطة فان صياغته لا تجيء الا قوية ناضجة ابدا على اية حال فالالفاظ مهما بلغ من جمالها لا تقدم ولا تؤخر فى حسن السبك و دقة الرصف فانت تعجب بالمنزل القوى البنيان الشديد ، الثابت الاركان ، كما تعجب بالمنزل المبيض الجميل الشكل

ذى التزاويق والنقوش بل ربما زاد اعجابك بالاول لانك لا تدرى ماذا يضم التزويق من خراب وهلهلة الا بعد زال القشرة عنه !

ومن عجب أيضا ان يحكم الاستاذ الفلالي على شاعرية صديقه العرب بأنها  شاعرية وقفت عند حدها قبل عشر سنوات - لان قصيدته بالعدد الممتاز لم ترقه فارتكمت فيها المعانى ووضحت فيها ) اللفظية ( دون تنسيق فظهر كأثرياء الحرب يتزينون بكثرة ما يملكون من خواتم الذهب فى شتى الاصابع فهلم نستمع الى حسين عرب من قصيدة اخرى نشرتها له مجلة الكاتب المصرى :

يا سارى الليل هلا استصبح السارى    أم ضل مسراه فى بيداء مقفار !

حبي الحفاظ على حبي ومقتبلى     واستهدف اليأس آمالي وأفكارى

فلست اعجب من شعري وسانحتى   ولست اطرب من لحنى وقيثارى

ياسارى الليل خذنى فى غياهبه   واضرب بنا فى متاهات واقفار

فما الحياة سوى اشجان مغترب    وما النعيم سوى ادلاجة السارى

وما السعادة فى رأى سوى شبح    من الظون توارى خلف منظار

ألوم نفسي ولا القى لها خطأ       فانثنى بصباباتى واسرارى

وهذه القصيدة من خير ما كتب الشعراء المجيدون وأنا أكتب هذه الابيات الجميلة منها من وحي الذاكرة ولو كانت القصيدة امامى الآن لاخترت منها ما يعجب الفلالي حقا فهل وقفت شاعرية صديقنا الاستاذ عرب عند حدها البدائى ؟

اما الاستاذ الجمال فقد عاب عليه فى قصيدته مع القمر قوله : ) ايها اللاهث فى حضن السماء ( فالقمر لا يلعب فى حضن السماء ولكنه يسير فى هدوء ووقار كما يسير الشيوخ الكبار ليرجع الاستاذ الى عشرات القصائد في وصف القمر فسيجد ان كبار الشعراء قد وصفوه بما هو أكثر من اللعب والمرح لان للقمر فى كل خيال صورة وما زال مستوحى للقرائح ! وفي دنيا المجاز متسع ورحابة ! وعلى أى حال فقد اثنى الناقد ثناء محدودا على شاعرية الجمال فى حدود امكانياتها ! واذ ينتهي الاستاذ من نقد الشعراء التسعة ومحاسبتهم على قصائدهم التى نشرت

فى عدد ) البلاد السعودية ( الممتاز نرى البحث يجره الى مطالعة بعض الآثار الادبية لاعطائها بالدراسة ما تستحقه من النقد وهذه الآثار التى تعرض لها الناقد هي ) الهوى والشباب ( للاستاذ احمد عبد الغفور عطار و ) احلام الربيع ( للاستاذ طاهر الزمخشرى و ) فكرة ( للاستاذ احمد السباعي و ) بناة العلم فى الحجاز الحديث ( للاستاذ عبد القدوس الانصاري والمختار من شعر الاستاذ حمزة شحاته فى مجموعة ) الشعراء الثلاثة ( .

فلننظر كيف كانت دراسة الاستاذ الفلالي لهذه الآثار ؟ لقد شاق الاستاذ الفلالي ديوان ) الهوى والشباب ( للصديق العطار فتعرض لثلاث قصائد منه هي ) السلام ( و ( بل ربيع العمر فى هذا المكان ( و ) شقوة ( فأثنى ثناء مستطابا على شاعرية العطار وفي غمرة هذا الثناء كان النقد يهتف بالاستاذ أن مهلا فأين مكاني ؟ ! وتناسي كذلك فى غمرة اعجابه بالعطار انه وعد الديوان بايفائه حقه من النقد ولم يقل حقه من التقريظ لقد انصف العطار حقا ودال على انه يستطيع ان ينصف ! وهنا تتحرك حاسة النقد في الاستاذ الفلالي ولكن بعد ان يكون قد انتهى من ديوان ) الهوى والشباب ( ليستقبل الزمخشرى وهو يقدم فى تقدير بالغ ) انشودة الملاح ( للاستاذ على محمود طه ، وانشودة الملاح هي القصيدة الارجوانية في ديوان ) احلام الربيع ( وفيها صور زاخرة بالجمال وخفة جرس وعذوبة ايقاع فماذا عمل مع الزمخشرى ؟ ! لقد نظر الى الزمخشرى نظرة رثاء واشفاق وود لو لم يسارع بتقديم هديته للشاعر الكبير لماذا ؟ !

لان الحيرة ترين الزمخشري ، الحيرة التي تدعو الى الاشفاق وهو يقول .

فمتى ترسو سفيني ؟ فلقد      طال مسراى وانى ؛ لست ادري

ولانه يقول :

فمتى ترسو سفيني ؟ اننى      حائر سار يريد الأبدية

والحائر لا يعرف ما يريد كان السائر في طريق الابدية يعرف مستقره ! لا يا صديقى انه حائر في خضم الحياة ضارب في متاهاتها :

يرنو الى الآباد في وحشة     ودون مساه رمال وبيد

وحينما يقول الزمخشرى :

ومطبق الفك فوق الفك في دعة    ومرسل القول بالتهريج فى محن

يقول له الاستاذ الفلالي : يا استاذ زمخشرى ! إن مرسل القول بالتهريج ليس فى محن ( والزمخشرى جلد مصابر فكلما طعنته الأيام بخنجرها رنا إلى الجرح وابتسم وراح يضحك منه هازئا ويسخر من البلوى مقهقها ملء فيه و ( شر البلية ما يضحك ( واعنف الرزايا ما يذهل

أما انتقاده ) اذ لا تؤاخذ الاعثرة اللسن ، فاعتقد أن اللسن هي صفة وليست هنا بمعنى اللسان . اما الكلمات التى وصفها بانها لا شعورية فى قول الزمخشرى ) ويحه ، ويلي ، الاياويحه ( فانني اخالفه الرأى واعدها من مزالق الزمخشرى لاسيما فى هذه القصيدة التى تجلى فيها جمال السبك وانافة الصياغة

ما ) فكرة ( السباعي . فلست ادري انقدما الفلالي ام قرظها ؟ لان ترجحه فى الرأى لا يدع للقارئ سبيلا لفهم مايريد ان يقول : أهى قصة ؟ أم رواية ؟ أم ليست قصة ولا رواية ؟ ؟ فما هى إذن ولا اتجني على الصديق الفلالي فهذا ما كتبه عنها بالنص : ) وهاهى فكرة تأليف الأستاذ السباعي وانا لا اريد ان انقدها كقصة ( لماذا ؟ ) فان فن القصة لازال يحبو فى بلادنا وهو فى البلاد الشقيقة لم يبلغ الذروة ومن العنت أن نريد من ) فكرة ( السباعي قصة بلغت الكمال ( فهل هي إذن قصة ولكنها لم تبلغ الكمال ؟ لا يجيب الاستاذ الفلالي ولكنه يقول : ) فهي على كل حال قصة لم يحاول انتاجها احد غير السباعي ( ثم يحس بالحرج وملاحقة القارىء له فيقول : ) أقصد قصة كبيرة اشبه ما تكون بالرواية لأن السباعي زاول كتابة القصة الصغيرة وانه مجهود مشكور ولا يرضينا أن تقف محاولات الأستاذ السباعي عند هذا الحد بل نطلب منه أن يعاود محاولاته لعلنا نرى منه ما يشرف البلاد فى هذه الناحية من المجال الأدبى

هل ) فكرة ( قصة ؟ ان الفلالي لا يجيب أو يحاول ان يجعلها بين القصة الكبيرة والرواية ويخلص من هذا بقوله : ) لأن السباعي زاول كتابة القصة الصغيرة ( ولكن هل نجح السباعي في محاولاته ؟ لا يجيب الفلالي ايضا الا بقوله : ) بل نطلب منه ان يعاود محاولاته ( وهكذا يرجع النظر القارئ فيما كتبه الفلالي فلا يخرج منه الا بترجح الناقد وحيرته ! ولعل مرد هذا كله الى مادار

آنفا من نقاش طويل حول ) فكرة ( وفى ذهن الناقد صوره مضطربة أو غير مفهومة لهذا النقاش ويخشى ان يتهم بمبالاة السباعي أو محاباة ناقديه وهكذا فضل ان يلف ويدور ويحجم ويخلص من هذا كله الى امتداح تعبير السباعي الشعرى ثم ياتينا بنماذج من نثره الشعرى المتالق فى صفحة ونصف من صفحات المنهل ليقول فى ختام كلامه : ) هذا نموذج من شعر السباعي المرسل وهو فى كل نثره شاعر صافي النفس قوى الأداء رقراق العبارة مرفرف الروح ( كما يقال فى وصف قصائد الشعراء : شاعر مشرق الديباجة رائع التصوير جيد السبك !

ونسي الفلالي انه فى هذا المجال لا يبعث متحبة أو بوصف شاعرى ولكنه يزن اثرا أدبيا انفق عليه بادعه عمرا فهل خلص القارىء الى شئ من هذا ؟ أو هل يرضى السباعي من الناقد بإيراد نماذج من نثره ووصفه بانه شاعر خصيب الخيال وقد وفق الفلالي فيما كتبه عن ) بناة العلم فى الحجاز الحديث ( للأستاذ الأنصارى خاصا بإيراد نماذج من اسلوبه تتسم بجمال العرض واتساق التعبير وشمول الاحاطة وفي امتداحه لأسلوب الصورة الأدبية فى مقال ) رجل ( حيث يتحدث الأنصارى عن شخصية الشيخ محمد سرور الصبان ولكن لعل الأنصارى لا يكتفى من الناقد بالنظر فى اسلوبه وهو يقدم فى " بناة العلم فى الحجاز الحديث " تاريخا ودراسة متعمقة لرجل من كبار الرجال وافاضلهم انه لا يعرض للكتاب الا من زاوية واحدة فأين بقايا الزوايا ؟ !

ولست أدرى لماذا اغتبطت وانا أقرأ ماكتبه عن ) الأنصارى الشاعر ( فما قرأته من شعر الأنصارى انما هو نزر يسير ، والنماذج التى أوردها الفلالي تدل على ان الأنصارى شاعر محن وان كان مقلا ، شاعر يعنى باشراق الديباجة وتنويق العبارة وفخامة الجرس ! والحقيقة ان الأنصارى كان مجيدا فى قوله :

صقل البيان فكان فى الشعر    وحي الربيع وبسمة الزهر

وحكت قصائده بروعتها      ذهب الاصيل ونسمة الفجر

الطير ترقص من قصائده    طربا وتعرض عن صدى القمرى

ولقد اذكرتني ابيات الانصارى ابياتا فى وصف الربيع لشاعر مقل آخر هو الاستاذ محمود محمد شاكر حينما يقول :

ايامه كالعيد ضرها       ترف الصبا وغضارة الحب

زهر نواعم فى نضارتها    سحر الحياة وفتنة القلب

تمشى بأنفاس معطرة      تحيى بريا الحب او نسي

تنساب فى النسمات عابثة    عبث الدلال برقة العتب

عطر الحبيب على نسائمها     يذكى غرام الهائم الصب

هذا ربيع الناس وا حزنى       وربيعي الاشواك فى قلبى

احيا الشباب ربيع حبهم      نعموا به - وأماتنى حبى

وهكذا ينساب الشاعر هادئا رشيقا رفرافا يسبح فى دنيا الجمال فيرده واقعه الحائر الكبير الى اسر غرامه وجحيم هواه واشواك قلبه ويرى نفسه وحيدا منفردا عن دنيا الناس وعن ربيعهم المشرق الجميل مجترا آلامه وأشجانه فى عزلة كاربة . على اننى لست ادري كيف فاتت لفظة ) النسائم ( الأستاذ اللغوي القدير محمود شاكر فتغاضى عنها اذ بدهى ان النسمة لا تجمع على نسائم وانما تجمع على نسم ونسمات وأنسام ولكنه غلط مشهور يقع فيه كثير من الشعراء وممن وقع فيه ايضا الجارم يرحمه الله .

هذا استطراد ارجو ان يغفره لى الاستاذ الفلالي فهو الذى ساقني اليه بايراده شعر الصديق الانصارى .

وقد اختتم الاستاذ الفلالي ) مرصاده ( بالاستاذ حمزة شحاته فحلل ثلاث قصائد من شعره الرائع وأثنى على شاعريته الفياضة وفنه الجهير الخلاب ! ثم أصم اذنيه هنا ايضا عن نداء النقد ولأهمس فى أذنه ان أى شاعر يا صديقى كائنا من كان فى علو المكانة ورفعة المنزلة وسموق الشاعرية هو عرضة لان تغفى شاعريته برهة أو هنبهة عن مجالات الوحي والالهام فيسف قليلا أو كثيرا وحينئذ لابد ان يجد الناقد فى نتاجه ثغرة ينفذ منها أو نافذة يطل على القراء من خلالها ولأن هذا عمله كناقد واذا تأثر الناقد بعواطفه وانحاز الى منقوديه فتلك آفة الآفات : على ان هذا لا يمنعني ان أقول ان حمزة شحاته شاعر ملهم حقا وقد كان مبدعا فى قوله :

فرب ابتسام دونه وغرة الحشا       واعراضة فيها الحنان المحجب

وقيت الأسى لو انصف الحب بيننا    لما بت أرضى فى هواك وتغضب

ولكنه ) المقدار ( يعبث بالفتى      على وضح وهو البصير المدرب

والمقدار لا يأتي بمعنى المقدور

على اننى لا اعتقد أن الشحاتة يرضى من الفلالي ان ينعته بان شعره يذكره بشعر القدامى وبشعر البحترى وجرير فالشاعر العصرى الذى يرق حتى يقول :

يا حبيبي يا ملتقى السحر     والفتنة يا غالبى على امر نفسي

لم كانت ولا أسومك لوما     قسمتى فى هواك قسمة وكس ؟

الأني آثرت فى حبك القا     هر عزى ذهبت تطلب نفسى ؟

أم لأني ضحيت بالألم الصا     مت اطوى على المراجع حس ؟

هذا الشاعر يؤذيه على ما اعتقد أن نصف شاعريته بانها تذكر بالشعراء القدامى وان كان هذا القول فى معرض الثناء والتقدير

وبعد فان ) المرصاد ( كتاب طريف جدير بالاقتناء ! وان من يقول ان الفلالي تنقصه النزاهة وتخونه الصراحة فما أصاب ومهما يكن الامر فانني لا أجد بدأ من الثناء على مجهوده ولولا احترامى لأدبه ما تعرضت لنقد بحثه فاكرر تحيتى له متمنيا لكتيبه الرواج والازدهار ) ٣ ( .

اشترك في نشرتنا البريدية