الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

نقد قصة " الصراع "

Share

رأينا أن نحاول تجربة نأمل أن تفوز برضا قرائنا الكرام وخاصة مراسلينا منهم وهى تذييل بعض القصص أو القصائد بنقد انشائى يقوم به أحد أعضاء أسرة " الفكر " وذلك مساهمة فى علاج قضايانا الأدبية وخلق تيار من النقد البناء النزيه فى هذه الديار . الفكر

أرسل الينا السيد محمود الغودي ، من طرابلس الغرب بهذه القصة . فرأينا أن نتناولها بالنقد لما وجدنا من مادة خام أصيلة تصلح أن تجعل منها أثرا أدبيا ممتازا .

ومن الآثار الأدبية ما يؤاتى للنقد أكثر من غيره وهى تلك التى تنم عن مواهب مطموسة ونبوغ ضال يبحث عن منفذ له ، فيدله النقد إلى الطريق القويم . وهذا ما رأينا فى قصة السيد الغودي . ونقول قصة لا أقصومة ، وإن كان حجمها يدعو إلى التسمية الثانية لأنها تتناول حكاية حدث قائم الذات كامل ، له مبدأ وتطور ونهاية . وذلك شأن القصة وأما الأقصوصة فهي لمحة أوجانب .

وملخصها آن فتاة عرفت رجلا فنشات بينهما صداقة آلت إلى حب لكن بين الحبيبين خلاف فى الموضوع ، ترى الفتاة ( أن الصداقة يمكن أن تعيش بين شخصين تصلهما علاقة جنسية ) ويري الرجل ( أن للحب معنيين لا ثالث لهما : إما علاقة نقية كالحليب وإما علاقة جنسية محضة ) وعاش حبهما مدة فى صراع بذلت فيه الفتاة قصارى جهدها لتثير عواطف من تحب حتى أدى بها ذلك إلى أن تتخذ خليلا . ولكن باء سعيها بالخيبة وانتهى الأمر بالفراق .

المشكل ، انسانى صادق ، وأصدق ما يكون فى مجتمعنا الشرقى ، حيث تفاوت درجة الثقافة بين الرجل والمرأة وقلة تساويهما في التقدم العقلى . هذا النشاز نعيشه فى واقعنا ونشعر بوطأته وما تقوم عليه من مآس يوميا . أو يكاد . فالطبيب قد وضع اصبعه على مكان الداء . ومما أكسب الموضوع أصالة ، أن الراوية ( أخذت العهد على نفسها بأن تكون صادقة)

فها نحن قد تحررنا من الأدب الهادف ، من الوعظ والإرشاد . هذا الداء الذى هو فى عنق ادبنا المتخبط الطموح إلى التجنيح والتحليق بمثابة الحجر يجذبه إلى الحضيض ها نحن اذن ، أمام قلم غايته أن يطلق العنان إلى فوارة من العواطف الصادقة وهذا لعمري قوام الادب الرفيع ، لو أسبغ الكاتب على قصته من الأساليب القصصية

الأفكار كما يقول أحد أساتذتنا ملقاة فى الشارع . لكن تعوزنا كيفية العرض . يعوزنا أن نعرف فى أي مقام يحسن الاطناب والشرح والتحليل وفى أي مقام يحسن اللف والاختصار . وقد رأينا فى هذه القصة نموذجا من ذلك ففى مقام لف ما ينبغى نشره قول الكاتب فى مفتتح قصته ( عرفته فى مناسبة من المناسبات العادية ) فأية مناسبة عادية ؟

هذه المناسبة ، أيها الكاتب ، يجب التمهل فى سردها والإمعان فى ايراد كل ما دار فيها من شارده ووارده فتتجلى نفسية البطلين ويفطن القارئ إلى العبارة أو الحركة أو الصمت حيث قدحت المحبة . قال بعضهم " الحب بدء ونهاية وأما ما بين تينك فحشو لامعنى له " فكيف تغبن البدء فى كلمة فاترة كتلك ولعل الكاتب عندما نبه ، بجانب العنوان أن قصته واقعية يقصد انه فى حل من الأساليب القصصية . إن للخيال فى هذا النوع من القصص دوره وللحقيقة دورها .

دورين مضبوطين معينين نراهما كثيرا ما يلتبسان في عقول الناشئة من كتابنا فيظنون آن من القصص ماهو خيالى صرف ومنها ما هو حقيقى صرف . وكلا النوعين فيما نعتقد ، ليس من الأدب فى شىء . وإنما الأدب ما اعتلج فيه الاثنان نصيب الحقيقة أن تكون العواطف انسانية والحوادث محتملة .

ونصيب الخيال أن ينسج الكاتب على تلك التسدية ويطرز ما شاءت له الاحلام فيجعل من ذلك مفرجا لعواطفه وخواطره وآفكاره قال شوقى أنا انطونيو وانطونيوانا فدل ، رحم الله امير الشعراء ، أحسن دلالة على سر الكاتب مع بطله ، بل مع جميع أبطاله مهما كانوا حتى لو خالفوه في الجنس ، قال فلوبير : " مامدام بوفاري إلا أنا نفسى "

فالقصة إذن حقيقة يسوقها الخيال بموسيقاه الشجبة . فعنونة هذه القصة بالواقعية لا تبرر غمط المواقف الرئيسية والركون إلى تعابير أقرب إلى التقارير الإدارية منها بالديباجة القصصية وكذلك قوله ( وينمو - الحب - على هذا الشكل الفذبين انسانين تخالفا قلبا وقالبا )

فهذه الجملة يعقد للتبسط فيها فصل أو فصول أو تكون هى موضوع القصة فتسرد من الحوادث ويلفت نظر القارئ إلى ملاحظات ودقائق وتوافه هى فى تقرير العلاقات البشرية حواسم . حتى يقتنع ويقول من نفسه : " هذا شكل فذ ، هذان انسانان تخالفا قلبا وقالبا " فيعجب أن ينشأ بينهما حب . وأما مجرد القول فلا شئ .

قال أحد النقاد : " القصة امتاع واقناع " ومن المواضع التى ينبغى فيها الاطناب أيضا قوله : ( أخذني معه إلى مكان ما) (حصلت مشادة عنيفة بيني وبينه ) (اتخذت لى خليلا)

كل جملة من هذه الجمل ، تشكل ، كما يقول بعض محررينا ، فصلا كاملا ، فتجىء القصة الطويلة . ( اخذها إلى مكان ما ) فما أحلى هذه ال " ما " فإلى أين وأي المناظر رأيتما وأي المواضيع طرقتما وكيف كانت ظروف الرحلة ؟ وهذه المشادة العنيفة ، فأين عنفها وما القصة إن لم يخضها معك القارئ حتى تمر به الأحاسيس التى مرت بك ؟ ثم تكتب ببساطة " واتخذت لى خليلا "

مثل هذه الاحداث ، معالم تسم الحياة وتقوم عليها ذكريات لا تبلى فلا نستخف بها فنلفها فى كلمة عابرة . بينما نجد التبسط اين ؟ نجده فى أن يأخذ الكاتب معنى واحدا فيمططه فى إعادات كثيرة مترادفة لا طائل تحتها فيقرآ القاريء شوطا والمعنى هو هو لا يتغير بل يضعف ويأتى الملل .

نجد هذا خاصة فى الثلث الأول من القصة فهو طويل ثقيل خال من التشويق يردد معنيين اثنين : تأثير الحب على الراوية وإطراء الحبيب ومن ذلك قوله : ( ان بنفسه شيئا نحوي مثل ما بنفسى نحوه ثم ( وتكونت بيننا صداقة متينة ونشأت عنها علائق وطيدة ) فهذا تكرار وقوله : - ( لم يبذل ما بذل ولم ينفق ما أنفق ولم يصب ما أصاب من عناء وتعب . )

و - ( علها تتغير أو تتبدل أو تفتر أو يعتريها . ) فهذه جمل تتكرر ثلاث أو أربع مرات كان تكفى منها واحدة . قال بعضهم : " إن للمعنى الواحد تعبيرا و احدا بليغا جميلا فعلى الكاتب أن يجده ويكتفى به " وهناك مبالغات تافهة نشتهى لو يجتنبها الكاتب لأنها تضعف لتحرير من حيث يراد تقويته كقوله

-( اندهش الناس كيف يتعلق النقيض بنقيضه ) فمم الإندهاش ؟ هل من أن تتعلق إمرأة برجل ؟ ! ثم قوله ( امر عجيب . هذا الصديق الأعجب ) هذه المآخذ التى تتلخص فى لف ما ينبغى نشره ونشر ما ينبغي لفه وشىء من المبالغة التافهة رغبنا فى التنبيه عليها لأننا نراها شائعة عند الكثير من كتابنا الناشئين فتنطمس آثارهم رغم ما تنطوى عليه من اصالة جوهرية . فانظر معى أيها القارىء إلى هذه الإلتفاتات البديعة . هذا التناقض الذي يراه الناس من أسباب الجفاء هو آية هذه العلاقة )

(أن شبعت عفة ونبلا وصوفية )  (واظل انقم عليه لأنه لم يضربني ) (آخذتني الدهشة حتى ظننت أنه احتسى . ولم يمض قليل حتى كانت العدوى قد سرت إلى وصرت أكثر منه عبثا ومجونا ) هذه الكلمات حقائق صادقة . كل واحدة منها تلخص عوالم تتيه فيها النفس .

وبعد فإليك ايها الكاتب بعض الإرشادات إلى ما نسميه بالأساليب القصصية وهى الحوار والوصف وإبراز المواقف الرئيسية فالقصة خالية من الحوار والحوار هو العصب الحى الذى يطبق به الكاتب بصورة عملية تحليلاته . فإن شخصا على أنه أحمق يجب ان يظهر ذلك فى الحوار ثم أن الصراع الذي يتجلى فى الحوار أبلغ من الحكاية . والمواضيع التى يحسن فيها الحوار هى هذه ( وكل همه أن يحدثني في مواضيع عقلية بحته لا تمت بصلة إلى ما أعتقد أنه يجب أن نتكلم فيه ) ( يلومنى برقته المعهودة )

كلمته كلاما أشبه بالهذيان ) - ( تكلم كل منا كلاما كثيرا ) ( اسمع منه ما يهد الكيان ويمزق الشعور ) وكذلك الوصف فالقصة خالية منه المفروض أن الحوادث وقعت فى طرابلس الغرب ، فى بيئة ما فكان على الكاتب آن يجعلنا نعيش برهة من الزمن فى طرابلس ا فى البيئة نفسها فنرى لباسهم وآثاثهم وسكناهم وعاداتهم وطرق معيشتهم . والوصف نراه فى اول القصة فى مكان التعارف ثم فى مواضع الجمل التالية ( وكانت جلستنا بين الأشجار الوارفة ) -( رأيته فى منظر لم أره قط فى مثله ) ( بينما كنت فى البيت مع أمي . )

- واما المواقف الرئيسية فكان على الكاتب أن يبرزها ويشع عليها ويجعلها ركائز للقصة لما لها من الأهمية والخطر وهى التى تتلخص فى قوله : و ( فى ذات يوم . ارتميت على صدره وأخذنى الشهيق والبكاء ، ) وكذلك موقف انقضاضها على الصديق النائم . القصة حافلة بالعيون المغمورة المطوية وهى تربية عاطفية لامرأة ، موضوع طريف لا نعلم كثيرا من الكتاب طرقوه بمثل هذا الإخلاص للحقيقة غير أن خلوه من الوصف والبيئة والظروف والحوار يجعلنا نحضر صراع شخصين في الظلام . فعسى الكاتب أن يتأمل هذه الملاحظات ويأخذ ما يراه صوابا وعسى أن نقرأ له ما يمتعنا ويرفع من أدبنا إلى المستوى الإنسانى الراقى

اشترك في نشرتنا البريدية