ان افتقادنا للدراسة الادبية الرصينة أصبح يشغل بالنا باستمرار ، ذلك أن الباب ما فتئ يفتح أمام الخاطرة الموجزة واللمحة العابرة دون استشراف كيان الفكر التونسي والغوص فى خفاياه . اذ ما تزال جرائدنا تطالعنا بالنقد السريع لما ينشر . ونحن اذ نرى هذا الرأى انما نعجب شديد العجب حينما نقرأ بعض ما كان يقوله النقاد ورجال الادب فى الثلاثينات والاربعينات من قرننا الحاضر حيث كان شغل التونسيين الشاغل : " اقرار جذور للذاتية التونسية " بشتى ضروب النضال حزبيا كان أم نقابيا أم فكريا أم اجتماعيا . ولنا فى الحبيب بورقية ومحمد على وفرحات حشاد والشاب والطاهر الحداد والطاهر صفر ما يجعلنا نعتز بهذا الرصيد الزاخر بالبطولات ، ونفتخر بهؤلاء الذين جاهدوا فى سبيل ارساء قواعد القومية التونسية .
كيف نرى هذه القومية ؟
ان الوضع الجغرافي للبلاد التونسية كان منذ القديم يؤهل هذه الرقعة من الارض لتكون جسرا بين شرق الحضارة وغربها ... ولعلنا كنا أكثر من جسر ، حيث أغترفنا من الثقافتين ، وانك لواجد فى آثارنا القديمة قبل الاسلام وانتصابه أطلال المعبد الى جانب أطلال المعمل الى جانب أطلال المسرح مما لا محالة بدفعك الى التأمل فى عناصر حضارة البلاد . فالمعبد هو ضمير الشعب ومركز تأمله فى الكون ومصدر ايحاء ماورائى لا ينضب . والمعمل اشارة لازدهار العمران والنزوع الى المادة واستجابة صريحة لروح التطور العلمى ، كما أن المسرح رمز لفلسفة الحوار وتتويج لارادة الامة على التشاور والتثقف والتأثير . فالأمة التى احتضنت حضارات عديدة ومتباينة الكثبان ، قد هضمت جل ما أخذته عنها ، وابتدعت اذ الابداع من خصال الشعوب القادرة والواعية . فكان " دومودور " و " سان أوغستان " من أكثر ادباء ومفكرى تونس قبل الاسلام والعربية تعبيرا على الابداع الاصيل
وتفجيرا لقومية هذه الامة المجيدة ، تم ساد صمت موحش بعد الاسلام ، ما عدا طفرات ضئيلة من اشعاع فكر صادق الى أن تحرك رجال اوفياء لهذه الارض ، تحركوا فى مجالات عديدة يعيدون لتونس كيانها وشخصيتها ويوقظونها من رقدة التاريخ الكاسد .
مساهمة الأدب فى الحضيرة القومية :
اذا كان دور السياسة معروفا لدينا الآن واضح المعالم ، فان رسالة الادب ما زالت مجهولة لا تكاد تذكر . وما من دارس لشعر الشابي ونثره ألح الالحاح العلمى الكامل على هذه الناحية بالذات . فارادة الحياة ونبذ الموت لدى شاعرنا النابغ ينبعان من نفسية تونسية جبارة يجب الربط بينها وبين تفكير الاستاذ المسعدى ، كما أن درس الشابى لقضية الخيال وعقم الادب العربى وتفكيره الجرئ تندرج ضمن احساس الشابى بوطأة قوميته الصادقة المنغرسة الجذور وفى هذا السياق ايضا نضع نظرة الطاهر الحداد للمرأة ودفاعه عن نظرة خاصة للعلاقة الزوجية كما أننا نضع فى نفس الاطار خواطر الطاهر صفر فى منفاه وهى لا تمت بأية صلة واضحة للادب العربي أو الفكر الاسلامى بل هى أقرب روحا وشكلا من تأمل الغربيين ، وليس فى ذلك غرابة أو موطن دهشة إذ أننا كنا دائما منفردى الملامح ، لا نأخذ من فاتحبنا سوى القالب اللغوى الجوهرى فنطوره ونشحنه بطاقة فكرية باسلة تتجاوز متانة وقوة ما كتبه أهل اللغة الفاتحون . ( راجع الادب التونسي اللاتينى والبربرى ) .
مكانة الحليوى فى هذه الحضيرة :
ن جهاد الاستاذ محمد الحليوى واخلاصه للادب والفكر يستحقان حتما رعاية كل النوايا الصادقة .. فهذا الرجل الذى يصدر لنا اليوم مجموعة قيمة من مقالاته فى الصحافة والمجلات ، ساهم مساهمة جليلة فى ابراز الذاتية القومية فى ناحية طريفة من نواحى الادب وهى " النقد " فلقد شغل استاذنا نقاد الربع الثاني من هذا القرن بما ابداه من سديد الآراء الجريئة وما أبدعه من رائع الافكار . فهو يذكرنا فى مقدمة كتابه بغرض نشره لهذه المقالات حيث يقول :
" ومما لاشك فيه أننا لم نستثمر بعد فى تونس هذه الثروة الضخمة من أدب المقال النائمة فى بطون النشريات منذ ما يقارب نصف قرن ، والتي تمثل جهود عشرات السنين من الكتابة والنشر والكفاح فى سبيل نشر ادب تونسى بعد أن عاش هذا الادب قرونا عديدة يأخذ من الادب العربي ولا يعطي أو ظل قانعا بالادب المصدر من عواصم الشرق دون أن يدخل يوما فى حسابه " اذن فغاية الحليوى ومن نحا نحوه من أدباء جيله كانت تكوين أدب تونسي يحمل
كيان هذه الامة ويتغنى بآمالها وآلامها . ويمضى الحليوى فى مقدمته متحسرا على انعدام السند التونسى فيما تقرأه الاجيال ، داعيا لنفي نفسية " اليتم الثقافي " فى بلادنا ، فيقول : " وبذلك نشأ تلامذتنا وطلابنا على هذا الجهل الشائن بكل ما يتعلق بالادب التونسى وحملة الاقلام التونسين والمغاربة بينما هم يعرفون أشياء كثيرة عن أدباء الشرق وأعلامه ومؤلفاته .
وبذلك نعتقد اعتقادا راسخا أن هدف الحليووى وجيله بصفة عامة لم يكن الخلق فحسب بل هو خدمة قضية الامة التونسية ببعث أمجادها والبحث عن عناصر شخصيتها وهو هدف لا محالة نبيل وشريف .
دعائم الامة فى كتاب الحليوى :
أول دعوة صريحة لبناء أدب قومى وردت فى الكتاب كانت دعوة المرحوم محمد البشروش " بجريدة النهضة " فى صيف عام 1930 جاء فيها قوله مثلا : " وليس للشعوب العربية أدب قومى يميز كل شعب عن الآخر ، وانما لها أ هو صورة للروح العربية عامة يعبر عما انتابها وطرأ عليها من المؤثرات والحوادث . . . " يستعمل البشروش هنا اصطلاح " الشعوب العربية " ويضيف معللا رأيه قائلا :
" حتى يكون لكل بلاد عربية أدب تتلمس فيه روحها ونفسيتها ، وتظهر به للعالم أمة مستقلة لها مميزاتها .. " نلاحظ هنا اصطلاح : استقلال ويثير هذا الرأى جملة من الردود من بينها وأهمها رأى الاستاذ الحليووى الذى يتحمس للفكرة قائلا :
" ان فكرة الادب القومى فكرة شريفة ترمي الى غرض شريف وليس فيها كيد للغة أو قضاء على القرآن . . ان الادب القومى كما أفهمه - أدب يعنى قبل كل شىء بوصف الحياة القومية فى كل مظاهرها ، ويتناول حياة أهلها بما فيها من جمال وببساطة ٠٠٠"
ثم يتصدى الحليوى لنقد الادب التونسي على ضوء هذه العناصر القومية . فيصدع برأى جرئ حى ، قائلا :
" أما نحن ، فلو قدر لآثارنا أن يتناولها دارس بعد مائة من السنين ، يحاول أن يتعرف من خلالها على حياتنا ويلم بأساليب عيشنا وميزات عصرنا ، ويؤلف من كل ذلك صورة صادقة لمجتمعنا ، فماذا عساه يجد ؟ لاشك أنه واجد كلاما كثيرا لا يصور حياتنا باخلاص وصدق ، بل يجد جهلا فاضحا توظيفة الادب فى حياة الأمة ، وتقليدا أعمى لاقوام مضوا وبادوا ، ونتاجا كاذبا لا يترجم عن واقع أو حقيقة ولا يمت الى حياتنا الحاضرة الا بأوهى الاسباب " .
بهذه الحدة ، يعاني الحليوى أزمة الخلق الفكرى فى تونس ، ونحس أكثر فأكثر بتوق الفنان الى الحرية فى التعبير والافصاح ، حيث كان جيله يتأزم لهذه المأساة التى صنعها ذوو العمائم من " كبار الحومة " فى الادب ، الذين يقدسون معلبات الحضارة دون تفكير سليم . والذين قصدهم الحليوى بقوله " حتى اذا حاول أحدنا أن يأخذ لنفسه حرية التصور والتخيل ، ويطلق عقله من أسر التقليد ، صاحوا به من كل جانب وأتوه من كل حدب وصوب ، وأقاموا على العربية مناحة ودعوا بالويل والثبور على كل من قام يدعو الى ترك النفاق والكذب أو يمزق الاقنعة المزيفة ، وقالوا : " انما يفسد عمود الشعر العربى ويحطم صرح العربية ، ويحاول التفريق بين اهلها ، وانه ينكر ماضيها أو يتنكر له ٠٠٠ "
هذه ملامح الصراع بين الاجيال ، جيل تقليدى تلقى ثقافة اسلامية لم تتجاوز قواعد اللغة القديمة وأركان الفقه والتوحيد وجيل آخر آمن بضرورة الكرع من عدة أحواض والغوص فى الماضى ليستمد منه أروع واجدر ما فيه ، مع غربلة الفكر العربى من شوائب التقهقر ونخالة السقوط والانحلال . وينهى الاستاذ الحليوى جملة أفكاره الثورية الرائعة بتعريف موجز للادب القومى قائلا ، مستخلصا :
" فمسألة انتاج أدب قومى ليست اذن مسألة عصبية أو مؤامرة لاغتيال للغة العربية ، وانما هى منحى من من مناحى الادب وصورة من صوره ، يطبع منتجات الكتاب والشعراء بطابع الامة الخاص ... "
الملامح التونسية عبر الشخصيات الادبية :
بعد أن بسط الاستاذ الحليوى جملة آرائه فى القومية والادب الخاص بكل شعب ، بعد أن طرح القضية فى نقد صريح لا لبس فيه ، يمضى فى دراسة عدد من الشخصيات الادبية دراسة يتبين فيها القارىء الحصيف ملامح الأمة ومميزاتها فهذا النقد ليس فحسب تعريفا بهؤلاء الادباء ، بل وأبعد من ذلك استقصاء لحذورهم . ومقارنة بينهم وبين قدماء الغربيين ومعاصريهم . فدراسة أبى القاسم الشابي تتسم أولا بطابع الصداقة والالفة بين الشاعر وناقده ، و ثانيا بابراز نواح طريقة وفريدة من شخصية الشابى وشاعريته كنابغة تونسى .
فالشابى فى دراسة الحليوى قريب من المناخ الرومنتيكى فى فلسفته المتبرمة . يعاني حالة " التأزم الرومنتيكى " هذا الذى عاناه أبطال رومنتيكيون مثل روى بلاس بطل هيجو ، وشترتون بطل دوفينى وفرتر بطل قوته وروني بطل شاتوبريان ومنفريد بطل بيرون . فى هذا المدار يضع الحليوى صديقه
الشابى اذ هو أحد أبطال الروايات والملاحم الرومانتيكية ، بما يحملون في نفوسهم من ذبذبه وبحث متواصل عن الحقيقة ، ويلح الحليوى على فكرة " ادماج الانسان فى الكون " وحمله لمأساة الحياة فى قلبه ، فالانسان الفنان فى تونس هو الذي يزخر قلبه فعلا بكل ما فى الطبيعة ، كأن قلب التونسي يضارع هذه الارض المباركة . . . فهو كما كانت دائما ملتقى التيارات المختلفة المتباينة . . كأن قلب الشابى هو قلب تونس فى اندماجه الشامل بالكون طبيعة وفلسفه وتاريخا . ثم ان الحليوى يبرز لنا ثقافة الشابى الغربية ، التى تظهر خاصة فى تأثره بالاساطير الاغريقية القديمة . فهو يؤمن بان الانسان يأتى للحياة من عالم النور لينزل الى الصراع البشرى المستمر . كما أن الحليوى يبرز ناحية هامة فى أدب الشابى ، فيدرس أفكاره في شعبه ، والحقيقه أليس حقد شاعرنا الكبير على شعبه هو قمة ما يستطيع ان يعبر عنه فنان من المحبة العنيفة ، وأليس رفض الشعب الجاهل لشاعرية الشابى رفضا لاصالة الشعب وجذوره القديمة وتوقه للحياة .
وفى دراسة أزمة النقد فى تونس ، يظهر الحليوى للنور عدة آراء تونسية أهمها رأى الاستاذ المسعدى الذى يعتبره المؤلف من أشهر كتاب الادب الرمزى الذين فجروا اللغة العربية ليخرجوا بها عن جمودها وركودها المزمن .
وفى فصل آخر من فصول الكتاب يتصدى المؤلف للحديث عن نقائص الانتاج الادبى فى تونس فى الثلاثينات من هذا القرن ، وهو يثور لظاهرة الضحالة ، ويمكن لنا بيسر أن نلمس أسباب هذه الضحالة ، فهى ناتجة عن تخلى الادباء عن أصدق ما فيهم " روحهم التونسية " والتفافهم حول باني القيم التقليدية ، وهذا الحديث دعوة صريحة للثورة على القيم المهترئة المعينة . يقول الحليوى : يجب على الكتاب والشعراء أن يكونوا جريئين فى بسط آرائهم بل ثائرين وان لا يتقيدوا بنظرية من نظريات الادب أو مدرسة من مدارسه .. "
وكذلك يمضى الاستاذ المؤلف مبينا ملامح تونس العريقة فى كل من محمد البشروش وصالح سويسى ومحمد بوشربية وكرياكة ومحمد الفائز ومحمد العربى الكبادى وأبى الحسن بن شعبان والحبيب جاوحدو ...
هذه اللمحة أردتها تقديما لكتاب الاستاذ محمد الحليوى ، وتحية ابن لوالده أرفعها تقديرا لجهود الاستاذ الذى بقى شابا فى تفكيره الثورى الصحيح وشخصيته الجريئة صديقا لكل الشبان الذين يكتسحون الآنات النشر ليثبتوا أن هذه الارض التونسية ليست عاقرا .

