الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

نقد تجريبى، قصائد على السريي الابيض

Share

1) المضامين

لقد حاولنا فى الحلقتين السابقتين من هذه الدراسة ان نحدد المفاهيم الحضارية التى ينطوى عليها البناء الهيكلى لقصيدة " غير العمودى والحر " فبينا مدى ارتباط الموسيقى الشعرية لهذا النوع الجديد من الشعر بالمحيط الصوتى الذى يعيش فى خضمه الشاعر ومشاركتها فى الافصاح عما يختلج في نفسه من مشاعر وأحاسيس ولقد اقتصرنا فيما سبق على توضيح هذه النواحى الشكلية اعتقادا منا - خلافا لما يراه الكثير من كتابنا - أن الشكل وحده فى مقدوره ان يعبر عن حضارة بأسرها وان يعكس نظرة الى الوجود لا تخلو من العمق والطرافة . ومن هنا كان رفضنا لتلك الاوهام الباطلة التى طالما تعلق بها عدد لا يستهان به من النقاد العرب والقائمة على اعتبار المضامين المصدر الاساسى لدراسة تطور الشعر ما دامت هذه المضامين تتلون بتلون العصور والامكنة . والواقع أننا لو فحصنا هذا الرأى جيدا لوجدناه مبنيا على سطحية فى التفكير وسذاجة فى تقييم الآثار الشعرية ، ذلك التقييم الذى لا يخرج فى حد ذاته عن دائرة " التذوق " البسيط ، فيظل رهين العفوية واجترار الاحكام المسبقة بدون تمعن او تشبع بالروح العلمية . ومع هذا فنحن لا نرمى بالمضامين عرض الحائط ولا ننكر مالها من قيمة وميزات ، لكننا نعتبر اختيارها والتصرف فيها حقا من حقوق الشاعر فلا يهمنا ان يكون ثوريا أو معتدلا ، محبا للمرأة او ناقما عليها ، متفائلا او متشائما : كل هذه الامور فى نظرنا تافهة وخارجة عن نطاق الشعر .

ألا ان الشعر خلق فنى يقوم فى الدرجة الاولى على وعى المتعاطى له بكثير من المعطيات الحياتية والحضارية التى يهتدى الى تبينها بثاقب فكره وقوة حدسه ثم تجسيم تلك المعطيات كلها فى هيكل فنى متماسك الاطراف ، متناسق الاجزاء ، ويأتي بعد ذلك الالهام والوحى والعبقرية والنبوغ والخرافات ...

وحتى لا يتبادر الى ذهن البعض ان " غير العمودى والحر " لا يقيم وزنا للمضامين رأينا ان نتحدث فى هذه الحلقة باطناب عن مزايا المضمون وخصائصه فى الشعر التونسى الجديد . ولقد اخترنا لهذا الغرض خمس قصائد للطاهر الهمامى تمثل وحدة متكاملة من حيث الموضوع الذى تدور حوله . والجدير بالذكر ان جل هذه القصائد وليدة نفس لظروف تقريبا إذ ان الشاعر قد كتب البعض منها فى مستشفى فرحات حشاد بسوسة والبعض الآخر في المستشفى العسكرى بتونس وهى على التوالى : " قصيدة الحياة ، " الرؤيا تمتد مترا " ، " مذكرات على السرير الابيض " ، " ممرضتى الجميلة أصدقائى "

المحيط المادى

لدراسة هذه القصائد سنبدأ قبل كل شئ برسم المحيط الذي كتبت فيه معتمدين فى ذلك على الاوصاف والاشارات القليلة المتفرقة التى ساقها الشاعر فى خصوص ذلك المحيط .

ففي " قصيدة الحياة " نجد الشاعر يلح على وجوده " بين جدران أربعة " فيكرر هذه العبارة ثلاث مرات ويشير الى " الاسفلت البارد الحزين " الذي يحول بينه وبين نقاوة أديم الارض وطهارته .

وفى " الرؤيا تمتد مترا " يحدثنا الهمامى عن " سريره الابيض " بدون ان بسهب فى وصف شكله وما عليه من غطاء كما يذكرنا بالاسفلت البارد الحزين و " الجدار " الذى " يحجب عنه الشمس " و " يمنحه امتارا "

اما فى " مذكرات على السرير الابيض " فاننا نجد اشارة ثالثة الى " الاسفلت البارد الحزين " فهل تكفى هذه اللقطات لتصور المحيط المادى الذى كتب فيه الشاعر قصائده ؟ ان هذا المحيط كما نرى تغلب عليه الرتابة .. فلقد طغى اللون الابيض على المشهد من جميع نواحيه . حتى كأننا أزاء صحراء من ملح أو وسط ضباب كثيف .... ثم تضاف الى هذا البياض الشامل الاشكال المستطيلة الجافة للجدران الاربعة وسقف الغرفة وقاعها والسرير ويتداخل الكل ضمن بعض الامتار المكعبة القليلة من الفضاء ويتولد عن هذا التمازج قلق خانق فتاك سرعان ما ينفث سمومه فى المحيط الخارجي الذي يتحول فى مثل لمح البصر الى جحيم يتخبط فى داخله الشاعر بدون اى امل فى النجاة ..

اما الحركة فانها معدومة او تكاد وسط هذا المحيط الضيق ماعدا فى قصيدة " ممرضتى الجميلة " التى تلتقى فيها بشخصية هامة ستكون بمثابة الترياق

بالنسبة الى السموم القاتلة التى يفرزها القلق وهذه لشخصية هي الممرضة التى قال الهمامى انها " جميلة عذبة " وانها " سمراء " و " صعبة " ، " تضحك له " و " تحنو عليه " .

التجاوز

فالمحيط اذن كما اسلفنا مافتئ يطوق الشاعر بضيقه ورتابته ويعصره عصرا فلم يجد بدا من مقاومته بكل ما يملك من بقايا قوة كاد يأتي عليها المرض ويحتدم الصراع بين الطرفين ولا يقدر الشاعر على تحطيم القيود المادية التى تكبله وبالتابع الانعتاق فيتأزم الموقف وتعظم المأساة وتشتد ضراوة المحيط الخارجى ويبحث الشاعر عن منفذ ينطلق منه وعن كوة صغيرة يطل منهما على العالم فلا يبصر أمامه الا الجدران الاربعة ترمقه فى شئ من التحدى والتشفى وتبرز الممرضة بغتة فيجد فى عينيها راحته المنشودة ويتسلل منهما الى خارج المستشفى بحثا عن السعادة فى " غابتى زيتون " وهكذا فلقد اكتشف الهمامى طريق الخلاص من الآلام التى تمزق جسمه ونفسه فى خياله الذى يمكنه من نخطى " الجدران الاربعة " لمعانقة العالم بأسره .

الا ان تجاوز الشاعر لمحيطه المادى الضيق لا يتجه دوما نحو سعادة وهمية يرتمى بين أحضانها قصد نسيان واقعه المأوى المرير بل كثيرا ما نجده بنطلق بخياله الى الصعيد العالمى حيث تصطرع القضايا البشرية وتتزاحم فكأن المأساة الفلسطينية مثلا قد ضربت جذورها فى اعماق قلبه حتى اصبحت تمثل وحدة ومأساته الشخصية .

فى الجبهة الشرقية

قطة رمادية

رمادية كلون أيامى

تموء مواء

فهل أفاده تجاوزه لواقعه فى شىء ؟

كلا وكلا ! لقد تبين له فى نهاية الامر ان سجن غرفته لا يضاهى سجن العالم وان الامه لا تضاهى آلام البشرية . فلماذا الفرار يا ترى من " بين الجدران الاربعة " ؟ ومن " الاسفلت البارد الحزين " ؟ لقد كتب على المرء ان يعيش سجينا سواء فى " قعر مستشفى " او فى الهواء الطلق . وهل من أمل فى الانتصار على الالم ؟ .. لقد تأكد الشاعر ان ذلك الامل ليس الا " فجرا خادعا كذابا " وهكذا يستبد به القنوط ويملك عليه نفسه . ورغم كل ذلك ، فما اليأس الا

وليد لحظات معينة تمر على قلبه مرور البرق اذ سرعان ما يعاوده الامل من جديد فى مقطوعة " افراج "

الفجر فى الابواب

يدق الفجر

يتسلل عبر مشانق الظلمة

الفجر فى الاعتاب

يتكدس ضوءا وأزهارا

فالفوز قريب ولا داعى الى الخوف من الموت لان الشاعر ان مات ، سيواصل أصدقاؤه من بعده السير فى الطريق التى رسموها معا لانفسهم

سيبقى اصدقائى

يطرقون سمع هذا العالم

ويملأون شوارعه الكبيرة

ان جاز أن أفنى

وينتهى غنائى

سيبقى اصدقائى

يشوشون هذا العالم "

ولعل اهم ما نخرج به مما تقدم هو أن العمودى والحر " لا يخلو من مضامين ذات مستوى رفيع وان كانت لا تمثل فى حد ذاتها الا عنصرا ثانويا من عناصر هذا الشعر الجديد الذي يعبر عن الحضارة التونية بشكل مما يعبر عنها بمضامينه التى لا تفيدنا الا فى التعرف على حالات الشاعر النفسية

اشترك في نشرتنا البريدية